الدرس في شرح فتح المجيد 81، ألقاها
شرح حديث إنذار عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأهمية إنذار الأقربين قبل العامة، وتحذيرهم من عذاب الله. يُبين الشارح معنى العشيرة والأقربين.
يناقش خطأ تعلق الناس بالأنبياء والصالحين وطلب الشفاعة منهم، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك شيئًا لغيره، ويحذر من الشرك بالله في طلب ما لا يقدر عليه إلا الله.
يشرح كيف أن الغلو في محبة الصالحين يؤدي إلى عبادة غير الله، ويبين الفرق بين محبة أهل السنة والجماعة للصالحين ومبالغة الغلاة من الصوفية والشيعة في محبتهم.
يشرح أن الأنبياء بعد وفاتهم لا يعلمون شيئا عما يفعله الناس، ويبين أن أهل التوحيد والسنة هم أحق الناس بالرسل لأنهم حققوا العبودية لله وأخلصوا الدين له.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: يا معشر قريش أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك من الله شيئا يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئتي لا أغني عنك من الله شيئا. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «وفيه» أي وفي صحيح البخاري، قوله «عن أبي هريرة» تختلف في اسمه وصحح النووي أن اسمه عبد الرحمن بن صخر كما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر فسميت في الإسلام عبد الرحمن ورود دولابي بإسناده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سماه عبد الله وهو دوسي من فضلاء الصحابة وحفاظهم حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما حفظه غيره مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة. قوله رحمه الله تعالى «عن أبي هريرة» ثلث اسمه هو كما ذكر رحمه الله تعالى وقد ذكر بعضهم أن الخلاف في تعيين اسم أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه وصل إلى أكثر من ثلاثين قولا في تحديد اسمه رحمه الله ورضي الله عنه وأرضاه وأصح الأقوال أنه لا يثبت من تلك الأقوال شيء يجتند إليه إنما هي أقوال وآثار لم تصح وإن كان بعضها أحسن حالا من بعض إلا أن الكل لم يصح فالصحيح من هذا أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه معروف بكنيته وأما اسمه فإنه غير معلوم والله أعلى وأعلم ولا يشترط في الصحابة أن يعرف اسمه لا يشترط أن يعرف اسمه أو أن تعرف كنيته لأن الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدود هذا أمر وأمر ثاني كما ذكر رحمه الله تعالى أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه دوسي ودوس من اليمن فهو من الحفاظ. وقوله «وكان من فضلاء الصحابة وحفاظهم» كما ذكر رحمه الله تعالى وقد اتفق العلماء على أنه أكثر من روا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه أحفظ الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان قد أسلم مؤخرا أي أسلم كما ذكر بعضهم في عام خيبر أسلم أو لقي النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في عام خيبر ولكنه لازمه ملازمة تامة وأخذ عنه علما جما وذلك بالحرص والملازمة والمداومة على العلم وهذا إن دل على شيء يدل على أن الإنسان إذا اجتهد وجد وحرص على الخير وواصل في الخير قد يفوق قد يفوق غيره مما سبق في بعض الأمور كما هو الحال أبي هريرة رضي الله عنه وأرضى فإنه حافظ الصحابة قد حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من خمسة آلاف حديث وقد قال بعض أهل العلم أن أبا هريرة حفظ للأمة أكثر من ثلث السنة وهذا شيء عظيم أن يحفظ رجل لهذه الأمة نحو ثلث السنة وهذا كما هو معلوم يدل على فضيلة عظيمة لهذا الصحابة رضي الله عنهم وأرضى كل من جاء بعده وعمل بتلك السنة فإنه يناله من الأجر ما ينال من عمل بتلك السنة مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم «من دل على هدى كان له الأجر مثل من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا». قال رحمه الله تعالى: قوله «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم» في الصحيح من رواية ابن عباس «صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا» قوله «حين أنزل الله عليه ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾» عشيرة الرجل هم بنوا أبيه الأدنون أو قبيلته لأنهم أحق الناس ببرك وإحسانك الديني والدنيوي كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقد أمره الله تعالى أيضا بالندارة العامة كما قال تعالى ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب. قوله «يا معشر قريش» إذن النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله جل وعلا بالندارة الخاصة لعشيرته وقومه وكما ذكر رحمه الله تعالى أن عشيرة الرجل هم بنوا أبيه الأدنون أو قبيلته وهذا الإجمال الذي جاء في الآية يبينه نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي فيه أنه جمع الناس فقال «يا معشر قريش» ثم قال «يا بني عبد مناف» «يا بني هاشم» «يا بني» إلى آخر ما ذكر رحمه صلى الله عليه وسلم وهذا يبين أن هذا هو المخصوص من قوله «وأنذر عشيرتك» «وأنذر عشيرتك الأقربين» والأقرب من الإنسان ما كان أقرب إليه كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى والأقربون بحسب العصبة فيكون الأبناء وإن نزلوا ثم الآباء وإن علوا وهكذا الأقربون أما العشيرة فيما تكون من جهة الأب أو قل من جهة الآباء أي الأب وإن علا. وقوله رحمه الله تعالى «وقد أمره الله تعالى أيضا بالندارة العامة» كما قال «لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون» وقوله سبحانه «وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب» إلى آخر ما جاء في هذا المعنى هذا يبين أن أحق من ينذر أولا هم الأقربون وإن كانت الدعوة عامة لكل أحد ولكن ينبغي للإنسان أن يحرص على أن يدعو أولا من دنى منه من قومه وإن كانت الدعوة عامة لكل أحد. قوله رحمه الله تعالى «يا معشر قريش» المعشر الجماعة قوله «أو كلمة نحوها» هو بنصب «كلمة» عطف على ما قبله قوله «اشتروا أنفسكم» أي بتوحيد الله وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له وطاعته فيما أمر به والانتهاء عما نهى عنه فإن ذلك هو الذي ينجي من عذاب الله للاعتماد على الأنساب والأحساب فإن ذلك غير نافع عند رب الأرباب. وقوله «اشتروا أنفسكم» هذا فيه دلالة على أن الإنسان إذا دخل في دين الله جل وعلا وعمل بمرضات الله جل وعلا وتقرب إلى الله جل وعلا بالطاعات فإنما هو يشتري نفسه بنفسه يشتري نفسه بنفسه وهذا كما أخبر الله جل وعلا عن المؤمنين أنه ماذا؟ إن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة اشترى الله جل وعلا بأن قدموا لله جل وعلا الأموال النفيسة وقدموا له سبحانه وتعالى الأنفس الغالية قدموها لله جل وعلا لأجل ماذا؟ لأجل الربح الأعلى والأعظم والأجل وهو مرضات الله جل وعلا والدخول في جنات الله جل وعلا وهذا لا يتأتى إلا بتحقيق ما أراد الله جل وعلا من أولئك وأعظم ما أراد الله جل وعلا منهم هو تحقيق التوحيد الذي بعث الله جل وعلا به الرسل وأنزل به الكتب. قال رحمه الله تعالى: قوله «لا أغني عنكم من الله شيئا» في حجة على من تعلق على الأنبياء والصالحين ورغب إليهم ليشفعوا له وينفعوه أو يدفعوا عنه فإن ذلك هو الشرك الذي حرمه الله تعالى وأقام نبيه صلى الله عليه وسلم بالإنذار عنه كما أخبر تعالى عن المشركين في قوله ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ هؤلاء شفعاؤنا عند الله فأبطل الله ذلك ونزه نفسه عن هذا الشرك. وقوله رحمه الله في الحديث «لا أغني عنكم من الله شيئا» فيه حجة على من تعلق على الأنبياء والصالحين ورغب إليهم ليشفعوا له وينفعوه أو يدفعوا عنه وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث تحت هذا الباب إذ أن الأنبياء والرسل ومقدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغني شيئا عن أقرب قريب له لا يغني شيئا عن أقرب قريب له عن فاطمة سيدة نساء العالمين عن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن عشيرته لا يغني عنهم شيئا وهذا كما ترون فيه الأمر فيه وضوح وبيان في أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يغني عن أحد شيئا. وقوله «لا أغني عنكم من الله شيئا» نكرة «شيئا» نكرة في سياق النفي في ذي العموم من أنه لا يغني عنهم شيئا كبر ذلك الشيء أو صغر لا يملك لهم شيئا إذن كيف يتعلق بعد ذلك ممن هو بعيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا ونسبا برسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاعة أو يطلب منه المدد أو يطلب منه أن ينجيه من النار أو أن يدخله الجنة كما يفعله الغلاة من الصوفية ونحوهم في طلب ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم تكن أخذ بيده يوم المعاد أخذ بيده. قوله رحمه الله تعالى «وفي صحيح البخاري» «يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا» «يا بني عبد مناف» «يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا» قوله «يا عباس بن عبد المطلب» بنصب «ابن» ويجوز في «عباس» الرفع والنصب وكذا في قوله «يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم» «وفاطمة بنت محمد». قوله رحمه الله «يا عباس» ويجوز أن يقال «يا عباس ابن عبد المطلب» قال بنصب «ابن» في قوله «يا عباس ابن عبد المطلب» واضح «ابن» هنا تكون منصوبة لا محالة على وجه واحد لأنها مضافة وأما «عباس» وكذلك «فاطمة» وكذلك «صفية» في قوله «يا عباس» «يا فاطمة» «يا صفية» يجوز أن يقال «يا عباس ابن عبد المطلب» و«يا صفية بنت» و«يا صفية» و«يا فاطمة» و«يا فاطمة بنت محمد» ويجوز بالنصب بأن يقال «يا عباس» و«يا صفية» و«يا فاطمة» والنصب كما يقول العلماء رحمهم الله وتعالى يقولون أفصح النصب. ويجوز فيه النصب بالنداء ويجوز الضم على البناء والقول بالضم أولى من القول بالرفع لأنه مبني لأنه يبنى على الضم واضح ملا فالحاصل أن في ذلك في هذا الإعراب فيه إعرابان الأول النصب والثاني الضم النصب بالنداء والضم على أنه علم منادى وهو يبنى على ما يرفع به. قال رحمه الله تعالى: قوله «سليني من مالي ما شئتي» بين صلى الله عليه وسلم أنه لا ينجي من عذاب الله إلا الإيمان والعمل الصالح وفيه أنه لا يجوز أن يسأل العبد إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا وأما الرحمة والمغفرة والجنة والنجاة من النار ونحو ذلك من كل ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا منه فإنما عنده لا ينال إلا بتقريظ التوحيد والإخلاص له بما شرعه ورضيه لعباده أن يتقربوا إليه به. فإذا كان لا ينفع ابنته وعمه وعمته وقرابته إلا ذلك فغيرهم أولى وأحرى وفي قصة عمه أبي طالب معتبر وفيه أنه لا يجوز أن يسأل العبد إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا تأمل إلى هذه القيود الأول أنه قال «أنه لا يجوز أن يسأل العبد إلا» وهذا مستثنى الأصل أن السؤال يكون ماذا؟ أن يسأل إنسان ربه جل وعلا وهل يجوز أن يسأل العبد قال الشيخ «أنه لا يجوز أن يسأل العبد إلا ما يقدر عليه» ثم قال «من أمور الدنيا» ما يقدر عليه ومن أمور الدنيا أما من أمور الآخرة فإنه جزما لا يقدر عليه أما من أمور الدنيا فإنه يقدر عليها إن جرت العادة بأن الإنسان يقدر على مثلها فلا بأس أن يسأل الإنسان مثل ذلك السؤال. وأيهما أولى أن يسأل أو لا يسأل الجواب الأولى أنه ماذا؟ لا يسأل إلا الله جل وعلا قال النبي صلى الله عليه وسلم «وإذا سألت فاسأل الله» وقال صحابة أو بعض الصحابة ما يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا نسأل الناس شيئا وهذا كما ترى نكرة في سياق النفي تفيد العموم إذن الأصل ألا يتأل الإنسان إنسانا غيره إلا لما لا بد منه إلا لما لا بد منه وهذا الاستثناء قد يكون في أشياء يحتاجها الإنسان في أمر دينه أو أمر الدنيا أما العلم أما العلم فهل يدخل في هذا العموم أم لا يدخل في هذا العموم؟ لا يدخل لقول الله جل وعلا ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بل سؤال أهل الذكر محمود ممدوح صاحبه واضح لا مرغب فيه أن يسأل الإنسان عن العلم هذا مطلوب شرعا. ولكن ينبغي أن يتنبه على أن سؤال غير ذلك من أمور الدنيا الأولى فيها والأحرى أن لا يسأل الإنسان غيره شيئا وأن سؤال الإنسان غيره شيئا مما لا يقدر عليه إلا الله مما لا يقدر عليه إلا الله إن هذا من الشرك الذي نهى الله جل وعلا عنه وحذر منه غاية التحذير. قال رحمه الله تعالى: «فانظر إلى الواقع الآن من كثير من الناس من الاتجاه إلى الأموات والتوجه إليهم بالرغبات والرهبات وهم عاجزون لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا فضلا عن غيرهم» يتبين لك أنهم ليسوا على شيء إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون هذا هو الحق أن الشيطان زين لهم الباطل وكره لهم الحق فصار أتباع لهذا الباطل وبعيدون عن الحق غاية البعد. وهذه من الفتنة الذي فتن بها أولئك القبورية وإلا فإن الحقيقة أولئك عبدوا ماذا؟ عبدوا الجن هل عبدوا الأحجار؟ هل عبدوا الأصنام؟ هل عبدوا الأشجار؟ هل عبدوا الملائكة؟ الحق أنهم عبدوا ماذا؟ عبدوا الشياطين وعبدوا الجن كما قال الله جل وعلا في هذه الآية ﴿إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ وكما قال الله جل وعلا عن الملائكة حينما قال له ربنا جل وعلا «أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِم مُّؤْمِنُونَ» فهم كانوا يعبدون حقيقة من يعبدون الجن وإن كانوا يزعمون بأنهم يعبدون من هم يزعمون بأنهم يعبدون الملائكة. وفي حقيقة الأمر إنما يعبدون من يعبدون الجن وكما جاء عن بعض السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله أن الشياطين ربما أخرجت أصوات من بعض الأحجار أو من بعض الأصنام تكلم هؤلاء فهؤلاء إذا سمعوا تلك الأصوات خشعوا وخافوا ورهبوا وقالوا قد تكلم الإله الفلاني أو السيد الفلاني فالزاد رهبة لذلك الإله وعبودية لذلك الإله وهذه من الفتنة الذي يكتنف بها الشياطين من شاء الله جل وعلا من العباد. قال رحمه الله تعالى: «ولا ريب أن محبة الصالحين إنما تحصل بموافقتهم في الدين ومتابعتهم في طاعة رب العالمين لا باتخاذهم أندادا من دون الله يحبونهم كحب الله إشراكا بالله وعبادة لغير الله وعداوة لله ورسله والصالحين من عباده» كما قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتُ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. هذه الشبهة هي الشبهة المشكورة التي بها تعلق من تعلق بعبادة غير الله جل وعلا وهي محبة الصالحين محبة الصالحين لماذا تفعلون يا جماعة هذه الأفعال تبنون عليهم هذه الأبنية وهذه القباب وتعملون عليها هذه السدائر وهذه الأشياء لماذا هذا كله؟ قالوا هذا من محبة الصالحين هذه من محبة الصالحين ومن تعظيم الصالحين ومن إجلال الصالحين والله جل وعلا يقول ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ إذن نحن نحب أولياء الله نحن نحب أولياء الله. وفي المقابل يزعمون بأن أهل السنة والجماعة لا يحبون أولياء الله بل يبغضونهم ويقولون بأن أهل السنة والجماعة لا يحبون الصالحين وهذه كذبة وفيرية كذبة وفيرية فإن أهل السنة والجماعة أحق الناس بالصالحين بل هم الصالحون من أول زمانهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من عهد رسول الله إلى زماننا هذا فإن أهل السنة والجماعة يدخلون دخولا أوليا في معنى أولياء الله جل وعلا لماذا؟ لأن الوصف متحقق فيهم ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهذا الوصف منطبق تماما على من؟ على أهل السنة والجماعة. وإن كان في أفرادهم كغيرهم من الأفراد فيهم من هو مخالف عنده نوع مخالفة لكن أهل السنة والجماعة يعتقدون أن كل مؤمن تقي فهو لله عز وجل ماذا؟ وليه وأن كل مؤمن تقي فهو لله جل وعلا وليه ويعتقدون أن الأولياء يتفاوتون وأن الناس كذلك يتفاوتون في ماذا؟ في الولاية فمنهم من هو في الدرجة العليا ومنهم من هو دونه ومنهم من هو دونه وهكذا فهم يعتقدون أن كل مؤمن عنده أصل الولاية ولابد واضح كل مؤمن ولو كان فاسقا فعنده نوع ماذا؟ ولاية ولا بد وهي ولاية ماذا؟ ولاية المؤمنين. الله جل وعلا يقول ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يخرجهم من الظلمات إلى النور من ظلمات الشرك والكفر إلى نور التوحيد والهداية فالحاصل أن أهل السنة والجماعة يعتقدون هذا يعتقدون أن الولاية موجودة واضح ويحبون ويعظمون الناس على قدر ماذا؟ على قدر دينهم وصلاحهم وهذا من معتقد أهل السنة والجماعة الذي لا شك فيه ولا ريب. لكن أهل السنة والجماعة يفارقون هؤلاء الغلاة من الصوفية والشيعة ونحوهم بأنهم يحبون هؤلاء محبة شرعية محبة أحبها الله ورضيها الله سبحانه وتعالى لا يتجاوزون في أولئك الصالحين فيحبونهم محبة تحب الله جل وعلا لأنهم يعتقدون أن الغلو في هذه المحبة إما دريعة إلى الشرك وإما شرك محض كما حصل من هؤلاء القبورية فمنهم من غلا وغلا وغلا في أولئك الصالحين حتى اعتقد أن فيه ماذا؟ أنهم يستحقون العبادة ويقال اعتقد في فلان أو في فلان ماذا؟ عقيدة أي أنه يستحق أن ماذا؟ أن يعبد ويستحق ذلك الصالح زعمه بأن يتقرب إليه بالقربات بالدعوات بالاستغاثات بالنذر بالذبح. ويعتقدون فيه أنه ماذا؟ أنه له قدرة على جلب النفع أو دفع الضر أو أنه واسطة بينهم وبين الله جل وعلا في جلب نفع أو دفع ضر أو للشفاعة أن هذا شافع ولا محال لهم عند الله جل وعلا وهذه كلها باطلة أبطلها الله جل وعلا وأبطلها ديننا الإسلامي ولكن هؤلاء ما رضيوا إلا بهذا ما رضيوا إلا بهذا فيقول يا أهل السنة أنتم لا تحبون الصالحين نقول كذبتم بل نقول إنكم أنتم غلوتم في ماذا؟ غلوتم في الصالحين حتى أوصلتموهم إلى مرحلة أو إلى مرتبة ماذا؟ إلى مرتبة الإلهية إلى أن هؤلاء يستحقون العبادة مع الله جل وعلا. وهذا ظلم وبغي وعدوان قال الله جل وعلا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ هؤلاء القبورية حصل منهم هذا أم لا؟ أجوب حصل منهم هذا اتخذوا من دون الله جل وعلا أندادا أحبوهم كحب الله أي حب العبادة أحبوهم كحب الله جل وعلا أي حب العبادة لماذا؟ لأنهم تأله لهم عظموهم وأجلوهم وكذلك يتقرب إليهم بأنواع من العبادات والطاعات فهذا الذي ينكره أهل السنة والجماعة على هؤلاء. أما الصالح فالصالح يعتقد أهل السنة والجماعة أن الرجل إذا كان صالحا فإنه فإن صلاحه لمن؟ لنفسه وأنه لا يغني عن نفسه شيئا ولا يغني عن غيره شيئا إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله لا يغني عن أقربائه شيئا فما باله في من هو دونه في الصلاح فمن باب أولى أنه لا يغني عن نفسه فضلا عن غيره ماذا؟ عن غيره شيئا. قال رحمه الله تعالى: «قال العلامة ابن القيم في هذه الآية بعد كلام سبق ثم نفى أن يكون قال لهم غير ما أمر به وهو محض التوحيد فقال «ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم» ثم أخبر عن شهادتي عليهم مدة مقامه فيهم وأنه بعد الوفاة للطلاع له عليهم وأن الله عز وجل المنفرد بعد الوفاة بالطلاع عليهم فقال «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد» وصفه الله سبحانه بأن شهادة عيسى عليه السلام شاملة كل شهادة وأعم انتهى ملخصا» وهذا واضح. وهذا أيضا يؤيد ما تقدم فهذا عيسى ابن مريم أحد الرسل الكرام الخمسة الذين هم أولو العزم أخبر ربنا جل وعلا عنه أنه يقول يوم القيامة ماذا؟ يقول «ما قلت لهم إلا ما أمرتني به» ماذا؟ «أن اعبدوا الله ربي وربكم» ثم قال «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد» إذن عيسى عليه السلام بعد أن مات لا يعلم شيئا واضح ما عمل عيسى يقول «فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم» انتهى. هل يسمع هل ينفع الجواب ماذا؟ لا يسمع ولا ينفع قال «فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد» وهذا هو حال الرسل من أولهم إلى آخرهم يظهرون الضعف والتذلل لله رب العالمين والافتقار والحاجة لله رب العالمين وما رفعهم الله جل وعلا فيه هذه منزلة العليا فجعلهم في أعلى مراتب البشرية إلا لأنهم حققوا العبودية أتم تحقيق حققوا العبودية أتم تحقيق ونزه الله جل وعلا أتم تنزيه صلوات الله وسلامه عليهم. فالحاصل أن في هذه الآية كذلك شاهدوا لما تقدم من أن الرسول إذا مات وهو رسول لا يغني عن نفسه ولا عن غيره شيئا ولا يعلم من أحوال من عبده شيئا هؤلاء عبدوا عيسى لماذا؟ تقربا قد يكون تقربا إلى الله كما قال الله جل وعلا في أولئك المشركين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقد يكون عبدوا لماذا؟ لأنهم اعتقدوا في الإلهية كما هو حال نصارى وهذا أظهر ومع هذا هل علم عيسى عليه السلام بهذه العبادة هل علم عيسى بهذه العبادة؟ أجوب ما علم بها وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرغيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد. قال رحمه الله تعالى: «قلت ففي هذا بيان أن المشركين خالفوا ما أمر الله به رسله من توحيده الذي هو دينهم الذي اتفقوا عليه ودعوا الناس إليه وفارقوهم فيه إلى من آمن إلا من آمن وفارقوهم فيه إلا من آمن فكيف يقال لمن دان بدينهم وأطاعهم فيما أمروا به من إخلاص العبادة لله وحده أنه قد تنقصهم بهذا التوحيد الذي أطاع به ربه واتبع فيه رسله عليهم السلام ونزه به ربه عن الشرك الذي هو هضم للربوبية وتنقص للإلهية وسوء ظن برب العالمين». وهذه كذلك من الشبه والدعاوى من أن أهل التوحيد أهل السنة والجماعة يتنقصون الرسل والأنبياء لماذا؟ يتنقصون الرسل والأنبياء لأنهم يقولون بأنه لا يجوز أن يستغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن تشد الرحال إلى قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما شابه ذلك مما هو شرك أو وسيلة إلى الشرك يقولون بأنكم تتنقصون الأنبياء ولا تحترمون الأنبياء ولا تجلون الأنبياء وهذه دعاوى باطلة فاشدة بائرة تبين بطلان هؤلاء بطلان قول هؤلاء فإن أحق الناس برسل الله هم أهل السنة والجماعة هم أهل التوحيد لماذا؟ لأنهم حققوا ما أراد منهم الرسل وما أراد منهم ربهم جل وعلا في ذلك وهو إخلاص العبادة لله جل وعلا. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ وقال الله جل وعلا أيضا في حق هؤلاء الذين يزعمون بأنهم أتباع الأنبياء وأنهم يحبون الأنبياء والرسل قال الله جل وعلا ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ هذا هو الحق من هم الذين يتبعون رسول الله؟ أهل السنة والجماعة الذين ما من أمر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وامتثلوه وما من نهي من نواه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وكذلك امتثلوه. أم هؤلاء الذين هم أصحاب استحسانات وأصحاب آراء وأصحاب شركيات وأصحاب بدع وخرافات إلى غير ذلك مما دنتوا فيه هذه العقيدة الإسلامية الصحيحة بأقوال وآراء لم ينزل الله جل وعلا بها من سلطان فأي الناس أحق بالأمن؟ هؤلاء أو أولئك الذين فزعوا أو أرهبوا أو حاولوا يخوفوا بعض الأنبياء والرسل بأنهم فقال لهم من قام من الأنبياء كما قال ربنا جل وعلا عن إبراهيم عليه السلام ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أهل التوحيد أو أهل الإشراك؟ هيا أهل التوحيد ولا شك ولا ريب أهل السنة والجماعة هم أحق الناس بالأمن بإذن الله جل وعلا لماذا؟ لأنهم حققوا ما أراد الله جل وعلا منهم تحقيقة. قال رحمه الله تعالى: «والمشركون هم أعداء الرسل وخصماؤهم في الدنيا والآخرة وشرعوا لأتباعهم أن يتبرأوا من كل مشرك ويكفروا به ويبغضوه ويعادوه في ربهم ومعبودهم» قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين قوله رحمه الله «والمشركون هم أعداء الرسل» وهذا من أول بعثة الرسل من أولهم من عهد نوح عليه السلام كم خاصمه وكم آذاه أولئك المشركون إلى زمن نبينا إلى زمننا هذا أعداء الرسل وأعداء كذلك أتباع الرسل هم المشركون في كل زمان وفي كل مكان. لذا قالوا «المشركون هم أعداء الرسل وخصماؤهم» هذا هو حقيقة الأمر لماذا؟ أعداء الرسل وخصماؤهم لأنهم يناقضون دعوة الرسل رأسا وأصلا الرسل بعثوا بـ «لا إله إلا الله» قال الله جل وعلا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هؤلاء ماذا يقولون؟ اعبدوا غير الله هؤلاء يقولون ماذا؟ اعبدوا غير الله فهؤلاء مناقضون لدعوة الرسل أصلا ورأسا. قال رحمه الله «وقد شرعوا لأتباعهم» أي الرسل «أن يتبرأوا من كل مشرك» الرسل قد شرعوا لأتباعهم أن يتبرأوا من كل مشرك كما قال الله جل وعلا في حق إبراهيم عليه السلام ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية قال «ويبغضوه ويعادوه في ربهم ومعبودهم» أي تقربا لله تقربا إلى الله أهل السنة والجماعة حينما يعادون من يعادون لا يعادونهم لهوى نفس أو لحاجة في أنفسهم أو لمحبة الخلاف لا والله لا يبغضونهم إلا في الله جل وعلا ولا يحبون أولياء الله وأتباع الرسل إلا في الله جل وعلا. أن يحب المرء لا يحبه إلا لله لا يحبه إلا لله وكذلك أن يبغضه لا يبغضه إلا لماذا؟ إلا لله وكما جاء في حديث ابن عباس عند البزار وغيره «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله» والله أعلى وأعلم سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.