كتاب الحج 9

الدرس في كتاب الحج 9، ألقاها

تعريف الهدي وشروطه الأساسية

الهدي هو ما يهدى إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام، ويشترط فيه أن يكون من بهيمة الأنعام وفي السن المعتبر شرعاً وسالماً من العيوب. يُذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بين السن المعتبر للهدي في الحديث النبوي.

تفصيل شروط الهدي والأضحية

يشترط في الهدي والأضحية أن تكون سالمة من العيوب الشرعية مثل العوراء والمريضة والعرجاء والكسيرة. يجب أن تتوفر خمسة شروط: أن يكون من بهيمة الأنعام، وفي السن المعتبر، وسالماً من العيوب، وفي زمن ومكان الذبح المعتبرين شرعاً.

توزيع لحم الهدي والإشارة لأنواع الهدي

يجب توزيع لحم الهدي على الفقراء. كما يشير المقطع إلى وجود أنواع للهدي وأن الحديث عنها سيتم تأجيله إلى درس قادم، ويختتم بالدعاء والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، المسألة الثالثة من مسائل الباب الثالث في كتاب الحج في الهدي وأحكامه. الهدي ما يهدى إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، تقرباً إلى الله تعالى. وهذا التعريف فيه شيء من الإيجاز؛ وذلك لأن هناك أشياء لا بد أن تتوفر في الهدي. وقد ذكر من ذكر من العلماء -رحمهم الله تعالى- أن الهدي حتى يكون هدياً صحيحاً لا بد أن تتوفر فيه خمسة شروط. الهدي حتى يكون صحيحاً معتبراً شرعاً لا بد أن تتوفر فيه خمسة شروط. الشرط الأول: أن يكون من بهيمة الأنعام، أي من الإبل أو من البقر أو من الأغنام؛ لأدلة كثيرة. من هذه الأدلة ما جاء عنه -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أنه ذبح أو أنه نحر الإبل في حجة الوداع، وجاء أيضاً أنه ذبح عن نسائه البقر، وجاء أيضاً عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه أذن بذبح الغنم. فلا بد أن تتوفر في الهدي شروط، أولها أن يكون من بهيمة الأنعام. فلو لم يكن من بهيمة الأنعام، كمن ذبح مثلاً غزالة أو ذبح حصاناً أو ما شابه ذلك، فإنه لا يجزئه. الأمر الثاني: والشرط الثاني أن يكون في السن المعتبر؛ لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن». والحديث رواه مسلم من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-. المسنة من الإبل هي ما بلغت خمس سنين، ومن البقر ما بلغت سنتين، ومن المعز ما كانت ما بلغت السنة، ومن الضأن ما بلغت ستة أشهر. إذن هذا الشرط، والشرط الثاني لا بد أن يكون السن معتبراً شرعاً؛ للحديث المذكور، ولقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. والألف واللام في قول الله جل وعلا: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ها هنا العهد الذهني، أي الهدي المعتبر المعروف شرعاً. لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تذبح إلا مسنة»، ومسنة من الإبل أو من البقر أو من الغنم. والمسنة تقدم: من الإبل هي بنت خمس سنين، ومن البقر بنت سنتين، ومن المعز ما أكملت السنة، ومن الضأن ما كانت كذلك. فإن لم تجد فتذبح جذعة من الضأن. فأشهد أن هذا هو المجزئ في السن. وأيضاً من الشروط المذكورة: أن يكون الهدي سالماً من العيوب. والعيوب أربعة مذكورة في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- كما عند الإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم. قال البراء بن عازب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أربع لا تجزئ في الأضاحي»، وكذلك يدخل في معناه الهدي. قال: «العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة التي لا تنقي». فالعوراء البين عورها: العوراء معلومة، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر وصفاً زائداً، وهو أن يكون عورها بائن، بمعنى أن عورها إذا لم يكن بائن -يعني طرء بعين، والعين الأخرى لا ترى، لكن لا يعلم ذلك إلا لمن خبرها- فمثل هذه عورها ليس ببائن. ولا سيما إن كانت ترعى مع غيرها من الغنم، فلا تتخلف عنهم وتأكل معهم وتصرح وتمرح معهم، فهذه لا بأس بها. أما إذا كان عورها ظاهر بائن، فهذه هي غير المجزئة. كذلك في المريضة: المريضة التي قد ظهر مرضها وبان مرضها، كذلك غير مجزئة. والعرجاء البين ظلعها: والمقصود بقوله ظلعها، أي البين عرجها. ومعنى هذا أن العرجاء كذلك التي فيها شيء من العرج، لكن ليس ببين، وتستطيع أن تدرك غيرها من الغنم في المسرح وفي المرعى وفي المأكل والمشرب، لا تتخلف عنهم بسبب عرجها، فهذه مجزئة. لكن إن كانت تتخلف عنهم بسبب عرجها بيّن، فمثل هذه هي غير مجزئة؛ لأنها بين عورها أو بين عرجها. والكسيرة التي لا تنقي: أي الهزيلة التي ليس فيها مخ، هزيلة جداً لا ينتفع بها. فمثل هذا لا تجزئ. إذن الشرط الثالث: أن تكون سالمة من العيوب شرعاً، أي من العيوب الشرعية المذكورة في حديث البراء -رضي الله عنه وأرضاه-. وجاء في حديث البراء أنه قال: «فإني أكره أن يكون في القرن نقص أو في الأذن نقص أو في السن نقص». قال: «ما كرهت فدعه، ولا تحرمه على أحد». يعني إن كان مثلاً الهدي مثلاً الشاة سنها مكسور أو قرنها مكسور أو ما شابه ذلك، هل تحل أم لا؟ الجواب: تحل. لكن من تركها وأخذ الأكمل فهو أكمل وأفضل. والشرط الرابع: أن يكون الهدي في زمن الذبح المعتبر شرعاً. والعلماء -رحمهم الله تعالى- في الزمن في زمن الذبح على قولين. منهم من يقول: إنه يشرع بعد إحرامه بالعمرة، أي للمتمتع له أن يذبح بعد أن يشرع في العمرة. وبعض أهل العلم ذهب إلى أنه لا يذبح ولا يهدي إلا بعد الرمي، رمي جمرة العقبة، أي في يوم عيد الأضحى. إن رمى قبل، وذبح قبل الرمي الأمر واسع. لكن لا بد أن يكون في عيد الأضحى وفي أيام التشريق. وهذا هو الصحيح؛ لأمور كثيرة. منها قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. ومعلوم أن الهدي يبلغ محله إذا فرغ الحاج من حجه، بأن يقف بعرفة، ثم يرمي الجمرة، ثم ينحر. كما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم حلق رأسه. ففعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بيان لهذا الأمر، أي أنه يذبح بعد أن يقوم بأمور الحج، ولا سيما بعد أن يرمي العقبة على الأفضلية. فإن قدم أو أخر، فالأمر واسع في مسألة تقديم شيء على شيء من الأنساك في يوم النحر. لكن لا يذبح إلا في يوم النحر؛ قد سمي هذا اليوم بيوم النحر. فأشهد أنه لا بد أن يكون في يوم النحر. النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا أحلق رأسي حتى أنحر هديي». وما حلق رأسه حتى نحر هديه. وهذا يدلنا على أن الزمن معتبر. الشرط الخامس: أن يكون في مكان الذبح المعتبر شرعاً. والمكان لا بد أن يكون في مكة؛ لأن الله جل وعلا أمر بذلك في كتابه الكريم. سواء كان في التمتع والقران. معروف أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ذبحت هاهنا، ومنى ومكة وفجاجها كلها منحر». فدل على أن مكان النحر هو مكة. والله جل وعلا يقول في شأن قتل الصيد لمن قتله متعمداً: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. إذن لا بد أن يكون في مكة. وأيضاً مما يحتاج إلى تنبيه: ما يحصل من كثير من الحجيج بسبب الجهل المفرط في كثير منهم، وعدم التزامهم بأحكام الهدي، بل ومعرفتهم به ربما وفروا هذه الشروط كلها، إلا أنهم ينحرون أو يذبحون الهدي ويرمون به في الطرقات أو في الأماكن، ولا يعطونه للفقير، ولا يوزعونه للفقراء. والله جل وعلا قد حث وأمر على إطعام الفقراء، وعلى توزيع ذلك الهدي، يعني لحم ذلك الهدي للفقراء. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. وأطعموا: اللفظ ها هنا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. فالشاهد من هذا: أن من الأشياء والأخطاء الشائعة في مسائل الهدي. إذن الهدي وكذلك الأضحية لا بد أن تتوفر فيه الشروط المذكورة، وهي خمسة كما سمعتموها: الأول أن يكون من بهيمة الأنعام، والثاني أن تكون في السن المعتبر شرعاً، والثالث أن يكون سالماً من العيوب، والرابع أن يكون في زمن الذبح المعتبر شرعاً، والخامس أن يكون في مكان الذبح المعتبر شرعاً. هذه خمسة شروط لا بد أن تتوفر في الهدي، وكذلك في الأضحية. لأن باب الهدايا والأضاحي باعتبار ما يقرب إلى الله جل وعلا، الشروط فيها معتبرة في هذا وذاك. قلنا: الهدي ما يهدى إلى البيت الحرام من بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم، تقرباً إلى الله تعالى. وهذا الوصف، وهذا أيضاً شرط من الشروط: أن يكون تقرباً إلى الله جل وعلا. فالهدي لا بد أن يكون قربة، فهو قربة عظيمة إلى الله جل وعلا. فمن أخلص النية فيها لله جل وعلا، تاب الله عليه، التواب العظيم بإذن سبحانه وتعالى. وللهدي أنواع، ولكن الوقت قد داهمنا، فنؤخر الكلام على أنواع الهدي وبقية الكلام على أحكامه إلى درس لاحق بإذن الله جل وعلا. إلى هنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على