شرح فتح المجيد 49

الدرس في شرح فتح المجيد 49، ألقاها

حكم التقليد ومسؤولية من يعرف الحق

يتناول حكم التقليد في الإسلام ومسؤولية من يعرف الحق ولا يستطيع إظهاره. يبين عدم جواز تقليد أحد في خلاف ما يعرف أنه الحق وعذر من يعجز عن إظهار الحق.

التقليد والاجتهاد ومسؤولية المقلد

يشرح موضوع التقليد والاجتهاد في الدين ومسؤولية المقلد عند اتباع مجتهد مخطئ أو مصيب. يبين شروط الاجتهاد في التقليد وحدود مسؤولية المقلد ويحذر من التقليد الأعمى.

معنى اتخاذ الأنداد لله تعالى وتفسير مجاهد

يفسر معنى اتخاذ الأنداد لله عز وجل ويبين مآل المشركين في الدار الآخرة. كما يروي تفسير مجاهد للآية الكريمة ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ بأنهم يرفعون الأنداد إلى منزلة الإله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه، وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال، وإن كان عاجزًا عن إظهار الحق الذي يعلمه، فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه. وهؤلاء كالنصارى وغيرهم، وقد أنزل الله في هؤلاء الآيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمَعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. قال شيخ الإسلام ركيمية رحمه الله تعالى: من كان يعلم الحق ولكنه لا يستطيع إظهاره، لا يستطيع إظهار ذلك الحق، إما لأنه في بلد ليس بمسلم، أو بسبب أنه في بلد كثر فيه أهل الأهواء وكانت لهم شوكة، فيخشى على نفسه إن أظهر الحق أن يحصل له ضرر، فهذا معذور في ذلك. قال: كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين نصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه، وقوله: «ما يقدر عليه من الحق» هذا مأخوذ من قول الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. فمن عرف الحق وعمل به ما استطاع، ثم عجز عن إظهاره، فهو معذور، كما حصل ذلك من النجاشي رحمه الله وغفر له، فإنه أسلم وكان رئيسًا للحبشة وملكًا عليها، وكانت الحبشة حينها نصارى، فأخفى إسلامه رضي الله عنه، ومات على الإسلام، فلما مات ندبه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر عنه ونعاه وقال: «إن أخًا لكم بالحبشة قد مات، فصلوا عليه». قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ﴾، وهذا يدل على أن الله عز وجل أثبت له الإيمان، وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، فأثبت الله جل وعلا له الإيمان مع أنه ما أظهره لعجزه عن إظهاره. وأيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمَعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، أثنى الله جل وعلا عليهم بهذه الصفة، بأنهم ممن إذا سمع كلام الله عز وجل رق قلبه ودرفت عيناه مما عرف من الحق. قال: والحاصل أنه كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن من أظهر من الدين بعد علمه بالحق ما استطاع إلى ذلك سبيلًا فهو معذور إن عجز عن إظهار ما عليه من الحق لأمر أو لآخر، يكون معذورًا بسبب هذه الصفة، أي صفة العجز الذي يخشى منه إن أظهر ذلك الحق أن يحصل له ضرر وفساد. قال: وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل، لأنه عامة ما عنده أهلية البحث والنظر والاستدلال ومعرفة الصواب في المسألة، فماذا يصنع؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد فعل ما قدر عليه مثله، أي فعل ما استطاع. قال: من الاجتهاد في التقليد، أي أنه لا يقلد من شاء بهواه، بل عليه أن يتحرى من يقلده من أهل العلم، فينظر من كان من أهل العلم من أهل التقى والعلم والمعرفة، ويتحرى ذلك ثم يقلده إن عجز عن تحصيل الحق بنفسه. قال: فإن كان المجتهد مخطئًا في تلك المسألة التي تابعه عليها ذلك المقلد، كان ذلك المقلد معذورًا، لأنه اتقى الله ما استطاع، والله جل وعلا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. قال: وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه ورغبته، من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا كان آثمًا. قال: وهؤلاء من جنس مانع الزكاة، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال منعه عن عبادة الله وطاعته، صار عبدًا له، وكذلك هؤلاء فيكون فيهم شرك أصغر. قال: وفي الحديث: «إن يسير الرياء شرك»، وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال أبو جعفر بن جليل رحمه الله في معنى قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، أي وتجعلون لمن خلق ذلك أندادًا، وهم الأكفاء من الرجال، تطيعونهم في معاصي الله. قلت: كما هو الواقع من كثير من عباد القبور، وهذا أيضًا تقرير لما تقدم في قول الله عز وجل: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾. قال ابن جليل رحمه الله تعالى: وتجعلون لمن خلق ذلك أندادًا، وهم الأكفاء من الرجال، أي تجعلون لله عز وجل كفأً ونظيرًا ومثيلًا، والله عز وجل قد قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. قال العماد ابن كثير رحمه الله تعالى: يذكر الله حال المشركين به في الدنيا ومآلهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا لله أندادًا، أي أمثالًا ونظراء، يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه. قال: وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». قال: والذين آمنوا أشد حبًا لله، ولحبهم الله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه ويلجأون في جميع أمورهم إليه. قال: ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبرؤ المتبوعين من التابعين، فقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. قال: وهذا القول إنما صدر من أعداء الله عز وجل من الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر، كما بينه ابن كثير نفسه رحمه الله تعالى عند هذه الآية من سورة القصص. قال: والجن أيضًا يتبرأون منهم، ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. قال: وقال الشيطان لما قضي الأمر: «إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمُ الْوَعْدَ الْحَقَّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ». قال: وروى جرير عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، قال: مباهاة ومضاهاة للحق سبحانه بالأنداد. قال المصنف رحمه الله تعالى: طيب قوله وروى جرير عن مجاهد، الإسناد إلى مجاهد صحيح، وإن كان من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، إلا أن الصحيح أن الواسطة بينهم معلومة. قال: ومجاهد يقول في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، قال: مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد، أي أنهم رفعوا هؤلاء الأنداد إلى منزلة الإله سبحانه وتعالى، وهذا فيه من المضاهاة والمباهاة ما فيه.

شاركنا على