الدرس في الجواب الكافي 4، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
الدعاء يحتاج إلى استحضار القلب والإيمان بالإجابة، بينما غفلة القلب وأكل الحرام يبطلان قوته. الإمام ذكر أسباب عدم الاستجابة مثل ضعف القلب وعدم إقباله على الله.
أكل الحرام من أعظم الموانع لإجابة الدعاء، والله طيب لا يقبل إلا طيبا. يُنبه الشيخ إلى خطورة كسب المال الحرام على إجابة الدعاء.
الدعاء من أنفع الأدوية لدفع المكروه ورد القدر كما دلت عليه السنة النبوية. به يمكن دفع ما قد قدر على العبد من مصائب.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي ما ذكره الإمام -رحمه الله تعالى- من القيم فيما يدفع المكروهات وما يكون سببا لحصول المطالب، ومن أعظم ذلك الدعاء الذي هو من أعظم أسباب دفع المكروهات. ذكر -رحمه الله- أنه قد يتخلف الأثر، قد يدعو الإنسان ولكن يتخلف، وذكر أن ذلك لأسباب، إما لضعف القلب، وإما لضعف الدعاء بأن يكون الدعاء مما لا يحبه الله جل وعلا، كما ذكرنا مثل أن يكون الاعتداء في الدعاء، أو يدعو الله عز وجل بأسماء لا تناسب، فيقع في سوء الأدب مع الله جل وعلا. أو كذلك ربما يدعو بدعاء فيه ابتداع، كمن يدعو الله عز وجل مثلا فيقول: اللهم بجاه نبيك اشفني، فهو يدعو الله جل وعلا لطلب الشفاء، لكن يقول: بجاه نبيك، اللهم بجاه نبيك، وهذا توسل بدعي، لم يثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام أنه أمر بأن يدعى الله جل وعلا بجاهه. قالوا: إما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدا، فإن السهم يخرج منه خروجا ضعيفا، هذا أيضا مانع وسبب من أسباب تخلف الأثر، وهو ضعف القلب وعدم إقبال القلب وجمعيته وقت الدعاء وحال الدعاء. يعني يدعو الإنسان، لكن لسانه يدعو وتأتي بهذه الألفاظ ألفاظ الدعاء، ولكن القلب بعيد، القلب بعيد ساه لاه غافل، فإنما هو مجرد ألفاظ، مجرد ألفاظ تأتي على اللسان: اللهم اللهم اللهم، ولكن القلب بعيد غير مستحضر وغير متدبر بهذه الأدعية التي يدعو بها الشخص، فيتخلف الأثر. ومثله الحمد والتعالى بالقوس الرخو جدا، فإذا كان القوس رخوا جدا، فخروج السهم منه يكون على هذه الرخاوة، فخروج السهم بقدر قوة القوس، فإذا كان القوس قويا انطلق السهم، وأما إذا كان رخوا فإن السهم يخرج خروجا ضعيفا. قالوا: ومن الموانع إما لحصول المانع من الإجابة، من أكل الحرام، ورين الذنوب على القلوب، والغفلة والشهوة واللهو وغلبتها عليها، أيضا هذا من الأسباب التي يتخلف الأثر عن الدعاء، مانع من الموانع من موانع الإجابة، يدعو العبد ربه جل وعلا ولا يستجاب له بسبب مانع وجد عنده. إما أكل الحرام، فهو ممن يأكل الحرام ويلبس الحرام، فيحرم إجابة الدعاء من الله جل وعلا، أو كذلك الغفلة والشهوة على القلب، لأن الله جل وعلا توعد من دعاه بقلب غافل ساهد حرمان الإجابة. ولذلك ذكر -رحمه الله تعالى- حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مستدرك الحاكم، قال عليه الصلاة والسلام: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه». والحديث حسنه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- بشواهده، قد ضعفه بعض العلماء لأنه من تفرد صالح بن بشير المري، وهو ضعيف، لكن الحديث له شواهد، حسن العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- الحديث بهذه الشواهد. والحديث الشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من دعا ربه جل وعلا أن يدعو وهو على يقين بالإجابة، وأن الله جل وعلا سيستجيب دعاءه، يجعل عنده اليقين في هذا، يقين بأن الله جل وعلا سيستجيب دعاءه، ولا يدعو بقلب غافل لاه، لأن الله جل وعلا لا يقبل هذا الدعاء إذا كان الدعاء إنما صدر من اللسان فقط، ولم يصدر من القلب. فالله جل وعلا يريد الدعاء من عبده بلسانه وقلبه، يريد الله جل وعلا الدعاء من عبده بلسانه بأن يدعو ويأتي بهذه الألفاظ ألفاظ الدعاء، وبقلبه بأن يكون قلبه مستحضرا لما يقول من هذه الأدعية، وأن يكون قلبه موقنا بالإجابة، وأن الله جل وعلا سيستجيب دعاءه. قال -رحمه الله تعالى-: فهذا الدعاء دواء نافع مزيل للداء، ولكن غفلة القلب عن الله تبطل قوته، وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها، فالذي يضعف الدعاء غفلة القلب، إذا كان الدعاء مع غفلة القلب، فهذا يضعف الدعاء ويبطل قوة الدعاء، فيحرم العبد الإجابة من الله جل وعلا. وكذلك إذا كان يأكل الحرام، فإن أكل الحرام ولبس الحرام والتغذي بالحرام يبطل قوة الدعاء، يبطل قوة الدعاء ويضعفها، ولذلك ذكر -رحمه الله تعالى- حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا». هذا الحديث الشاهد منه واضح، فإن هذا الرجل الذي هو أشعث والشعث من أسباب إجابة الدعاء، الشعث على الرأس يعني الغبار، من أسباب إجابة الدعاء من الله جل وعلا، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره». يعني هو مدفوع بالأبواب لا يؤبه له، ربما إذا جاء إلى باب من الأبواب يريد أن يدخل فيرد، لا يؤبه به ولا يؤبه له، مدفوع بالأبواب، ولكنه رجل منزلته عند الله جل وعلا منزلة عظيمة، لو أقسم على الله لأبر الله قسمه. والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بهذا الحديث هذا الرجل أشعث وأغبر يمد يديه إلى السماء، وكل هذا من أسباب إجابة الدعاء، الشعث والغبار ومد يديه إلى السماء، أنه يتضرع إلى الله جل وعلا، يقول: يا رب يا رب، وهذا من أسباب إجابة الدعاء، وهو الدعاء بلفظ الربوبية: يا رب يا رب. ولذلك كانت عامة أدعية الأنبياء في كتاب الله عز وجل بهذا اللفظ، وهكذا أدعية أتباع الأنبياء، إبراهيم يقول: «ربنا إنني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون». «ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن»، وهكذا «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، «ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار»، «ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد». عامة أدعية الأنبياء وأتباع الأنبياء في القرآن هو بهذا: يا رب يا، وهذا الرجل دعا بهذا الدعاء: يا رب يا رب، وذلك من أسباب إجابة الدعاء، حتى قال بعض العلماء: إذا كرر العبد في دعائه لفظة الربوبية خمس مرات، فإن هذا من أسباب إجابة الدعاء أن يستجيب الله جل وعلا له. لكن الموانع التي منعت وتخلفت أثر هذا الدعاء بسببها هو أنه يأكل الحرام ويشرب الحرام ويلبس الحرام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟». هذا من أعظم الموانع من أعظم الموانع من إجابة الدعاء من الله جل وعلا، وهذا الأمر كثير من الناس من يقول: أنا أدعو أدعو أدعو، نعم يدعو، لكن هل نظر إلى مطعمه ومشربه وملبسه؟ طعام يأكله من أين يدخل ومن أين يأتيه؟ هل من حلال أم من حرام؟ والذي يلبس من أين يأتي؟ من حلال أم من حرام؟ تفقد مطعمك وملبسك ومشربك، تريد الإجابة من الله جل وعلا وأنت حرام في حرام في مطعمك وفي مشربك وفي ملبسك، فهذا من أعظم موانع الإجابة، ولذلك ذكر -رحمه الله تعالى- بعد ذلك هذا الأثر الذي رواه الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في كتاب الزهد. قال: أصاب بني إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجا فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة ترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا. وهذا الأثر، وإن كان ضعيف السند، لكن ما دل عليه من المعنى صحيح، دلت عليه نصوص الشرع، يعني كيف يستجاب لأناس رفعوا أيديهم إلى الله جل وعلا وقد سفكوا بها الدماء، أيدي سفكت بها الدماء، ثم ترفع إلى الله: يا رب يا رب يا رب، أو ترفع أيدي نجسة والعياذ بالله، نجسة سواء النجاسة الحسية أو النجاسة المعنوية. النجاسة الحسية معروفة أن يعلق بها شيء من النجاسات، والمعنوية المراد بها الاعتداء على الناس، أكل أموال الناس بهذه الأيدي، وهكذا كتابة الزور وغير ذلك من أكل المال الحرام، ترفع إلى الله عز وجل، هل هذه الأيدي نظيفة التي رفعت إلى الله جل وعلا؟ قبل أن ترفع هذه الأيدي إلى الله جل وعلا تفكر فيها، تفكر في هذه الأيدي حين ترفعها إلى الله جل وعلا، هل هي نظيفة؟ لا يليق بك يا عبد الله أن ترفع يديك إلى الله جل وعلا وهي نجسة، طهر هذه الأيدي، وإلا إذا رفعتها فاعلم أن النجاسة التي علقت بها الحسية والمعنوية من أعظم أسباب منع إجابة الدعاء. قال -رحمه الله تعالى-: وقال أبو الدرداء: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح، وهذا الأثر ضعيف، لكن جاء عند البيهقي في الشعب عن محمد بن واسع، وهو حسن، قال: يكفي من الدعاء مع الورع اليسير كما يكفي القليل من الملح. فمعناه: يكفي مع الدعاء الورع اليسير، أن تكون على ورع ولو كان يسيرا، لكن تكون ورعا في أكلك وفي شربك وفي ملبسك، ولا تكون من الذين يلبسون بالحرام في طعامهم وشرابهم ولباسهم، فليس معناه أن يكون أن العبد كاملا لا، لكن لابد من قدر لابد من قدر ولو كان يسيرا حتى يحصل من الله جل وعلا الإجابة. قال -رحمه الله تعالى-: الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو السلاح المؤمن كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض». وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه، الثاني أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا، الثالث أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه. قال: وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة». وفيه أيضا من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء»، وفيه أيضا من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل لَيحرم الرزق بالذنب يصيبه». ذكر -رحمه الله تعالى- في هذا الفصل أن الدعاء من أنفع الأدوية، وذلك لما دلت عليه الأدلة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون سببا لدفع المكروه ولرد القدر، لرد القدر، لأن الدعاء سبب لرد القدر، فقد يقدر على العبد قدر أو مصيبة أو بلية، فيدعو في ذلك الوقت، فيكون هذا الدعاء سببا لرد تلك البلية وذلك المكروه الذي ربما لحقه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.