الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُحَذّر من اتباع البدع والمحدثات وعدم اتباع المرسلين، ويُبين عاقبة ذلك يوم القيامة. يُوضح أن الله يسأل عن إجابة المرسلين وأن أهل البدع يخسرون يوم القيامة.
يصف مشهد جهنم وغضبها على العصاة والكافرين، ويشرح أهمية تقوى الله في النجاة منها وعبور الصراط. يُوضح أن الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف.
يشرح أحوال الناس عند المرور على الصراط بحسب أعمالهم، فمنهم من يمر سريعا ومنهم من يزحف أو يسقط في النار. يُشدّد على أهمية اتباع الصراط المستقيم في الحياة الدنيا.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: وهيئ جوابا عندما تسمع الندا من الله يوم العرض ماذا أجبتموا به رسلي لما أتوكم فمن يكن أجاب سواهم سوف يخزى ويندموا قال العلامة العثيمين رحمه الله: يعني رحمه الله أن الله تعالى يأتي يوم القيامة، فيقول: ماذا أجبتم المرسلين؟ أي: هل أجبتم المرسلين أم أجبتم غيرهم؟ وهل إذا كنتم أجبتم المرسلين أجبتموهم بالسمع والطاعة أو بالمخالفة والعصيان؟ فإنه من يكن أجاب المرسلين بالسمع والطاعة فسوف يسعد، ومن يكن أجاب سواهم فسوف يخزى ويندم. فهؤلاء الذين يسيرون وراء البدع، ووراء المبتدعين، ووراء كبرائهم وزعمائهم فيما يخالف السنة والمرسلين، سوف يخزون يوم القيامة ويندمون. قال تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾. فهو رحمه الله، إمام القيم، يدعو العبد لأن يهيئ جوابا يبرئ به ذمته يوم القيامة، يوم أن يعرض على الله جل وعلا، ويسأل: ماذا أجبتم المرسلين؟ هل أجابهم وأطاعهم من قاد لهم، ففعل ما أمروا وترك ما نهوا عنه؟ أم أنه أعرض عن إجابتهم وأعرض عن اتباعهم وأجاب غيرهم واتبع غيرهم، فيكون من الهالكين والخاسرين يوم القيامة؟ وهذا حال أهل البدع والأهواء الذين اتخذوا لهم قادة وزعماء غير النبي عليه الصلاة والسلام، ينقادون لأوامرهم ويجرون خلف أفكارهم، فتركوا السنة ووقعوا في البدع، وتركوا شريعة الله ووقعوا فيما نهى الله جل وعلا عنه من البدع والمحدثات. قال رحمه الله: وخذ من تقى الرحمن أعظم جنة ليوم به تبدو عيانا جهنم قال رحمه الله: قوله «أعظم جنة» الجنة هي ما يستتر به المقاتل عن سهام الأعداء، كالترس ونحوه الذي يتقي به ضربات العدو. قال: وقوله «اليوم به تبدو عيانا جهنم» أن يؤتى بها أمام العالم، وهي تقاد بسبعين ألف زمام، وكل زمام يقوده سبعون ألف ملك، كما جاء في حديث المسعود رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم. قال: في منظر عظيم مهيب، ثم إذا ألقي فيها أهلوها سمعوا لها شهيقا وهي تفور، وكأنها في أشد ما يكون من التشوف والتشوق -يعني إلى من يسكنها ومن يدخل فيها-. قال الله تعالى: ﴿تكاد تميز من الغيظ﴾، أي: تتقطع من شدة غيظها وحنقها على العصاة والكافرين. قال: وأنت إذا رأيت إنسانا امتلأ غيظا، فإنك تراه وكأن جلده سينفسخ -يعني: سيتقطع منه وينفصل عنه- من شدة غيظه وحنقه، فكيف بالنار؟ قال: فالنار هكذا «تكاد تميز من الغيظ»، يعني: من شدة غيظها وحنقها تكاد أن تتقطع، ويأكل بعضها بعضا. ثم قال تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير * وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير﴾. قالوا: هذا الندم إنما كان ينفع في دار العمل، وأما في دار الجزاء فلا ينفع. يعني: في حال الحياة الدنيا الإنسان إذا أخطأ وزل ووقع في الذنب والمعصية، فندم وتاب ورجع، فالباب التوبة مفتوح عنده، ويستطيع أن يرجع وأن يحسن العمل؛ لأنه ما زال في دار العمل. لكن يوم القيامة انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، ليس هناك أعمال، وإنما هو الجزاء على الأعمال. قالوا: لا ينفع فيها إلا ما كان يعمله الإنسان في الدنيا، يستعد به للآخرة. فإن أعظم ما يستعد به الإنسان للآخرة، وما يتقي به من عذاب الله جل وعلا وغضبه وعقابه، تقوى الله. ولهذا قال رحمه الله: وخذ من تقى الرحمن أعظم جنتنا أعظم وقاية تتقي بها يوم القيامة، يوم أن تبعث، وأن ترى جهنم عيانا، وترى ما أخبر الله عز وجل به ورسوله عين اليقين. فأعظم ما تتقي به تلك الأهوال الشديدة العظيمة، تقوى الله جل وعلا. ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد التقوى﴾. ثم قال رحمه الله: وينصب ذاك الجسر من فوق متنها فهاو ومخدوش وناج مسلم يعني رحمه الله أن هذا الجسر الذي هو الصراط ينصب يوم القيامة على متن جهنم، ولا يدخل أحد للجنة إلا بعد مروره على هذا الصراط. قال: ويكون أدق من الشعر وأحد من السيف، كما جاء في أثر بسعيد الخضر رضي الله عنه في الصحيح، قال: بلغني أنه أدق من الشعر وأحد من السيف. قال: يمر الناس فيه على قدر أعمالهم. والنبي صلى الله عليه وسلم وصفه بقوله: «مضحضة مزلة، عليه كلاليب مثل شوك السعدان، تأخذ من شاء الله بأخذه». قال: يمر الناس فيه على قدر أعمالهم، فمنهم من ينجو ويسلم -يعني: يمر على الصراط وينجو-، ومنهم من يمر كالبرق سريع، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل -أي: الخيل السريعة-، ومنهم من يجري جريا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فناج مسلم، ومخدوش، ومكردس في النار». قال: فمنهم من ينجو ويسلم، يسلم من الوقوع في جهنم. قال: ومنهم الهاوي -أي: من يهوي في نار جهنم- عياذا بالله. قال: ومنهم المخدوش الذي يمشي أحيانا ويحبو أحيانا، قد يمشي فتخدشه هذه الكلاليب تخدشه، وربما ينجو ويسلم، وربما يسقط ويهلك. قال: فمن كان مسرعا في مرضات الله في الدنيا كان مسرعا على الصراط، ومن كان بطيئا في مرضات الله في الدنيا كان بطيئا على الصراط. ومن زلت به قدمه في الدنيا زلت به قدمه في الآخرة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر الصراط في الصحيحين، من حديث أنس: أن الناس يمرون على قدر أعمالهم. على قدر أعمالهم، ومن كان سريعا في الدنيا إلى طاعة الله جل وعلا، بعيدا عن معصية الله، يمر على الصراط سريعا، ومن كان دون ذلك في الأعمال في الدنيا سيمر بأقل من ذلك. ومن كان بطيئا في طاعة الله، سريعا في معصية الله، فهذا الذي سيكون بطيئا، وربما تأخذ هذه الكلاليب وتلقي به في النار عياذا بالله. ولهذا ابن القيم رحمه الله يقول: الصراط صراطان: صراط في الدنيا، وصراط في الآخرة. من مشى على صراط الدنيا، وهو صراط المستقيم الذي أمر الله عز وجل بسلوكه والسير عليه، وكان ملازما له سريعا في طاعة الله جل وعلا، فإنه سيسهل عليه المرور على صراط الآخرة. ومن كان في هذه الدنيا مضيعا لهذا الصراط، بعيدا عن طاعة الله وسريعا في معصية الله، فهذا الذي يخشى عليه أن لا ينجو من صراط الآخرة. نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية. إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.