الدرس في شرح فتح المجيد 16، ألقاها
يتناول المقطع الأول شرح مفهوم الاستحقاق عند أهل السنة والجماعة والمعتزلة، حيث يختلفون في وجوب الثواب على الله للمطيعين. يبين المقطع آراء الجبرية والقدرية النافية في هذا السياق.
يثبت أهل السنة للعبد الفعل والمشيئة، ويفرقون بين فعل الله وهو الخلق وفعل العبد وهو مباشرة الأعمال. يبين المقطع أن أفعال العباد سبب لثواب الله أو عقابه.
يشرح المقطع معنى العبادة والتوحيد وعلاقتهما برسالة النبي محمد ﷺ، ويبين أن العبادة هي التوحيد وأن الخصومة فيهما متلازمة. كما يوضح حق العباد على الله بإثبات الرسالة.
يتناول المقطع شرح حديث معاذ ومسألة كتمان العلم، ويبين شرط قبول العبادة وهما الإخلاص لله ومتابعة سنة الرسول ﷺ. كما يستدل على عدم جواز كتمان العلم بآية قرآنية.
طيب، لكنا في الدرس السابق أو تكلمنا في الدرس السابق عن بعض فقرات حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه، وتوقفنا عند قول الشيخ. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: كون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق إنعام وفضل، هو استحقاق إنعام وفضل. قلنا: هذا ماذا بمن؟ ماذا بالسنة والجماعة؟ قوله: ليس هو استحقاق مقابلة كما استحق المخلوق على المخلوق. قلنا: ماذا بمن؟ هذا المعتزلة القدرية. قال: فمن الناس من يقول: لا معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك، ووعده صدق. هذا قلنا: ينطبق على مذهب من؟ على مذهب الجبرية. طيب، قال رحمه الله: «ولكن أكثر الناس يثبتون استحقاقا زائدا على هذا، من يريده؟ ولكن أكثر الناس يريده بما أهل السنة والجماعة». طيب، كما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: «لكن أهل السنة يقولون: هو الذي كتب على نفسه الرحمة، وأوجب على نفسه الحق، لم يجب عليه مخلوق، هو الذي كتب على نفسه الرحمة». وهذه كتابة فضل من الله عز وجل ورحمة، وأوجب على نفسه، لم يجبه عليه أحد، بل هو أوجب فضلا منه على من شاء من خلقه. قال رحمه الله تعالى: «والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه بالقياس على المخلوق، بالقياس على المخلوق». كما تقدم معنا: أن المعتزلة قدرية، وأن المعتزلة قدرية في هذا الباب، فهم يقولون: ما وجب على المخلوق فهو واجب على الله. فكما أن المخلوق إذا فعل إحسانا إلى مخلوق آخر وجب على الآخر أن يثيب الأول على إحسانه، كذلك إذا عمل العبد الطاعات لله عز وجل وجب على الله عز وجل أن يثيب هذا العابد على عبادته، إيجاب استحقاق ومقابلة، لا إيجاب فضل واحسان واكرام من الله عز وجل، بل هو ماذا؟ إيجاب استحقاق، بمعنى أن الله عز وجل إذا منعه ذلك كان ظالما له والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: «وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له»، أي: أن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم، وهم الذين فعلوا الطاعات كذلك بأنفسهم، وأن الله عز وجل ليس له فضل عليهم بتوفيقهم إلى الطاعات، وكذلك بعونهم على فعل الطاعات. فالله عز وجل لم يفعل شيئا حقيقة في ماذا؟ في مخلوق، بفضل أو لا، أولا وآخرا، إلى من؟ إلى ذلك المخلوق. فإن فعل خيرا وجب على الله عز وجل أن يثيبه على ذلك الخير وجوبا، وهذا الوجوب هو وجوب ماذا؟ وجوب استحقاق ومقابلة، وجوب استحقاق ومقابلة، لأنه هو الذي خلق فعله، وهو الذي فعل الطاعات، وهو الذي فعل ما يستحق عليه ماذا؟ الثواب والأجر الجزيل. قال رحمه الله تعالى: «وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب». وغالط في ذلك. واضح: جماعة المعتزلة ماذا يقولون؟ قال رحمه الله: «وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب له»، أي: دون أن يكون الله عز وجل هو الذي أوجب على نفسه ماذا؟ أن يثيب المطيعين على طاعتهم. إنه هو الذي أوجب على نفسه، بل يقول: إنه واجب على الله عز وجل. من الذي أوجبه على الله عز وجل؟ المخلوق أوجب على الله عز وجل أن يثيب ماذا؟ أن يثيب الطائع على طاعته. والحق في هذه المسألة: أن الله عز وجل هو الذي أوجب على نفسه ماذا؟ أوجب على نفسه هذا الوجوب من باب ماذا؟ من باب الفضل والإحسان. واضح: جماعة. قال نبينا ﷺ: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قال: «حق العباد على الله»: أن لا يعذب من لم يشرك به شيئا. هذا الحق: هو واجب من العباد على الله أم أنه واجب من الله عز وجل أوجبه على نفسه على مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الحق الذي لا ريب فيه ولا شك: أنه من فضل الله عز وجل، وأن الله عز وجل كتبه على نفسه من باب الفضل والإكرام. فهو الذي أوجب على نفسه ما أوجب، وحرم على نفسه ما حرم. واضح: جماعة. كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وكما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، وكما قال ربنا عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما». فالله عز وجل هو الذي حرم الظلم على نفسه، وهو كذلك الذي أوجب ما أوجب على نفسه. فهو الذي يحرم ما يشاء على نفسه، كما أنه هو المحرم على من شاء من خلقه سبحانه وتعالى، وكذلك هو الذي أوجب على نفسه ما شاء سبحانه وتعالى، كما أنه هو الذي يوجب على عباده ما شاء. فالعباد لم يجبوا على الله عز وجل شيئا، وأن لهم ذلك. وكذلك لم يحرموا على الله عز وجل شيئا، وأن لهم ذلك. واضح: جماعة. فالأمر من الله عز وجل وإليه سبحانه وتعالى. فهذا هو خلاصة هذه المسألة في هذا الباب، وإلا فإن المسألة أخذ ورد، وقد أشرنا إلى معنى هذا الكلام في الدرس الماضي. قال رحمه الله تعالى: «وهذا الباب غلطت فيه الجبرية القدرية، أتباع جهم والقدرية النافية». القدرية الجبرية الذين غلوا في إثبات القدر لله عز وجل، ونفوا القدرة والمشيئة والإرادة عن المخلوق، فقالوا: إن المخلوق ليس له إرادة ولا قدرة ولا له شيء ولا فعل، بل الله عز وجل هو الذي يفعل فيه ما شاء. فإذا كفر الكافر فالفعل من الله، وإذا فسق الفاسق فالله عز وجل حقيقة هو الفاعل لذلك الفسق، وإذا ظلم الظالم فالله عز وجل حقيقة هو الفاعل لذلك الظلم، تعالى الله عز وجل وتنزه عن هذه المقالات الباطلة البائرة والعياذ بالله. واضح: جماعة. لأنهم يقولون: ليس لنا فعل ولا إرادة ولا مشيئة، إنما الله عز وجل هو ماذا؟ هو الفاعل، وهو المشيء، وهو المريد، وهو الذي يشاء ما يشاء، وهو الذي يختار، إلى غير ذلك من المعاني. فإذا كفر الكافر قالوا: هذا فعل الله، وإذا فسق الفاسق قالوا: هذا فعل الله، وإذا حصلت من الجرائم والمعاصي ما حصلت قالوا: إنما هذا ماذا؟ فعل الله، وليس العبد في ذلك ماذا؟ فعل، وليس في ذلك العبد ماذا؟ فعل. فينسبون القبائح إلى الله عز وجل، فيقولون: إن القبائح التي وقعت في الكون إنما هي من ماذا؟ من فعل الله عز وجل. وقابلهم ماذا؟ قابلهم القدرية الغلاة، ماذا؟ القدرية النافين، الذين ماذا؟ الذين نفوا القدر عن الله عز وجل، فقالوا: ليست لله عز وجل قدرة على العباد، ولا مشيئة ولا إرادة، بل العباد هم الذين لهم القدرة والإرادة والمشيئة، يفعلون ما يشاءون، ويخلقون ما يشاءون من أفعالهم، وكذلك يريدون ما يشاءون. فإن فعلوا الطاعة وجب على الله إثابتهم، وإذا فعلوا المعصية فهي من أفعالهم، ووجب على الله عز وجل ماذا؟ أن يعاقبهم في ذلك. قال الشيخ: «وهذا الباب غلطت فيه الجبرية أو قل القدرية الغلاة والقدرية النافين». واضح: جماعة. القدرية الجبرية الذين غلوا في إثبات القدر لله عز وجل، ونزهوا المخلوق. وكذلك في المقابل: القدرية النافين الذين نفوا القدر عن الله عز وجل. والحق كما مر معنا مرارا: بين الجافين والغال فيه، كالوادي بين جبلين، كالوادي بين جبلين. الحق بين غلو هؤلاء في القدر في إثبات القدر لله عز وجل ونفيه عن المخلوق، وبين ماذا؟ وبين غلو أولئك في نفي القدر عن الله عز وجل وإثباته لماذا؟ للمخلوق. فهل أهل السنة والجماعة يقولون: إن الله عز وجل له قدرة ومشيئة وإرادة وفعل لائقة بالله عز وجل، والعبد كذلك ماذا؟ له فعل وإرادة ومشيئة وكذلك اختيار، يفعل بها ما شاء، يفعل بها ماذا؟ ما شاء. فإن فعل الطاعة استحق عليها ماذا؟ بمعنى أن الاستحقاق هنا استحقاق فضل، استحقاق فضل، أي: من فعل الطاعة كانت هذه الطاعة سببا. واضح: يا جماعة. كانت هذه الطاعة سببا لماذا؟ لثواب الله عز وجل. ثم هذا السبب قد يتخلف لمانع، قد يتخلف ماذا؟ لمانع، أو لعدم توفر شرط في صحة ذلك العمل. فالحاصل: أن الأعمال الصالحة سبب لماذا؟ لدخول الجنة، وليست هي حقا لأجل دخول ماذا؟ الجنة. حق استحقاق، بمعنى أن من فعل الطاعة وجب عليه أن يدخل الجنة، وجب على الله أن يدخلهم الجنة، بل من فعل الطاعة كانت هذه الطاعة سببا في ماذا؟ في دخوله الجنة، بعد ماذا؟ بعد فضل الله عز وجل ورحمته. قال ﷺ: «إنه لن يدخل أحد الجنة بعمله»، قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». برحمة منه وماذا؟ بفضل. فيدخل من يدخل الجنة بسبب عمله، وبفضل الله ورحمته. واضح: جماعة. يدخل بعد فضل الله ورحمته، ويدخل بماذا؟ بسبب عمله. واضح: هذا ماذا؟ قول أهل السنة والجماعة. فيثبتون ماذا؟ فيثبتون العمل للعبد، وأن هذا العمل سبب لماذا؟ لدخول الجنة، وأن دخوله الجنة بماذا؟ بمحض فضل الله عز وجل وكرمه، لا أنه حق على الله عز وجل أن يدخله الجنة بعمله، أي: حق استحقاق. واضح: الجماعة. وإنما هو ماذا؟ وإنما هو حق فضل وإكرام، وإنما حق فضل وإكرام من الله رب العالمين. فهل أهل السنة والجماعة يثبتون للعبد الفعل والمشيئة والإرادة، ويقولون: إن هذا الفعل والمشيئة والإرادة داخلان تحت ماذا؟ أو داخلة تحت ماذا؟ تحت فعل الله عز وجل ومشيئته وإرادته؟ فلا فعل للعبد ولا مشيئة للعبد إلا بماذا؟ إلا بمشيئة الله عز وجل. قال الله عز وجل: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. واضح: جماعة. لمن شاء منكم أن يستقيم، المشيئة ها هنا ثابتة لمن؟ للمخلوق. ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾، نفى المشيئة ها هنا. قال: ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾، إلا أن يشاء الله رب العالمين. فمشيئة العبد داخلة ماذا؟ داخلة تحت مشيئة الله عز وجل، بمعنى أن العبد لا يفعل إلا ما شاء الله. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ما شاء الله ماذا؟ كان. ومعنى كان كما مر معنا مرارا: أي وقع وحصل. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. ما شاء الله عز وجل أن يكون من الأعمال ومن الأقوال ومن الأفعال إلى غير ذلك من المعاني كانت، وإذا لم يشأ الله عز وجل لم تكن، ولو اجتمع الناس بعضهم على بعض، وكان بعضهم على بعض ظهيرا. واضح: هذا. جماعة. إذا فعل العبد الطاعات، فعل العبد الطاعات باختيار من ذلك العبد، وبمشيئة من ذلك العبد، وبتوفيق من الله عز وجل. ذلك ماذا؟ العبد. واضح: جماعة. ففعل العبد داخل ماذا؟ لا يخرج عن مشيئة الله عز وجل أبدا. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. واضح: هذا. جماعة. فأهل السنة والجماعة يثبتون المشيئة لله، ويثبتون المشيئة للعبد، ويثبتون الفعل لله، ويثبتون الفعل للعبد، ويثبتون الإرادة لله، ويثبتون الإرادة لماذا؟ للعبد. وهكذا قل في بقية هذه الأمور. يقولون في بقية هذه الأمور: وبعض أهل العلم يحاول أو يوضح هذه المسألة، ويبينها أتم بيان. فيقول: فعل الله عز وجل في العباد، فعل الله عز وجل بالعبد، فعل خلق وإيجاد. فعل خلق وماذا؟ وإيجاد. واضح: يا جماعة. فإن الله عز وجل هو الذي يوجد الأفعال، وهو الذي يخلق ما يشاء من الأفعال في العبد، حتى يفعل ما يفعل العبد. وفعل العبد، ومشيئة العبد، قال: فعل العبد، فعل ماذا؟ فعل مباشرة، لتلك الأعمال. فالعبد هو المباشر لماذا؟ مثلا للصلاة، من المصلي الذي يقرأ ويسجد ويركع، من هو؟ فهو الذي باشر ماذا؟ الفعل. وفعل الله عز وجل في العبد ماذا؟ الخلق والإيجاد. واضح: جماعة. هذا كتقريب وتوضيح وتبيين لهذه المسألة. واضح: يا أخوة. طيب، قال رحمه الله تعالى: قولهم: «قلت: الله ورسوله أعلم»، أي: في حديث معاذ حينما سأله النبي ﷺ قال: «أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قال معاذ رضي الله عنه وأرضاه، وهو من علماء الصحابة، قال: «قلت: الله ورسوله أعلم». قال الشيخ: «عبد الرحمن، فيه حسن أدب متعلم، وأنه ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يقول ذلك، بخلاف أكثر المتكلفين». واضح: يا جماعة. المعلم إذا سأل الطالب سؤالا، علم الطالب أن المعلم أراد بذلك السؤال أن يعلمه بعلم، قد يكون لم يقف عليه. فمن أدب الطالب أن يقول ماذا؟ أن يقول: الله أعلم، إلا إن دلت قرينة إلى أن المدرس أو المعلم أراد منه ماذا؟ أراد منه أن يعلم منه الجواب، حتى يعلم أنه قد علم أم لا. فها هنا ماذا؟ له أن يأتي بالجواب، كما حصل ممن؟ كما حصل في حديث أبي بن كعب عند مسلم، حينما قال له النبي ﷺ: «أي آية في كتاب الله أعظم؟» فقال كعب: «الله أعلم» في الأولى، وفي الثانية. فلما كررها عليه النبي ﷺ في الثالثة: «يا كعب -أو قال ماذا؟ يا أبي- أي آية في كتاب الله أعظم؟» فلما علم حين أن نبي الله ﷺ أراد من هذا السؤال جوابا منه، قال ماذا؟ قال: «الله لا إله إلا هو الحي القيوم». واضح: جماعة. قال: «فضرب النبي ﷺ على صدره، وقال: ليهنك العلم أبا المنذر». فهذا من هذا الباب، إن علم الطالب من هذا السؤال أن المعلم يسأل لأجل أن يتنبه الطالب، لأجل ما سيذكر من وراء ذلك السؤال من العلم، فيقول ماذا؟ الله أعلم. وكان في زمان الأول يقال ماذا؟ أي: في زمان النبي ﷺ: الله ورسوله أعلم، لأن النبي ﷺ في حال حياته أعلم من غيره في أمور دين الله عز وجل، بل لا أحد يعلم من دين الله عز وجل إلا بما علمهم إياه ﷺ. فهو يأخذ العلم من ربه عز وجل، ويبلغهم إلى غيره، ويبلغه إلى غيره. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. فهو مبلغ عن ربه عز وجل. فالحاصل: أن قول القائل: الله ورسوله أعلم، كما قال، هذا يكون فيما ذا؟ في حال حياته ﷺ. أما بعد مماته فيقال ماذا؟ فيقال: الله أعلم. فيقال: الله أعلم. وبعض أهل العلم فصل في ذلك، فقال: ما كان من الأمور الدينية فلا بأس أن يقال: الله ورسوله أعلم، لأن العلم بالأمور الدينية إنما ما أخذوه من الكتاب أو من السنة، فالله ورسوله أعلم به. وما كان من أمور الدنيا فلا يقال إلا ماذا؟ الله أعلم. قال النبي ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». واضح: على جماعة. فالخلاصة: قول القائل إذا سئل عن سؤال: الله أعلم، هذا كان في ماذا؟ في زمن الأول، لا خلاف في ذلك. للإنسان أن يقول ماذا؟ في زمن الأول، أي: في حال حياة النبي ﷺ أن يقول ماذا؟ الله ورسوله أعلم، لأن الرسول ﷺ أعلم الخلق بربه عز وجل، وهو المعلم لهذه الأمة العلم من ربه عز وجل. قال الرحمن الله تعالى: قوله: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا»، أي: قول النبي ﷺ في الحديث قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». قال: «أن يوحدوه بالعبادة»، معنى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. قال: «يوحدوه بالعبادة»، لأن قوله: «يعبدوه ولا يشركوا به شيئا»، معنى لا يشركوا به شيئا ماذا؟ أن يفردوه بالعبادة. لذا قال الشيخ: «أن يوحدوه بماذا؟ بالعبادة». فمعنى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا كما قال الشيخ: أن يوحدوه، مع التوحيد الإفراد، ومع التوحيد ماذا؟ أي: أن يفردوه بماذا؟ بالعبادة وحده سبحانه، لا شريك له. قال: «ولقد أحسن علامة من قيم حيث عرف العبادة بتعريف جامع، فقال: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان، وما داره بالامر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان». قوله رحمه الله تعالى: «ولا يشرك به شيئا أن يوحدوه بالعبادة»، فلابد من التجرد من الشرك في العبادة، ومن لم يتجرد من الشرك لم يكن آتيا بعبادة الله وحده، بل هو مشرك قد جعل لله ندا. قال: «وهذا معنى قول المصنف رحمه الله تعالى: وفيه أن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه». هذه المسائل المذكورة الذي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى في آخر الباب. قال: «وفي بعض الآثار الالهية، وفي بعض الآثار الالهية، الحديث القدسي: إني والجن والانس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي». قال رحمه الله تعالى: قوله: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». قال الحافظ: «اقتصر على نفي الإشراك في قوله: أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». وفي الأول قال ماذا؟ «حق العباد على الله أن يعبدوه فلا يشركوا به شيئا». يقول الحافظ رحمه الله تعالى: «اقتصر علينا في الإشراف»، أي: ها هنا في قوله: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». قال: «لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء»، لأنه يستدعي التوحيد بماذا؟ بالاقتضاء، أي: يقتضي كونهم أن لا يعبدوا غير الله عز وجل شيئا، أن يفردوا الله عز وجل وحده بماذا؟ بالعبادة. قوله رحمه الله تعالى: «ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم»، أن يلزم من ذلك إثبات الرسالة لنبينا ﷺ. من أي جهة؟ قال: «إذ من كذب رسول الله ﷺ فقد ماذا؟ فقد كذب الله، ومن كذب الله فهو ماذا؟ فهو مشرك». معنى هذا: أن النبي ﷺ أرسله الله عز وجل برسالة عظيمة، هذه الرسالة: أن يعبد الله عز وجل ولا يشرك به شيئا. فقول النبي ﷺ: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». قال: «فيه دليل على ماذا؟ على إثبات التوحيد بالمقتضاء، وعلى إثبات ماذا؟ الرسالة». من أين إثبات الرسالة؟ إثبات الرسالة: من أن هذا الرسول رسول حقا، إذ أنه جاء بهذا الأمر العظيم. قال: «فمن كذب الرسول فيما جاء به»، يقول: «فمن كذب الرسول فقد كذب الله». كذب الله في ماذا؟ في قوله: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا». واضح: جماعة. قال: «ومن كذب الله فهو ماذا؟ فهو مشرك». وإن شئت فقل ماذا؟ فقل: هو كافر بالله العظيم، مكذب لله العظيم. واضح: جميع. قال: «أو»، هذه أو ها هنا للتخيير. معنى أن هذا وجه، ووجه آخر أن يقال: قال: «أو هو مثل قول القائل: من توضأ صحة صلاته»، أي: مع سائر الشروط. يريد أن قوله: «ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم»، بمعنى أن قول النبي ﷺ: «وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا»، هذا الأمر له كذلك ماذا؟ شروط، لا تقوم إلا به. واضح: يا جماعة. ترك الشرك بالله عز وجل لا يأتي وحده في ماذا؟ في أن لا يعذب الله عز وجل من فعل هذا الفعل، بل لا بد من ماذا؟ من شروط أخرى تمنع ماذا؟ تمنع التعذيب، مثل ماذا؟ مثل طاعة الرسول ﷺ. فمن أطاع الرسول ولم يشرك بالله عز وجل شيئا دخل الجنة ولم يعذب، ومن وحد الله ولم يشرك به شيئا ولم يؤمن بالرسول ﷺ يعذب، ولا يدخل ماذا؟ ولا يدخل الجنة. واضح: يا جماعة. فقول الحافظ: «ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم»، إما بالأسلوب المذكور أولا: من كذب الرسول الله فقد كذب الله، أو بالأسلوب الثاني ما هو؟ قال: «أو هو مثل قول القائل: من توضأ صحة صلاته». إذا قال لنا قائل: من توضأ فقد صحة صلاته، نقول ماذا؟ نعم، لكن يقول ماذا؟ أي: مع سائر الشروط. واضح: يا جماعة. من توضأ صحة صلاته، قد يقول قائل: من توضأ صحة صلاته. طيب: إذا لم يستقبل القبلة هل تصح صلاته؟ نقول ماذا؟ لا. فماذا أردتم بهذا الكلام؟ يقول: المراد بهذا الكلام: من توضأ صحة صلاة، أي: مع سائر الشروط. واضح: جماعة. وهكذا: من «وحق الله على العباد ألا يعذب من لا يشرك به شيئا»، مع ماذا؟ مع سائر الشروط. قال رحمه الله تعالى: «أفلا بشر الناس في استحباب بشارة المسلم بما يسره الله». وفيه ما كان عليه الصحابة من استبشار بمثل هذا. قاله المصنف رحمه الله تعالى. قوله: «لا تبشروهم فيتكلوا أن يعتمدوا على ذلك فيتركوا التنافس في الأعمال». وفي رواية: «فأخبر بها معاذا عند موته تأثما»، أي: عندنا تخرج من الإثم. والصواب: تحرج من الإثم. طيب، قال: «أي تحرج من الإثم، تحرج من الإثم في ماذا؟ في أن العالم لا يجوز له أن يقتم العلم». ودليل هذا من كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۚ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. فمعاذ رضي الله عنه وأرضاه كتم هذا الحديث مدة حياته، فلما رأى أن الموت قد نزل به، وقرب منه، ودنى منه، حدث بهذا الحديث تأثما، خشية أن يكون -أو خشية أن يدخل في ماذا؟ أن يدخل في عقوبة من كتم علما- فحدث بهذا الحديث في آخر عمره تأثما رضي الله عنه وأرضاه. قال الوزير أبو المظفر -وهو المشهور بابن هبيرة رحمه الله تعالى، وهو من كبار العلماء وأجلتهم- قال رحمه الله تعالى: «لم يكن يكتمها إلا عن جاهل»، أي: أن معاذ رضي الله عنه وأرضاه لم يكن يكتم هذا الحديث إلا عن ماذا؟ عن جاهل. قال: «يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة في الطاعة». فأما الأكياس -أي: أهل الفطنة والعقول الراجحة- قال: «الذين إذا سمعوا بمثل هذا زادوا في الطاعة، ورأوا أن زيادة النعم تستدعي زيادة الطاعة، فلا وجه لكتمانها عنهم». فلا وجه لكتمانها عنهم. قال رحمه الله تعالى: «وفي الباب من الفوائد غير ما تقدم: الحث على إخلاص العبادة لله تعالى، وأنها لا تنفع مع الشرك، بل لا تسمى عبادة». بمعنى أن الإنسان لو فعل ما فعل من الطاعات فيما يحسبها طاعات، وقد أشرك بالله عز وجل معه غيره، لا ينفع ذلك العمل، ولا تسمى تلك العبادة ماذا؟ عبادة، ما دام خالطها ماذا؟ ما دام أنه خالطها الشرك. فشرط العبادة: أن تكون عبادة أن تكون ماذا؟ أن تكون خالصة لله عز وجل، وأن تكون موافقة لسنة رسوله ﷺ. فإن اختل شيء من ذلك فلا تكون متقبلة، بل كما ذكر: لا تسمى عبادة لأجل هذا. قال: «والتنبيه على عظمة حق الوالدين وتحريم عقوقهما». والتنبيه على عظمة الآيات المحكمات، أي: في سورة الأنعام. قال: في سورة الأنعام. وجواز كتم العلم للمصلحة، أي: عن بعض الناس دون بعض. قوله: «أخرجاه»، أي: البخاري ومسلم. والبخاري هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبة، نعم: ابن بردزبة. استثقل هكذا. قال: «ابن بردزبة الجوع في مولاهم». والحافظ الكبير صاحب الصحيح والتأريخ والأدب المفرد وغير ذلك من مصنفاته. روى عن الإمام أحمد بن حنبل، والحميدي، وابن المديني، وطبقتهم. ورووا عنه مسلم، والنسائي، والترمذي، والترمذي، راوين الصحيح. ولد سنة أربع وتسعين ومئة، ومات سنة ست وخمسين ومئتين. ومسلم هو ابن الحجاج ابن مسلم أبو الحسين القشيري النيسابوري، صاحب الصحيح والعلل والوحدان وغير ذلك. روى عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي خيثمة، وابن أبي شيبة، وطبقتهم. ورووا عن البخاري صحيحه، ورووا عنه الترمذي، وإبراهيم بن محمد بن سفيان، راوين الصحيح وغيرهما. ولد سنة أربع ومئتين، ومات سنة إحدى وستين ومئتين. بن سابور رحمهم الله تعالى. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.