الجواب الكافي 20

الدرس في الجواب الكافي 20، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أهمية التدبر والفهم الصحيح لأسباب الخير والشر

يؤكد ابن القيم على أهمية تدبر القرآن والسنة لفهم أسباب الخير والشر، وهما المصدرين الرئيسيين للهداية. يمكن من خلالهما فهم تفاصيل الأسباب الكلية للخير والشر.

التفكر في آيات الله والتحذير من الغفلة

يتحدث عن أهمية التفكر في آيات الله الكونية والنفسية لزيادة الإيمان، ويحذر من الغفلة التي تؤدي إلى المعاصي، مشددًا على ضرورة ذكر الله والخشية منه.

التحذير من التسويف في التوبة ومعالجة الغفلة

يُنبه إلى خطورة الغفلة والتسويف في التوبة، ويشدد على أهمية اليقظة والذكر لعلاج الغفلة، ويؤكد على ضرورة المبادرة بالتوبة.

خطأ الاعتماد على الاستغفار دون عمل جاد

يُنبّه على خطأ الاعتماد على الاستغفار فقط دون العمل الجاد، ويشير إلى أن بعض الناس قد يحتجون بالقدر لتبرير تقصيرهم، ويتم تفصيل طوائف الناس في هذا الشأن لاحقًا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله تعالى: والتاريخ تفصيل لما جاء عن الله، قال: ومن أنفع ذلك تدبر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه أسباب الخير والشر جميعا. فالصلاة مبينة، ثم السنة؛ فإنها شقيقة القرآن، وهي الوحي الثاني. ومن صرف إليه معنايته اكتفى عن غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما، حتى كأنك تعاين ذلك عيانا. وبعد ذلك إذا تأملت أخبار الأمم وإيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته، طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة، ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به، وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة. فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير والشر. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع أن أعظم ما ينتفع به الإنسان تدبر القرآن؛ لأن من تدبر القرآن فإنه ينتفع انتفاعا عظيما؛ لأن القرآن كفيل ببيان أسباب الخير وأسباب الشر وتفصيل هذه الأسباب. وهذا سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ فكتاب الله عز وجل، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فيهما أسباب الخير وأسباب الشر مبينة مفصلة. فمن تدبر الكتاب ونظر في السنة وجد ذلك؛ لأن معرفة هذا لا يكون إلا عن طريق الكتاب والسنة. والسنة شقيقة القرآن، وهي الوحي الثاني. والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه ذكرها العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقع: الأول أن تكون موافقة له من كل وجه، فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها. ثاني: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن أو تفسيرا له. والثالث: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه، أو محرمة لما سكت عن تحريمه. ولا تخرج عن هذه الأوجه الثلاثة. قال: ومن صرف إليهم عنايته -يعني من اجتهد وصرف عنايته في تدبر القرآن والسنة- اكتفى عن غيرهما؛ لأن في القرآن والسنة الغنية والكفاية. هما يريانك الخير والشر وأسبابهما، حتى كأنك تعين ذلك عيانا واضحة جدا، كأنك ترى وتشاهد ذلك عيانا أي بالعينين. وأيضا تدبر ما جاء في القرآن في أحوال الأمم السابقة، والنظر في أيام الله جل وعلا في أهل طاعته وأهل معصيته. فكم في القرآن من القصص، ومن ذكر الأقوام والأمم الماضية، وكيف كان الله جل وعلا مع هؤلاء؟ والقرآن أنزل للتدبر، والقصص القرآني لأجل الاعتبار؛ ﴿قد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى﴾. القصص في القرآن لا يراد منها التفكه، وإنما المراد منها أخذ العبر والاعتبار: كيف فعل الله جل وعلا بهذه الأمم، سواء كانوا أهل خير أو أهل شر؟ وهذه هي سنة الله في خلقه: ﴿ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا﴾. قالوا: علمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة. الله جل وعلا أرانا في آياته الشيء الكثير: الآيات الكونية والآيات الشرعية. من تفكر في الآيات الكونية في الليل والنهار، والشمس والقمر، والبحر والجبال، والأرض وغير ذلك، كل هذه من آيات الله الكونية: البرق والرعد والرياح، والشمس والقمر والهواء، كل هذه من آيات الله الكونية في الآفاق، تدل على أن الله جل وعلا هو الحق: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾. في ملكوت الله، وفي نفسك آيات، كم فيك من آيات؟ ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾. فيك من آيات الله الشيء الكثير: آيات ظاهرة وآيات باطنة: السمع والبصر والعقل والقلب والجوارح، وما داخل جسدك من النعم، ومن الآيات الشرايين والأمعاء والبنكرياس والغدد، وإلى آخر ذلك، نعم ومعامل داخل أجهزة دقيقة جدا، وعمليات دقيقة جدا: شرايين وأوردة، أجهزة عظيمة أعظم من الكمبيوتر. هذا من آيات الله سبحانه وتعالى. فالإنسان يتفكر في هذه الآيات تدله على ربه جل وعلا، وتزيد في إيمانه. فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من أسباب الكلية للخير والشر: تفاصيل تاريخ، تفاصيل أزمنة تمر على الناس، تحصل فيها وقائع، وهذه الوقائع تفاصيل لجزئيات ما عرفنا الله في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته من الأسباب الكلية للخير والشر. أي: حدث ذلك واقعا لمن أخذ بأسباب الخير، وكيف ناله؟ ومن أخذ بأسباب الشر، وكيف حصل له الشر؟ الأمر الثاني: أن يحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب. وهذا من أهم الأمور؛ فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وآخرته، ولا بد، ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة، وبالتسويف بالتوبة والاستغفار باللسان تارة، وبفعل المندوبات تارة، وبالعلم تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة، وبالاحتجاج بالأشباه والنظراء تارة، وبالاقتداء بالأكابر تارة أخرى. هذا أمر ثاني يجب أن ينتبه له الإنسان: أن يحذر أن يغالط نفسه على هذه الأسباب. فإن من الناس من يغالط نفسه؛ وإلا فنفسه قد استيقنت، وجحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. من الناس من يستيقن الأمور، يعرف أسباب الخير، ويعرف أسباب الشر، ويعرف أنه إذا أخذ بأسباب الخير وصل إلى الخير، وإذا فعل أسباب الشر لحقه الشر، علم ذلك واستيقن ذلك، لكن يغالط نفسه بمغالطات: تارة يمني نفسه، وتارة يسوف، وتارة وتارة وتارة، كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى. فليحذر الإنسان من الغفلة؛ لأن المعاصي وفعل المعاصي من الغفلة. إذا غفل الإنسان عن ربه وقع في المعاصي. فما يقع الإنسان في المعاصي إلا بسبب الغفلة؛ وإلا فإنه إذا كان دائم الذكر لله جل وعلا، ودائم الخشية والخوف لله جل وعلا، فإنه يكون أبعد عن الوقوع في المعاصي. لكن إذا حصلت الغفلة من القلب وقع الإنسان في المعاصي؛ لأنه وقع في الغفلة، فصار لا يبالي بما يقول من لسانه، ولا يبالي أين يقع بصره، ولا يبالي بما يقول، ولا يبالي بما يفعل؛ لأنه في غفلة. فالإنسان يحذر من الغفلة، يكون دائم الذكر، يجعل لحظات حياته ذكرا لله جل وعلا، لا تمر عليه لحظات وهو في غفلة عن ذكر الله؛ لأنه إذا غفل وقع في المعصية. كالإنسان الذي يمشي يمشي يمشي، فهو على ذكر وتفطن لطريقه التي يسير عليها، فإذا حصلت منه الغفلة وقع في الحفرة. والصدم بالجدار، وهكذا وقوع الناس في المعاصي إنما تقع منهم المعاصي حين يقعون في الغفلة. فليحذر يا عبد الله الغفلة؛ لا بد منها، الغفلة تقع، يغفل الإنسان، لكن ينتبه ويحذر، يحذر حين يغفل بعلاج هذه الغفلة: بماذا؟ بالذكر: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾. الغفلة مس من الشيطان، الغافل هذا عنده مس، عنده مس كالجن الذي يدخل في الإنسان فيصاب بالمس. وهذا الإنسان حين يقع في الغفلة إنما يقع في المس، الشيطان جعله يغفل. لكن أهل التقوى يعالجون هذه الغفلة مباشرة: إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا مباشرة. أما الذي يقع في الغفلة ويتغافل مثل الإنسان الذي ينعس، نعم ينعس ينعس ينعس، لا مباشرة، لا مباشرة، إذا شعر بالنعس تيقظ وانتبه. لماذا؟ لأنه إذا استمر في النعاس لا يدرى أي شيء، يمكن يكسر رأسه، يأتي رأسه على الأرض. وهكذا الإنسان مع الغفلة، هو يغفل لكن ينتبه، لا يجعل الغفلة غفلة وغفلة وغفلة، يخرج عن الطريق. كان يقود سيارة خرج عن الخط. والله المستعان، كم من الناس من أودى بحياة كثير من الناس بسبب هذه الغفلة، يقود السيارة يغفل، وهذه الغفلة خطيرة. يغفل هو الإنسان حين يغفل ويقود السيارة، لكن ينتبه بعد الغفلة هذه. لكن ألم ينتبه مع هذه الغفلة؟ ربما كان سبب هذه الغفلة ذهاب أنفس من البشر بسبب غفلة السائق. وأنت يا عبد الله في هذه الدنيا تسوق نفسك، أنت سائق نفسك. إذا قدت نفسك بحذر وبعدم غفلة نجوت، وإذا غفلت وقعت في المهالك. فالحذر الحذر من الغفلة؛ لأنه من أعظم الأسباب المضرة للإنسان في دنياه وآخرته. ولا تغالف نفسك يا عبد الله، لا تغالف نفسك، تقول: الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، هذه معصية سهلة، وهذه هينة، وهذا كذا لا. لا تغالف، الله غفور رحيم نعم، والله شديد العقاب. والمعصية مع المعصية، والصغيرة مع الصغيرة صارت كالجبال: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى، واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى، لا تحقرن صغيرة، إن الجبال من الحصى. إن الجبال من الحصى، جبال حصى صغيرة مع حصى مع حصى مع حصى صارت جبلا. وهكذا معصية مع معصية، صغيرة مع صغيرة، صغيرة مع صغيرة صارت كالجبال. فلا تتكل على عفو الله جل وعلا كما هو حال كثير من الناس. الله غفور رحيم، كلا، إلى آخِر ذلك. وبالتسويف بالتوبة، بعض الناس يسوف، يقول: سوف أتوب، سوف أتوب، لا زلت شابا، لا زلت وفي مقتبل العمر، لا زلت ولا زلت سوف. لا، لا تسوف، لا تسوف في التوبة، بادر بالتوبة، لا تسوف؛ لأنك لا تملك الوقت، أنت غير ضامن للوقت، هل تضمن دقيقة؟ ما تضمن، ما تضمن ولو دقيقة واحدة، فكيف تسوف بعد أيام وبعد كذا؟ لا. فمن أسباب الاستمرار على المعاصي كذلك التسويف. وهكذا أحيانا يظن الإنسان أنه يكفيه الاستغفار باللسان، أو فعل بعض المندوبات، أو الاحتجاج بالقدر، وأنه مجبور، كما سيأتي معنا في الفصل الذي سيذكره رحمه الله تعالى في ذكر طوائف من الناس: منهم من اتكل، ومنهم من وقع في الاحتجاج بالقدر، وغير ذلك من أنواع الناس كما سيأتي. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.