الدرس في شرح فتح المجيد 138، ألقاها
يناقش توحيد الأسماء والصفات كجزء أساسي من التوحيد، ويبرز أهمية الإيمان بالأسماء الحسنى وإضافتها إلى الله تعالى. يحذر من الإلحاد في أسماء الله تعالى ويتناول الحديث النبوي حول أسماء الله الحسنى.
يبحث في صحة حديث أسماء الله الحسنى وعددها، ويستدل على أن الأسماء ليست محصورة في تسعة وتسعين اسمًا، مستشهدًا بحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
يشرح معنى الإلحاد في أسماء الله وصفاته، ويبين أنواع الإلحاد وأقسام الأسماء والصفات الإلهية، ويعرض أقوال العلماء في ذلك.
يناقش الاقتران بين أسماء الله الحسنى وكيف يزيد من كمال كل اسم، ويظهر جمال و كمال أسماء الله جل وعلا عند اقترانها.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾. بسم الله والحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾. علاقة الباب كما هو ظاهر أن التوحيد كما مر معنا ينقسم إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فنبه الشيخ رحمه الله تعالى إلى هذا النوع من أنواع التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات، أنه لا يصح التوحيد ولا يتحقق التوحيد إلا بالإيمان بالأسماء الحسنى، بإضافتها إلى الله جل وعلا على الوجه اللائق بالله جل وعلا، وأن الإلحاد في أسماء الله جل وعلا مما يناقض هذا التوحيد. قال رحمه الله تعالى: ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس «يلحدون في أسمائه» يشركون، وعنه: سموا اللات من الإله والعزة من العزيز. قوله رحمه الله تعالى: ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس «يلحدون في أسمائه» يشركون بهذا اللفظ لم أجده في تفسير ابن أبي حاتم، ولا كذلك رأيته الإمام السيوطي رحمه الله تعالى في كتاب الدر المنثور كذلك يعزوه إلى ابن عباس، ولكنه بهذا اللفظ عزاه من عزاه منهم السيوطي إلى رحمة بن ميمون عن قتادة، وكذلك أخرجه الإمام ابن جرير الطبري عن قتادة. وقوله: «وعنه» أي وعن ابن عباس: سموا اللات من الإله والعزة من العزيز، هذا الأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم أي بهذا اللفظ، والذي عند ابن أبي حاتم الذي رأيناه في تفسير ابن أبي حاتم هو بلفظ «والإلحاد وإلحاد الملحدين أن دعوا اللات والعز في أسماء الله عز وجل» أي بهذا اللفظ. وقوله: «وعن الأعمش» يدخلون فيها ما ليس منها، هذا كذلك رواه ابن أبي حاتم، وفي سنده مبشر بن عبيد القرشي أبو حفص الحمصي، قال الحافظ في التقريب: متروك، ورواه أحمد بالوضع، فهذا الأثر ضعيف جدًا بهذا الإسناد، إسناده يكون على استحسان العلماء منكر. قال الشارح رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة. قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن هذه الزيادة ليست من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي زيادة مما جمعه الوليد عن شيوخه، وهذا باتفاق الحفاظ. قال الحافظ ابن حجر في الفتح عند هذا الحديث: ذكر كلامًا معناه أن الحديث أعلا بعلل منها أن الوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، وأيضًا أن هذه الزيادة مدرجة، وذكر أشياء أخرى. ثم قال: ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في تسعة وتسعين، بدليل ما رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدًا من خلقك أو أنزلته في كتابك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا»، فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ قال: «بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها». والحديث صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة. والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن من أسماء الله جل وعلا ما لا يعلمه أحد إلا الله، وهذا إن دل على شيء دل على أن أسماء الله جل وعلا غير محصورة بعدد معين. قال: وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال: «إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء الله». وهذا رواه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، وهو مسلسل بالعوفيين، وسلسلة العوفيين ضعيفة. قال: وقال قتادة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ يشركون. قال: وقال ابن جرير عن مجاهد: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال: اشتقوا اللات من الله، واشتقوا العز من العزيز. وهذا كما ذكر رواه يعني من طريق ابن جرير عن مجاهد، رواه الطبري رحمه الله، وابن جرير لم يسمع من مجاهد، وهو مدلس، وتدليسه يضر إلا أن ابن حبان رحمه الله تعالى ذكر أن الواسطة بين ابن جرير ومجاهد هي القاسم بن بزة، وهو ثقة، فالإسناد صحيح. قال: وقال قتادة: «يلحدون» يشركون، وهذا أثر قتادة كذلك رواه ابن جرير الطبري، ورجاله ثقات إلا أنه من رواية معمر عن قتادة، وفيها ضعف. قال: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الإلحاد التكذيب، رواه الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن ابن أبي طلحة به، وكذلك رواه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى بسنده عن عبد الله بن صالح عن معاوية إلا أنه قال: عن ابن عباس، فكأنه وقع سقط في تفسير ابن جرير، وهذا الإسناد ضعيف لأن كاتب الليث عبد الله بن صالح ضعيف. قال: والإلحاد في كلام العرب العدل عن القصد والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر. قال ابن قيم رحمه الله: وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإشراك والتعطيل والنكران. قالوا: أسماء الرب تعالى كلها أسماء وأوصاف تعرف بها تعالى إلى عباده، ودلت على كماله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: فالإلحاد إما بجحدها وإنكارها، وإما بجحد معانيها وتعطيلها، وإما بتحريفها عن الصواب وإخراجها عن الحق بالتأويلات، وهذه كلها من أنواع الإلحاد. قال: وإنما بجعلها أسماء لهذه المخلوقات كإلحاد أهل الاتحاد، فإنهم جعلوها أسماء هذا الكون محمودها ومذمومها. قال: والذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة متقدمهم ومتأخرهم: إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل. قال: وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: فائدة جليلة ما يجري صفة أو خبرًا على الرب تبارك وتعالى أقسام: أحدها ما يرجع إلى نفس الذات كقولك: ذات وموجود. قال: الثاني ما يرجع إلى صفات معنوية كالعلم والقدرة، كالعليم والقدير والسميع والبصير. قال: الثالث ما يرجع إلى أفعاله كالخالق والرازق. قال: الرابع التنزيه المحض، ولابد من تضمنه ثبوتًا، إذ لا كمال في العدم المحض. قال: الخامس ولم يذكره أكثر الناس وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة، بل دال على معاني نحو المجيد والعظيم والصمد. قال: وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنًا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمناه صلى الله عليه وسلم بأنه في مقام طلب المزيد والتعرض بسعة العطاء وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلب باسم يقتضيه. قال: السادس صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الحميد، الغفور القدير، الحميد المجيد. قال: وحاصل الأسماء المقترنة أن أسماء الله جل وعلا باعتبار انفرادها كل اسم من أسماء الله جل وعلا له كمال، والاسم إذا أضيف إلى الاسم الآخر اقترن به ازداد الاسم كمالًا فوق كمال. وسبحانك اللهم بحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.