الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 31، ألقاها
يشرح الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن كتاب التوحيد، ويتناول باب من الشرك أن يستغيث بغير الله، موضحا أن الاستغاثة بغير الله شركا لأنه يناقض التوحيد. الاستغاثة لغة هي طلب الغوث وإزالة الشدة.
الاستغاثة تنقسم إلى قسمين: استغاثة مشروعة بالله، واستغاثة ممنوعة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. كما تنقسم الاستغاثة بغير الله إلى جائزة في الأمور الحسية العادية وممنوعة في الأمور المعنوية.
يناقش حكم الاستغاثة بغير الله ودعاء غيره، ويبين أن ذلك يعد من الشرك بالله إذا كان في أمر لا يقدر عليه إلا الله. الدعاء أعم من الاستغاثة، وقد نهى الله تعالى عن دعاء غيره.
يشير إلى كثرة الأدلة من القرآن والسنة، ثم يختم بدعاء يتضرع فيه إلى الله بالتسبيح والاستغفار والتوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى جميعا- في كتاب "قرة عيون الموحدين" في شرحه لكتاب "التوحيد" للإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- قال -رحمه الله-: قوله، أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: "باب من الشرك أن يستغيث بغير الله تعالى أو يدعو غيره". والكلام على هذا الباب نلخصه بإذن الله جل وعلا كتمهيد لهذا الباب في عدة أمور. الأمر الأول: قوله -رحمه الله-: "باب من الشرك أن يستغيث بغير الله تعالى أو يدعو غيره". علاقة هذا الباب بكتاب التوحيد، أي ما هي العلاقة والمناسبة لذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- لهذا الباب في كتاب التوحيد؟ والجواب: أن هذا الباب كالأبواب السابقة، فيها بيان وتوضيح وتفسير للتوحيد ومعنى "لا إله إلا الله". فعلاقة الباب بكتاب التوحيد أنه يبين فيه الشيخ -رحمه الله تعالى- أن من وقع منه الاستغاثة الشركية بغير الله جل وعلا، فإنه لم يأت بما وجب عليه من "لا إله إلا الله"، فلم يحقق التوحيد، بل نقضه بهذه الكلمة أو نقضه بذلك العمل. فيكون هذا الباب، كما سمعتم، وذكر فيه بيان لمعنى "لا إله إلا الله"، ومن معانيها أنه لا يستغاث إلا بالله جل وعلا، وأن من استغاث بغير الله جل وعلا الاستغاثة الشركية يكون مشركا بالله جل وعلا، ولم يأت بـ"لا إله إلا الله" على وجهها، ولم يعمل بمقتضاها، بل قام بما يناقضها، قام بما يناقضها من الشرك. أما الأمر الثاني: فهو معنى الاستغاثة، ولماذا كانت الاستغاثة بغير الله جل وعلا شركا؟ والجواب: أن الاستغاثة لغة هو طلب الغوث، طلب الغوث كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في كلام الشارح في نقله عن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-. فيكون المراد به إزالة الشدة. فالاستغاثة لغة بهذا المعنى. والاستغاثة التي يذكرها العلماء -رحمهم الله تعالى- في كتب التوحيد، التي هي من عبادة الله، هي الاستغاثة بالله جل وعلا في كشف ضر أو رفعه أو إزالته، مع تعلق القلب بالله جل وعلا واعتماده عليه، وأنه لا يرفع الضر إلا الله جل وعلا. فمن استغاث بالله جل وعلا بهذا المعنى، فهي عبادة لله، وقد استغاث الرسول -صلى الله عليه وسلم- بربه جل وعلا، واستغاث المؤمنون بالله جل وعلا. والاستغاثة بهذا الاعتبار عبادة مشروعة، قال الله جل وعلا: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. فهذه استغاثة طلب كشف الضر أو إزالة الشدة مع توجه القلب وتعلق القلب بالله رب العالمين جل وعلا، واعتقاد أن الأمر بيد الله جل وعلا، وأنه هو وحده جل وعلا القادر على كشف الضر أو رفعه، لا إله غيره ولا رب سواه. فالاستغاثة، كما سمعتم، بهذا المعنى هي الاستغاثة المشروعة، وهي استغاثة العبادة. ومن صرف هذا النوع من الاستغاثة إلى غير الله جل وعلا، فإنه يكون مشركا بالله جل وعلا. ومنه نعلم الأمر الثالث، وهو أن الاستغاثة من حيث هي تنقسم إلى قسمين: الاستغاثة المشروعة، والاستغاثة الممنوعة. فالاستغاثة المشروعة هي الاستغاثة بالله جل وعلا، وهي استغاثة العبادة. والاستغاثة الممنوعة هي الاستغاثة بغير الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا. والاستغاثة بغير الله جل وعلا، ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- أنها على قسمين: القسم الأول: الاستغاثة بغير الله جل وعلا في الأمور الظاهرة الحسية العادية، فهذه جائزة، كان يستغيث إنسان بغيره لدفع أو لكشف كرب نزل به، كأن يهجم عليه عدو أو سبع أو ما شابه ذلك، فاستغاث بغيره، فهذه استغاثة مشروعة وجائزة. ومنه قول الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾. وأما النوع الثاني من الاستغاثة بغير الله جل وعلا، فهو من قسم الاستغاثة الشركية الممنوعة، وهو أن يستغاث بغير الله جل وعلا في الأمور المعنوية أو ما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا، كأن يستغيث إنسان بغيره في أن يكشف عنه ما به من المرض، أو يكون فقيرا فيستغيث بغير الله جل وعلا لاعتقاده أن له تأثيرا وقوة خفية يستطيع بها أن يغيثه. فهذا النوع من الاستغاثة هو الاستغاثة الشركية. والاستغاثة الشرعية لا بد أن تتوفر فيها ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن تكون من قادر. الشرط الثاني: أن تكون من إنسان حي موجود. الشرط الثالث: أن يقال مع التفات القلب إلى الله جل وعلا فيكون استغاثته بهذا الغير استغاثة أو كما يقال إنما هو من باب بذل الأسباب، وأن الأمر كله بيد الله جل وعلا. قال الشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: إن الاستغاثة الشركية الممنوعة على قسمين: القسم الأول: الاستغاثة بميت. القسم الثاني: أن يستغاث بغير الله جل وعلا في أمر لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا. قوله -رحمه الله تعالى-: "باب من الشرك أن يستغيث بغير الله تعالى أو يدعو غيره". قوله "باب" تقديره معنى مراد، وهو المدخل المعنوي، أي مدخل لبيان حكم الشرك بالاستغاثة بغير الله تعالى أو دعاء غير الله تعالى. وقوله "من الشرك" فيها تبعيضية، أي من بعض أنواع الشرك أو من جملة الشرك بالله جل وعلا. أن يستغيث بغير الله، "أن" حرف مصدر ونصب، فهي تسبك مع الفعل بعدها بمصدر، والتقدير: "باب من الشرك الاستغاثة بغير الله تعالى". وقوله "أو يدعو غيره" كذلك "أو" حرف عطف، و"يدعو" منصوب بأن، وهي مصدرية، فتسبك كذلك مع الفعل بعدها بمصدر، فيكون تقدير الكلام: "باب من الشرك الاستغاثة بغير الله تعالى ودعاء غيره". قال الشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "الاستغاثة هي طلب الغوث". لأن السين والتاء كما تقدم معنا معناها الطلب. هذا هو الغالب الأكثر. وقال -رحمه الله تعالى-: "فبين الاستغاثة والدعاء عموم وخصوص مطلق". بمعنى أن الدعاء أعم مطلقا من الاستغاثة، لأن الاستغاثة إنما هو في كشف الشدة أو الكرب، والدعاء أعم من ذلك، قد يكون في هذا وقد يكون في جلب خير أو نفع. فهو أعم. فالاستغاثة أخص والدعاء أعم. قال -رحمه الله تعالى-: "قلت: فبين الاستغاثة والدعاء عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة وهو دعاء المستغيث، وينفرد الدعاء الذي هو مطلق الطلب والسؤال من غير المستغيث". قال: "وقد نهى تعالى عن دعاء غيره". الأخص والأعم، أي سواء كان دعاء استغاثة أو كان دعاء عاما، ولكن بقيد ماذا؟ كما تقدم ذكره، بقيد فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذا هو المنهي عنه. قال -رحمه الله تعالى-: "قال تعالى: ﴿"،وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾". هذه الآية فيها دلالة على منع دعاء غير الله جل وعلا. ففيها النهي عن دعاء غير الله جل وعلا. وقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾، ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى- في معنى "المساجد" قولين: القول الأول: أن المقصود بالمساجد أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها الإنسان في صلاته. والقول الآخر: أن المقصود بالمساجد الأماكن المعدة للعبادة. وسواء كان هذا المعنى أو المعنى الآخر، كلاهما فإنه لا يجوز أن يدعى غير الله. قال -رحمه الله تعالى-: "فكل ما قصد به غير الله مما لا يقدر عليه إلا الله، كدعوة الأموات والغائبين، فهو من الشرك الذي لا يغفره الله". والأدلة على ذلك من القرآن والسنة أكثر من أن تحصر. نكتفي بهذا القدر. إلهنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.