شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 55

الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 55، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الخشوع في الصلاة وحكم النظر إلى ما يلهي المصلي

يشرح حديث عائشة عن انشغال النبي بخميصة ذات أعلام وأمره بتغييرها لئلا تلهيه، مبيناً أن الخشوع واجب أو مستحب ويظهر بسكون الجوارح. كما يؤكد أن نظر المصلي إلى موضع سجوده يعينه على الخشوع وترك الالتفات.

حديث الخميصة وعلاقته بباب الذكر بعد الصلاة

يروي حديث عائشة عن صلاة النبي في خميصة ذات أعلام وتغييرها لإنبجانية لأنها ألهته، ثم يناقش مناسبة إيراد الحديث في باب الذكر عقب الصلاة. يستفيد العلماء منه جواز الكلام اليسير بين الصلاة والذكر.

أحكام جمع الصلاة في السفر وتعريف السفر ورخص المسافر

يشرح مفهوم جمع الصلاة في السفر ويعرف السفر بالعرف لا بمسافة محددة، مستعرضاً رخص المسافر كقصر الرباعية والجمع والفطر والمسح على الخفين ثلاثة أيام. يذكر حديث ابن عباس في جمع النبي في السفر وأحكام روايته.

الختام والدعاء

يختتم المتحدث بالصلاة على النبي محمد وآله وحمد الله رب العالمين، مفوضاً العلم لله تعالى. يختم الدرس بالدعاء والخاتمة الشرعية المعتادة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فمر معنا أيها الأحبة في الله في الدرس الماضي الكلام حول ما يتعلق بباب من أبواب كتاب الصلاة من عمدة الأحكام، ألا وهو الكلام حول باب الذكر عقب الصلاة. وبقي معنا من أحاديث هذا الباب ما ختم به المصنف رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين. فقد ختم هذا الباب بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال رحمه الله تعالى: قال عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام، قال: فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف -أي انتهى من الصلاة- قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بإنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي». قال: الخميصة كساء مربع له أعلام، ومعنى له أعلام: أي له خطوط. وقال: الإنبجانية كساء غليظ. وهذا الحديث فيه بيان حكم استحاب المصلي ما يلهيه في الصلاة. والصلاة يا إخوان، كما هو معلوم، أنها موضع الخشوع، ولهذا نهي المصلي عن كل ما يلهي ويشغل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن في الصلاة لشغلًا»، أي أن المصلي في صلاته مشغول عن غيرها من الأعمال الأخرى، مشغول عن الالتفات في الصلاة أو أن يفكر في أشياء ليست متعلقة بالصلاة. وربنا تبارك وتعالى قد أثنى على عباده المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. وكيف يتأتى الخشوع إلا بأن يقطع المصلي العلائق الأخرى بما هو ليس متعلق بالصلاة؟ والخشوع يا إخوان تارة يكون من فعل القلب، كَالْخَشْيَة والخوف الذي يوجد في قلب المصلي، وتارة يكون الخشوع من فعل البدن، وكيف تعرف أن هذا البدن خاشع؟ بالسكون وقلة الحركة، وقد يتعلق بذلك دمع العين، وهكذا أيضًا ما يتبع ذلك. فإذا يكون الخشوع في الصلاة من فعل القلب، وهكذا أيضًا أثره يظهر على البدن. وأما حكم الخشوع، فقد نقل الإمام النووي رحمه الله تعالى كما في كتابه، أو كما في شرحه على صحيح مسلم، نقل الإجماع على أنه مستحب. ونقل الإجماع من النووي، وهكذا مثله كَالْخَطَّابِي وغيرهم. فذكر بعض العلماء أنهم لربما أطلقوا الاتفاق والإجماع على قولي الأكثرين والجماهير من أهل العلم، وإلا فقد جاء في هذا خلاف. فجاء عن بعض الحنابلة القول بوجوب الخشوع. وروي عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما أنه رأى رجلًا يعبث في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه». يا إخوان، من الذي يجعل الشخص يعبث في الصلاة؟ تارة يصلح العمامة، وتارة يصلح النظارة، وتارة يعدل الساعة، وتارة لربما يغلق الأزرار، وتارة وتارة... هذا يا إخوان الأصل أن القلب لم يخشع، لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. ولهذا يا إخوان مر معنا أن أكثر العلماء يستحبون للمصلي أن ينظر إلى موضع السجود، ينظر في صلاته إلى موضع سجوده، لماذا؟ لأن لا ينشغل بشيء غير الصلاة. وهكذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا كان إذا صلى طأطأ برأسه ورمى ببصره نحو الأرض. وهكذا لما دخل الكعبة في عام فتح مكة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها. وفي هذا الحديث أخبرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة، صلى في خميصة أي على خميصة، وحروف الجر تتناوب، تأتي «في» بمعنى «على». صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، نظر إلى شيء من هذه الخطوط نظرة، فلما انصرف -أي انتهى من صلاته- قال عليه الصلاة والسلام: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم». وأبو جهم هذا صحابي جليل، وليس أبا جهل، وإنما أبو جهم هذا صحابي جليل، اسمه عبيد بن حذيفة القرشي العدوي، أي من بني عدي بطن من بطون قريش، ومنهم الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. ذكروا أن أبا جهم هذا أسلم عام فتح مكة، وطال به العمر حتى أدرك خلافة ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما، فأدرك إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم في زمن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهم. ومما كان من العلماء المعروفين بالنسب وغيرها من المناقب التي ذكرت عنه، ذكروا أنه ما شرب الخمر لا في جاهلية ولا في إسلام. قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بإنبجانية أبي جهم». الإنبجانية كساء غليظ، لكنه ليس فيه هذه الأعلام التي قد تشغل وتتشوش على المصلي. ولهذا يا إخوان كره العلماء زخرفة المساجد بتلكم الرسوم والنقوش والكتابات التي تكون، ولا سيما في قبلة المصلي، أو في حيطان المسجد، أو في المحراب الذي يكون في مقدمة المسجد، أو في المنبر، بعض المنابر مزخرفة ومشيدة إلى غير ذلكم من الأمور التي أحدثت. وهكذا أيضًا في هذا الحديث الحرص على عدم الالتفات في الصلاة بالنظر إلى ما لا يجوز النظر إليه مما يلهي المصلي. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم علل ذلك بقوله: «فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي». وقد يستغرب الناظر والقارئ: ما هي المناسبة لذكر هذا الحديث في هذا الباب؟ الباب يا إخوان يتعلق بماذا؟ ما هو الباب الذي نقرأ فيه؟ يا أبا أحمد، كيف كنت مشغولا أو منشغلا؟ لست مشغولا، عمدا سألتك. نعم يا أبا عبد الرحمن: باب الذكر عقب أو عقيب الصلاة. طيب، قد يستغرب القارئ والناظر: ما هي المناسبة في إيراد هذا الحديث؟ قال الإمام ابن الملقن رحمه الله تعالى متعقبا للمؤلف للمقدسي رحمه الله: «هذا الحديث لا يظهر له مناسبة، وقد يخفى». وذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى وغفر له: «وقد يخفى وجه مناسبة الحديث لباب الذكر عقب الصلاة». قال: «وجه المناسبة أن ظاهر قوله: (فلما انصرف) يعني فرغ من صلاته، قاله: لما انتهى من الصلاة مباشرة ماذا قال؟ قال: (اذهبوا بخميصتي هذه وأتوني بإنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي). أتى بهذا الكلام قبل ماذا؟ قبل الذكر. أتى بهذا الكلام قبل الذكر». قال العثيمين رحمه الله تعالى: «فإن ذلك يفيد أن الكلام اليسير بين الذكر والصلاة لا يضر، والله أعلم». واضح يا إخوان؟ هذه فائدة لطيفة ذكرها العلامة العثيمين رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «باب الجمع بين الصلاتين في السفر». قال: باب الجمع، والجمع يا إخوان هو الضم، أن يضم الصلاة الأخرى إلى الأولى. والمراد بالصلاتين: صلاة الظهر مع العصر، وصلاة المغرب مع العشاء. وقوله: «في السفر»، المراد بالسفر يا إخوان هو مفارقة محل الإقامة على وجه يسمى سفرًا، ولا يتحدد بمسافة معينة على الصحيح من أقوال أهل العلم. وإلا فبعضهم حددها بالفراسخ والكيلومترات، فجعلها بعضهم ما يزيد على ثمانين كيلومترًا. والذي اختاره جماعة من أهل العلم أنه ليس هناك في القرآن والسنة تحديد للسفر الذي رُخِّص فيه بالفطر في الصيام، وهكذا قصر الصلاة، إلى غيرها من الرخص والأحكام. ذكروا أن كل ما ورد به الشرع ولم يحدد، فإنه يرجع فيه إلى ما يتعارف عليه أو به الناس. فما سماه الناس سفرًا، وتأهب الإنسان له، وأهاب السفر، وهيأ الزاد والمتاع الذي جرت العادة للمسافرين، قالوا: فهو سفر، وما ليس كذلك فلا يعد سفرًا. ولاحظوا يا إخوان: لما كان السفر هو مظنة حصول المشقة وحصول التعب، رخص الشرع فيه ببعض الرخص في بعض العبادات. فعلى سبيل المثال في الصلاة: رخص للمسافر أن يقصر الرباعية، وأن يجمع بين الصلاتين: ظهر مع عصر، والمغرب مع العشاء. وفي باب الصيام: رخص للمسافر أن يفطر في السفر، فمن شاء أفطر ومن شاء صام، كما مر معنا في كتاب الصيام قريبًا. وهكذا في باب الطهارة: ما هي الأحكام المتعلقة بالمسافر في باب الطهارة؟ نعم يا با... المسح على الخفين. المسافر يمسح... يا أبا شهاب الدين، المسافر كم يمسح؟ زمنا وليس عددا. المسافر كم له من المدة يمسح فيها على الخفين؟ الله، أحسنت يا با ناظم: ثلاث أيام بلياليها. والمقيم... المقيم المسافر ثلاث أيام بلياليها، والمقيم... والمقيم الذي هو في البلاد؟ أحسنت: يوما وليلة، يوما وليلة، يوما وليلة. المقيم والمسافر ثلاث أيام بلياليها. وهذا كله يا إخوان مما يدل على سماحة الشريعة ويسرها، وهذا هو فضل الله عز وجل على هذه الأمة، لأن يجعل عليها في الدين من حرج. وذكر رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع في السفر بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء. وهذا الحديث يا إخوان أخرجه البخاري ومسلم بألفاظ متقاربة. ونبه بعض العلماء على أن البخاري إنما أخرجه معلقًا. فما هو المعلق؟ نعم، أعد... قالت عائشة... أو نعم: الحديث المعلق هو الذي يحذف المصنف صاحب الكتاب كالبخاري أو مسلم ونحوهما شيخه فما فوق، فيحدث شيخه فما فوق، فهذا يسمى معلقًا. وأما ما يرويه عن شيخه مباشرة فهذا متصل ومسند، وليس بمعلق. لكن الحديث وصله البيهقي وغيره، كما نبه على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كما في «تغليق التعليق»، وهكذا في «فتح الباري» نبه على ذلك. يأتي معنا الكلام حول المسائل المتعلقة بهذا الحديث وهذا الباب في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل. إذن حديث ابن عباس يحفظ إن شاء الله تعالى. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.