الدرس في الجواب الكافي 12، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الدعاء يحتاج إلى شروط لكي يستجاب، وهي أن يكون الدعاء صالحا والداعي مجمعا بين قلبه ولسانه مع عدم وجود مانع من الإجابة. الدعاء مثل السلاح الذي يحتاج إلى حامل قوي وماهر.
الدعاء هو أحد الأسباب التي تؤدي إلى تحقيق المقدور، والقدر مقدر بأسباب منها الدعاء. يُرفض آراء بعض الطوائف التي ترى عدم فائدة الدعاء.
ذكر أربعة مذاهب للناس في الدعاء وتأثير التقاعس عن الجهاد في مواجهة الأعداء، حيث يؤدي إلى سيطرة الأعداء على بلاد المسلمين. مذهب أهل السنة يرى أن الدعاء سبب لرد القدر.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الداء والدواء، والمسمى أيضا بالجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: فصل، وتقدم أن الفصول من تصرف بعض المحققين، لكن هو مقصود ابن القيم رحمه الله من ذكره لما ذكر في هذا الموضع، وأنه أراد هذا فصل: شروط الدعاء المستجاب. قال رحمه الله: «والأدعية والتعودات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو. ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة، تخلف التأثير. فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة، لم يحصل الأثر». أفادنا رحمه الله تعالى بأن الأدعية والتعودات والأذكار كلها بمنزلة السلاح للمؤمن الذي يدافع به المكروهات والمصائب. المؤمن في حياته يعتريه أشياء ويقابله أشياء، كيف يدفعها عن نفسه؟ فهو يحتاج إلى السلاح لدفع هذه المصائب ودفع هذه المكروهات التي يكرهها، فيحتاج إلى السلاح لدفع هذا العدو الذي هو عدو بالنسبة له، يراه مكروها ولا يحبه. قال: «والسلاح بضاربه لا بحده فقط». السلاح بضاربه قد يكون السلاح حادا، لكن الضارب لا يكون كذلك، ضعيف حامل السلاح ضعيف، السلاح قوي، السلاح حاد، لكن حامل السلاح ضعيف، فلا يحصل المطلوب ولا يحصل التأثير. فعدم حصول التأثير لأمرين: إما لضعف السلاح، أو لضعف حامل السلاح، أو نقول لثلاثة أمور: عدم حصول التأثير لثلاثة أمور: الأمر الأول ضعف السلاح، الأمر الثاني ضعف حامل السلاح، الأمر الثالث وجود مانع. قد يكون السلاح قويا وحادا، السيف قاطع وحاد، والبندقية جديدة وقوية، لكن الرامي لها البندقية أو الحامل للسيف ضعيف، فلا يحصل المقصود. أو يكون العكس: الرامي قوي وماهر في الرماية، وساعده قوي، لكن السلاح ضعيف أو فيه خلل، فلا يحصل المقصود. الأمر الثالث: السلاح قوي، والرامي قوي، السلاح قوي، والساعد قوي، أي ساعد الرامي، لكن يوجد مانع، يوجد مانع، فخر عجب وغير ذلك، فلا يحصل المقصود. وهكذا الدعاء، قال: «والسلاح بضاربه لا بحده فقط». لابد أن يكون حادا، وهكذا الضارب الذي يضرب بهذا السيف. قال: «فمتى كان السلاح سلاحا تاما لا آفة به...». السلاح تام لا آفة به، مثل إذا كان يرمي بسهم، كان في الزمن السابق الرمي بالسهم، حتى يكون مصوبا، أن يتوفر فيه اعتدال الريش، أن يكون فيه اعتدال الريش، السهم له ريشتان، له ريشتان، ريشة في جانب الأيمن، وريشة في الجانب الأيسر للسهم، ولابد من اعتدال هذه الريش سواء تماما في الضبط وفي المقدار، حتى إذا رمى الرمي كان رميه مسددا. إذا اختلت أحد الريش، مثلا هذه الريشة أكبر من هذه، أو وزن هذه الريشة تختلف، هذه متقدمة وهذه متأخرة، يختل الرمي. وانظروا كيف مثل النبي عليه الصلاة والسلام اتباع هذه الأمة لسنن من كان قبلها بهذا المثال، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حذو القذة بالقذة»، يعني كالريشة للريشة، لأن لابد أن تساوي الريشة الريشة سواء، حتى يكون الرمي مسددا. فإذا كان كذلك، فلا يحصل المقصود لماذا؟ لوجود هذا الخلل واختلال هذا الشرط، وهو حصول آفة في الدعاء. قال رحمه الله: «والساعد ساعد قوي». ساعد عن الضارب يكون متعلما، ما يمكن إنسان يرمي بالبندقية وهو جاهل، يرمي بدلا من أن يرمي إلى الأمام، يرمي إلى هذه الجهة وإلى هذه الجهة، أو إلى أعلى أو إلى أسفل. والذي يدعو قد يدعو وهو جاهل، يأتي بألفاظ ربما يدعو على نفسه، كالذي يجعل السلاح على نفسه، ما يعرف يضربه. وقد وجه السلاح إلى رأسه، ويحسب أنه يضرب إلى الأمام، والسلاح مصوب إلى رأسه، فيضغط الزناد، رصاص على رأسه. وهكذا في الدعاء، من الناس من هو جاهل، يدعو على نفسه، ربما يدعو على نفسه بالهلاك، يدعو على أهله بالهلاك، وهو جاهل. فالدعاء يحتاج إلى علم حتى يدعو الإنسان بدعاء في محله، فيكون الساعد قوي، يعني الداعي، وكذلك قوة الداعي أن يكون دعاؤه معه استحضار القلب، توافق القلب على اللسان، استحضار ما يقول، قلب حاضر، غير غافل، غير ساهل، هذا كله من لوازم قوة الساعد، وهو الداعي. فإذا اختل هذا، لم يحصل المقصود لاختلال هذا الأمر. قال رحمه الله: «والمانع مفقود». هذا الأمر الثالث، قد يكون السلاح تاما، والساعد ساعد قوي، الداعي دعا بدعاء في محله، لكن قد يوجد مانع. ما هو المانع؟ مثلا حصول عجب عند الداعي، أو كذلك عدم الإخلاص، أو كذلك يدعو ومطعمه حرام، أو ملبسه حرام، أو مشربه حرام، هذه كلها موانع، كلها موانع. بعض الناس يقول: كيف أنا دعوت آخر ثلث الليل، في الثلث الآخر من الليل، قمت ودعوت الله جل وعلا، وكنت مستحضرا لما أقول من الدعاء، وبخشوع، فلم يستجب لي. ونسي المسكين أن القميص الذي كان يلبسه في تلك الساعة، دخل عليه من حرام، أو العمامة التي يلبسها، وقد صلى عليها، دخلت عليه من حرام، أو شيء في بيته دخل عليه من حرام، أو أكلت تلك الليلة عشاء أو وجبة فيها شيء من الحرام، هذا مانع، ولو ريال واحد، أو عشرة ريالات، دخلت عليه من حرام، كانت سببا في حرمانه الدعاء. قال رحمه الله تعالى: «فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة، لم يحصل الأثر». قال رحمه الله: فصل: الدعاء والقدر. قالوا: ها هنا سؤال منتشر، وهو أن المدعو به إن كان قدرا، لم يكن بد من وقوعه، دعا به العبد أو لم يدع. وإن لم يكن قد قدر، لم يقع، سواء سأله العبد أو لم يسأله. فظنت طائفة صحة هذا السؤال، فتركت الدعاء، وقالت: لا فائدة فيه. وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم، متناقضون. فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب. فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قد قدر لك، فلابد من وقوعهما، أكلت أو لم تأكل. وإن لم يقدر، لم يقع، أكلت أو لم تأكل. وإن كان الولد قد قدر لك، فلابد منه، وطأت الزوجة أو الأمة، أو لم تطأ. وإن لم يقدر ذلك، لم يكن. فلا حاجة إلى التزوج والتسري. وهل يقول هذا عاقل أو آدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته. فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالنعام، بل هم أضلوا سبيلا. وتكلم بعضهم، وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض، يثيب الله عليه الداعي، من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما. ولا فرق عند هذا المتكلم بين الدعاء وبين الإمساك عنه بالقلب واللسان، في التأثير في حصول المطلوب. وارتباط الدعاء عندهم به، كارتباط السكوت. وقال طائفة أخرى: أكيس من هؤلاء، بل الدعاء علامة مجردة، نصبها الله سبحانه وتعالى أمارة على قضاء الحاجة. فما وفق الله العبد للدعاء، كان ذلك علامة له، وأمارة على أن حاجته قد انقضت. وهذا كما إذا رأيت غيما أسودا باردا في زمن الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر. قالوا: هكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب، لا أنها أسباب له. وهكذا عندهم، الكسر مع الانكسار، والحرق مع الإحراق، والإزهاق مع القتل، ليس شيء من ذلك سببا البتة. والارتباط بينه وبين ما يترتب عليه، إلا مجرد الاقتران العادي، للتأثير السببي. وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة، وسائر طوائف العقلاء. بل أضحك عليهم العقلاء. والصواب أنها هنا قسما ثالثا، غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء. فلم يقدر مجردا عن سببه، ولكن قدر بسببه. فمتى أتى العبد بالسبب، وقع المقدور. ومتى لم يأت بالسبب، انتفى المقدور. وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه. وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال، ودخول النار بالأعمال. وهذا القسم هو الحق، وهذا الذي حرمه السائل، ولم يوفق له ذكره. قال رحمه الله تعالى في هذا الفصل، هذا الموضوع العظيم الذي جهله طوائف من الناس، فيما يتعلق بالدعاء مع القدر. فهناك طوائف ظنوا أن الدعاء حصل أو لم يحصل، حصل أو لم يحصل الدعاء من العبد، فالأمر سواء، دعوت أو لم تدع، لا فائدة من الدعاء. لماذا؟ قال، لأن الأمر مقدر. إذا قدر لك الخير سيقع، دعوت أو لم تدع. وإذا قدر لك الشر سيقع، دعوت أو لم تدع. فلا فائدة من الدعاء. ولذلك تركوا الدعاء. طائفة أخرى ظنوا أنهم أفضل من هؤلاء، وأكيس من هؤلاء، وأفهم من هؤلاء. قالوا: لا، الدعاء إذا دعا الإنسان، استفاد، أثيب على الدعاء. ولا دخل له، دعوت أو لم تدع، دعوت أو لم تدع. فما قدر هو الذي سيقع. لكن أنت إذا دعوت، أثبت على هذا الدعاء، حصلت على الثواب. يعني الفائدة من دعائك، كأنه يقول لك: إنما حصلت على الأجر إذا دعوت، حصلت على الأجر. لا أثر لدعائك في وقوع ما قدر، سيقع خير أو سيقع شر، هذا سيقع، دعوت أو لم تدع. لكن إذا دعوت، أجرت. وكان لك الثواب. وإذا لم تدع، حرمت هذا الثواب. فلن أدعو. لماذا أدعو؟ لكي تنال الثواب من الله جل وعلا. وأما دعاؤك، فلا أثر له في تغيير المقدر الذي قدره الله جل وعلا. وطائفة ثالثة ظنوا أنهم أكيس من هؤلاء، وأفهم من هؤلاء، وأفطن من هؤلاء. قالوا: إنما الدعاء أمارة، وعلامة فقط. إذا وفق الله جل وعلا العبد للدعاء، فدعا، علامة على حصول مطلوبه فقط. كعلامة ما إذا وفق إلى أن يدعو، معناه أنه سيحصل له المطلوب. ومن حرم التوفيق للدعاء، فمعناه أنه لن يستجب دعاؤه. فجعلوا الدعاء من العبد، مجرد أمارة وعلامة على حصول ما سيقع. وأما مذهب أهل السنة والجماعة، الذي ذكره، هو رابع هذه الأقوال، وهو الحق، الذي حرمه هؤلاء، وهؤلاء، ومن هؤلاء الطوائف. وهو أن الدعاء بقدر الله جل وعلا، قدر أمورا، قدر الخير والشر، وجعل لحصول الخير أسبابا، وجعل لحصول الشر أسبابا. والله جل وعلا قدر المقدور، وقدر أن العبد إذا دعا، رد بذلك المقدور. فكله بقدر الله جل وعلا، الخير والشر بقدر الله جل وعلا، والدعاء من العبد بقدر الله جل وعلا. مثال: إنسان وصل رحمه، صلة الأرحام من أسباب طول العمر، وقطع الأرحام من أسباب نقصان العمر، وكله بقدر. قدر الله جل وعلا للعبد إذا وصل رحمه، طول العمر. فإذا وصل رحمه، أطال الله جل وعلا عمره. ومن قطع رحمه، قدر الله جل وعلا عليه نقصان العمر. فإذا الدعاء بقدر. وذلك جاء النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن، الذي حسنه طائفة من العلماء، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله، قال: «لا يرد القدر إلا الدعاء». لا يرد القدر إلا الدعاء. فكيف يقال: الدعاء لا فائدة فيه؟ الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يرد القدر إلا الدعاء». معناه: أن من أعظم أسباب رد المقدور، الدعاء. قد يقدر عليك شر، قد يقدر عليك مصيبة، يقدر عليك ابتلاء، فتدعو الله جل وعلا، فتدفع بهذا الدعاء ذلك القدر. وكما تقدم معنا: إذا كان دعاؤك قويا، أقوى من المقدور، اندفع ذلك المقدور. ضعف دعاؤك، والمقدور أقوى، حصل بك المكروه، لضعف دعائك. إذا تساوى: تساوى دعاؤك مع المقدور، صار يتصارعان، دعاؤك مع المقدور، المقدور نازل من رب العالمين جل وعلا عليك، ودعاؤك صاعد إلى الله جل وعلا. إلى المقدور نازل عليك، بلية، مصيبة، أي شيء نازل عليك، نازل. دعاؤك صاعد. إذا كان دعاؤك قويا، دفع هذا النازل، ورده، لقوة دعائك. دعاؤك ضعيف، غلبك هذا المقدور، ووقع. إذا تساوى دعاؤك مع المقدور، يتصارعان، حتى يغلب أحدهما الآخر. قد يغلب دعاؤك المقدور، فيندفع. وقد يغلب المقدور دعاءك، فيقع. إذن كيف يقال بعد ذلك: الدعاء لا فائدة منه؟ وهؤلاء الطوائف التي ذكرهم ابن القيم، الطائفة الأولى هم غلاة الجبرية، من الجهمية، وغلاة المتصوفة. عندهم الدعاء هذا لا فائدة فيه، ولذلك حصلت المحن بهذه الأمة، بسبب هؤلاء. غلاة المتصوفة، هؤلاء شرعوا على الأمة، هؤلاء غلاة المتصوفة شرعوا على هذه الأمة، والعياذ بالله، أيام التتر. ولما دخل أعداء الإسلام على أهل الإسلام، ما أمروا الناس بالجهاد، ما أمروا الناس بالجهاد. جلسوا في أماكنهم، عند المقابر، وعند أماكنهم التي يعكفون عندها. قالوا: إن كانوا سيصرون علينا، سيصرون علينا، قاتلتم أو لم تقاتلوهم. ما في فائدة، الأمور مقدرة، ما في. جلسوا، طبلوا، طبلوا، ما عليكم، طبلوا في المكان، لا تجاهدون أبدا. ولا وإن كان سينتصرون عليكم، سينتصروا عليكم، جاهدتم أو لم تجاهدوا. طيب إذن طبلوا في مكانكم، يرجعوا، هكذا سيردهم. فدخلوا على أمة الإسلام، وسيطروا على بلاد الإسلام. وهؤلاء في أماكنهم، يلعبون بها، يلعبون بها، يلعبون بحسن الخاتمة. وهؤلاء دخلوا بلاد الإسلام، وانتهى الوقت. نكتفي بهذا. صلى الله وسلم على محمد، وعلى آله وسلم.