الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 33، ألقاها
يبدأ الشرح ببيان أهمية كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب وتوضيح موضوعاته الرئيسية المتعلقة بشرك المشركين وعبادتهم لغير الله. يُظهر أن الكتاب يستخدم الآيات القرآنية كدليل على بطلان الشرك.
يشرح المقطع توحيد الألوهية والربوبية ويبين أن الله وحده يستحق العبادة لأنه الخالق، ويستدل على بطلان عبادة غير الله بكونهم مخلوقين وعاجزين. يُظهر أن العبادة يجب أن تكون خالصة لله وحده.
يستند الشرح إلى أدلة من القرآن الكريم لإثبات بطلان عبادة غير الله، مثل أن كل شيء مخلوق لله وعبيد له، ولا يملك أحد غير الله شيئاً. يُظهر أن الملك والخير بيد الله وحده.
يتحذير الشرح من الشرك ودعاء غير الله مستنداً إلى الآيات القرآنية التي تنفي استجابة المدعوين من دون الله وتؤكد أن دعاءهم شرك بالله لا يغفر لمن لقي الله به.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى، في كتابه "قرة عيون الموحدين حاشية كتاب التوحيد". قال قوله: باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾. قوله، رحمه الله تعالى: قوله، أي قول الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، في كتابه "التوحيد"، باب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾. والناظر في هذا الباب يرى أن الشيخ، رحمه الله تعالى، ترجم لهذا الباب بهاتين الآيتين، لم يذكر ترجمة من عند نفسه، وإنما جعل هذه الآيات ترجمة لهذا الباب: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾. ومن هذا التبويب نعلم مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد، ومنه كذلك نعلم مناسبة هذا الباب للأبواب قبله. ومنه نعلم ثالثاً: دقة نظر الشيخ، رحمه الله تعالى، في تبويبه بهذه الأبواب في كتاب التوحيد. فأولاً: مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد، ولا سيما وأن الشيخ، رحمه الله تعالى، ذكر هذا الباب بعد البابين قبله: بعد باب "من الشرك أن يستعاذ بغير الله"، وبعد باب أيضاً "من الشرك أن يستغاث بغير الله أو أن يدعو غير الله"، ذكرها الشيخ، رحمه الله تعالى، هذا الباب، وكما سمعتم أنه ترجم عليه بهاتين الآيتين. وهذا من الشيخ، رحمه الله تعالى، إشارة إلى أدلة ما تقدم من أن الشرك بغير الله جل وعلا لا ينفع صاحبه، وأن من أتخذ إلها من دون الله جل وعلا لا يملك لعابده شيئاً، لا يملك لعابده شيئاً، بل هو مخلوق، بل هو مخلوق من خلق الله جل وعلا، وهو كذلك لا يستطيع لنفسه ولا لغيره نصراً، ولا دفع ضر، إلى غير ذلك. فيكون هذا الباب من الأدلة الدالة على بطلان عبادة ما سوى الله جل وعلا، بطلان الاستغاثة بغير الله جل وعلا، بطلان دعاء غير الله جل وعلا، بطلان الاستعاذة بغير الله جل وعلا، بطلان كل شرك بالله جل وعلا. لأن من أشرك به مع الله جل وعلا، مهما كان ذلك الشريك الذي اتخذ مع الله جل وعلا، فإنه مخلوق، فإنه مخلوق، سواء كان ملكاً مقرباً، أو كان نبياً مرسلاً، أو كان ولياً من الأولياء، أو كان حجراً، أو شجراً، أو قمراً، أو شمساً، أو ما شابه ذلك، الكل مخلاً مخلوق، والكل فقير إلى الله جل وعلا، والكل محتاج إلى الله جل وعلا، والكل لا يغني عن نفسه، فضلاً عن غيره، شيئاً. وإذا كانت هذه الحقيقة، وهذا هو البرهان الصارخ لهذا الأمر، فكيف بعد هذا يطلب الغوث، يطلب الإغاثة من غير الله جل وعلا؟ ويطلب كشف الضر، أو جلب النافع من غير الله جل وعلا؟ فهذا كما ذكر من ذكر من العلماء، رحمهم الله تعالى، من الأدلة النقلية، والعقلية، والفطرية، على بطلان عبادة كل ما سوى الله جل وعلا. فهو دليل شرعي، لأن الله جل وعلا قد نص عليه، آيات كثيرة. وهو كذلك دليل عقلي برهاني، لأن الله جل وعلا خاطب الناس بأشياء يعقلونها، بقوله جل وعلا: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، هذا دليل إيش؟ برهان عقلي، أي: كيف يشركون بالله جل وعلا شيئاً هو مخلوق مثلهم؟ كيف يشركون بالله جل وعلا بالرب الكامل جل وعلا، الذي بيده الخير كله، وبيده الأمر كله، سبحانه وتعالى، بيده الخير كله، وبيده الأمر كله؟ كيف بعد هذا يأتي مخلوق من مخلوقات الله جل وعلا، التي يجب عليها أن تكون عابدة لله جل وعلا، فتعبد غير الله، وغير الله جل وعلا هو مخلوق مثله، هو مخلوق مثله؟ فكيف بعد هذا يصح في العقل لمن كان عنده عقل سليم، لمن كان عنده عقل سليم؟ كيف يصح منه أن يعبد من هو مثله، محتاج إلى غيره؟ كيف يعبد من هو مخلوق مثله، مخلوق خلق له خالق؟ وكذلك: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾، كيف بعد هذا يكون هذا الصنف، وهذا الشريك الذي قد اتخذ شريكاً مع الله جل وعلا، يصح أن يكون معبوداً مع الله؟ فهذا دليل برهاني عقلي. ومنه نعلم أن القرآن جاء بالأدلة النقلية، وكذلك جاء بالحجج البرهانية العقلية، وهي أحسن الحجج، وأقوى الحجج، وأخصم الحجج للخصم، لا حجة ولا برهان فوق برهان الله جل وعلا، وفوق حجج الله جل وعلا. فما أحسنه من استدلال من الشيخ، رحمه الله تعالى، وما أحسنه من دليل من الله جل وعلا، عقلي برهاني، على هؤلاء الذين يعبدون غير الله جل وعلا، كيف يعبدون مخلوقاً مع الله جل وعلا؟ وذلك المخلوق مخلوق، لا يملك النفع، ولا الضر، ولا الموت، ولا الحياة، ولا النشور. وهو كذلك دليل فطري، ووجه ذلك: أن الكل يقر بأن الله جل وعلا خالق، وأن ما سواه فإنه مخلوق، وكل ما سواه فإنه مخلوق، هذا دليل فطري. ومشركون العرب الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقرون بذلك، بل ويقولون ذلك، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، بل قد ثبت عنهم أنهم كانوا يقولون في تلبيتهم في الحج، كما في صحيح مسلم، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن المشركين كانوا يقولون في طوافهم في الحج: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك" -إلى هنا توحيد- ثم قالوا ماذا؟ "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك". الشاهد من هذا: أنهم أثبتوا ماذا؟ "لا شريك لك"، أقرّوا بأن الله جل وعلا هو الخالق وحده، وهو الرازق وحده، وهو المالك وحده. ثم قالوا إيش؟ "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"، تملكه وما ملك، إذن المشركون بفطرتهم يقرون بهذا الأمر، يقرون بهذا الأمر: بأن الله جل وعلا الذي بيده الملك، وأنه الخالق، وأنه المالك، وأن كل ما سواه مخلوق، مملوك، مدبر بتدبير الله جل وعلا له، وبخلق الله جل وعلا له. بل حتى الثنوية من المجوس، الذين يقولون بأن الكون خالقين، كما ذكر عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، قال: بأنهم لا يقولون بأن الخالقين سواء، لا يقولون بأن الخالقين سواء، يقولون بأن ثم خالق للنور، هو أعظم، وأكمل، وأفضل من الإله الآخر، الذي هو خالق الظلمة، الآخر يصفونه بماذا؟ بالنقص، أنه ناقص، وأنه شرير، أو يأتي الشر من جهته، وما شابه ذلك. بل ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، أن طوائف من هؤلاء من يقول: بأن إله الظلمة، وإله الشر، إنما هو مخلوق لإله الخير، مخلوق لإله الخير. وعلى هذا القول يكون حقيقة قولهم: أنهم جعلوا الكون خالقاً واحداً، أو خالقين، جعلوا للكون خالقاً واحداً. هذا من الثنوية، وهذا كما سمعت: فيه إقرار وتقرير بما تقدم من أن الأمم السالفة يقرون بأن الله جل وعلا هو الخالق وحده، وأن ما سواه فإنه مخلوق مربوب. حتى فرعون الذي أنكر، واستكبر، وجحد أن يكون الله جل وعلا هو الخالق، وادعى أنه هو الخالق، هذا إنما هو جحد لشيء قد وقر في نفسه على أنه خلافه، أي: جحد أن الله هو الخالق، وهو يعلم بأن الله جل وعلا هو الخالق، وزعم أنه الرب: "أنا ربكم الأعلى". لكن في قرارة نفسه هو مكذب لما ادعاه، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ -من فرعون وقومه- ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ثُمَّ جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، فهم جحدوا بالحق، وهم يعلمون أنه الحق. لأن الجحد هو إنكار ما كان معلوماً، حقيقة التجحد هو إنكار ما هو معلوم. بل الله جل وعلا أخبر عن موسى عليه السلام حينما حجّ فرعون، بقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾، فأخبر الله جل وعلا عن موسى: أنه قرر فرعون بما أنكره: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾، أي: فرعون، ﴿مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، لقد علمت، أشاهد منه؟ لقد علمت، أقر، أو قرره بأنه يعلم، ولكنه يتجاهل، ولكنه يجحد. لذا لما حصل له الغرق، لما غرق، ماذا قال؟ ﴿قَالَ آمَنتُ بِالَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾، وهذا يدلنا على ماذا؟ على أنه يعلم أن الله جل وعلا هو الخالق وحده، ولكنه لعلوه وعتوه وكبره أنكر هذه الحقيقة. شاهدون من هذا: أن في هذا التبويب من الشيخ، رحمه الله تعالى، تقرير لتوحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، وذلك بهذا البرهان، وأن من كان هو الخالق وحده، وهو النافع وحده، الضار وحده، الذي بيده الأمر وحده، هو الذي يستحق العبادة، وأن كل ما سواه من معبود قد عبد معه، فإنه لا يملك نفسه، فضلاً عن غيره، نفعاً، ولا ضراً، نفعاً، ولا ضراً. وإذا كان الأمر كذلك، فكما سمعتم وتقدم ذكره: أن في هذا التبويب من الشيخ، رحمه الله تعالى، استدلال لطيف يدلنا على دقة هذه الأبواب في كتاب التوحيد، وأن الشيخ، رحمه الله تعالى، يستدل عليها بألطف الأدلة، وأن هذه الأبواب رتبها ترتيباً عظيماً، بحيث أن الناظر فيها، والمتأمل فيها يجد دقة نظر الشيخ، رحمه الله تعالى، في هذا التبويب. وهذا كما سمعتم: إن دل على شيء، دل على الفتح التي فتح الله جل وعلا به على هذا الإمام، عليه رحمة الله. ولعل الله جل وعلا اطلع على حسن سريرته، فأمده الله جل وعلا بعون منه، وتوفيق، وتسديد، بهذه الأبواب في هذا الكتاب، الذي يعد من أفضل الكتب المؤلفة والمصنفة، بل أفضل كتاب ألف وصنف في باب توحيد الألوهية. بل نقل بعضهم إجماع العلماء على هذا المعنى: على أن هذا الكتاب لن يصنف مثله من قبل في باب توحيد الألوهية. والأمر كما ذكر، والله أعلى وأعلم. قال، رحمه الله تعالى: "وهذا مما احتج به تعالى على المشركين". تأمل إلى قول الشارح، رحمه الله: "وهذا مما احتج به تعالى على المشركين". فالباب ذكر لماذا؟ محاجة من الله جل وعلا على المشركين، احتج به الله جل وعلا على المشركين، فهو دليل عقلي، نقلي، فطري، على المشركين، وعلى بطلان عبادتهم لما سوى الله، وعلى أن الله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده، وأن كل ما سواه مما عبود لا يستحق العبادة. لماذا؟ لا يستحق العبادة لأنه لا يملك لنفسه نفعاً، ولا ضراً، فضلاً عن أن يملك لغيره نفعاً، أو ضراً. وإنما يعبد من يعبد لاعتقاد العابد: أن ذلك المعبود الذي عبده أنهم يملكون نفعاً، أو ضراً. والله جل وعلا قطع هذه الآمال، وقطع تلك الظنون، وبين أحسن بيان، وأوضح توضيح، واستدل بأحسن استدلال، وأقوى برهان، على بطلان هذا الاعتقاد، وأن كل ما سوى الله مخلوق، لا يملك لنفسه نفعاً، ولا ضراً، ولا يستطيع أن يحول شيئاً من أمر نفسه، فضلاً عن أمر غيره، إلا بإذن الله رب العالمين جل وعلا. فالأمر من الله جل وعلا، وإليه وحده، سبحانه وتعالى. وإذا كان الأمر كذلك، فإذا: لا يستحق الدعاء إلا الله، ولا الاستغاثة إلا الله، ولا الاستعاذة إلا الله، ولا التضرع، والتقرب، والتعبد بأنواع العبادات إلا الله وحده لا شريك له، الذي من دعاه أجابه، ومن استغاث به أغاثه، ومن التجأ إليه وتوكل عليه كفاه، سبحانه وتعالى. أليس الله بكاف عبده؟ الله جل وعلا هو الذي يكفي من شاء بما شاء، كيف شاء، سبحانه وتعالى. قال، رحمه الله تعالى: "وهذا مما احتج به تعالى على المشركين لما وقع منهم من اتخاذ الشفعاء والشركاء في العبادة". وهذا مما احتج به تعالى على المشركين لما وقع منهم من اتخاذ الشفعاء والشركاء في العبادة. فيكون لما أولى وأقوى في التعبير في هذا المقام، لأنه المناسب لقوله: "وهذا مما احتج به تعالى على المشركين لما وقع منهم من اتخاذ الشفعاء والشركاء في العبادة". لأنهم مخلوقون، لأنهم مخلوقون، فلا يصلح أن يكونوا شركاء لمن هم خلقه وعبيده، أي: لا يصلح أن يكون هؤلاء المعبودون مع الله معبودين مع الله. لماذا؟ لأنهم مخلوقون، فكيف يصح أن يعبدوا مع خالقهم؟ إذا كانوا مخلوقين خلقهم الله جل وعلا، فكيف يصح أن يكونوا معبودين مع خالقهم جل وعلا؟ وهذا كما سمعتم: من أحسن البراهين، وأقوى الحجج على بطلان عبادة كل ما سوى الله. قال: "وأخبر أنهم مع ذلك لا يستطيعون لهم نصرا، أي: لمن سألهم النصرة، ولا أنفسهم ينصرون، فهم عاجزون عن نصر أنفسهم، عاجزون عن نصر غيرهم، فكيف بعد هذا يعبدون؟" قال: "فإذا كان المدعون لا يقدر أن ينصر نفسه، فلأن لا ينصر غيره من باب أولى". لماذا؟ لأنه ضعيف، فقير، محتاج إلى غيره في نصرته، وفي كشف الضر عنه، وفي نفعه، محتاج إلى الله جل وعلا، فكيف تكون له القدرة بعد ذلك على أن ينفع غيره؟ وهو بنفسه لا يستطيع نفع نفسه. قال: "فبطل تعلق المشرك بغير الله بهذين الدليلين العظيمين". وهو كونهم عبيداً لمن خلقهم لعبادته، والعبد لا يكون معبوداً، والعبد لا يكون معبوداً. لأن كل مخلوق هو ماذا؟ مخلوق لله، معبود لله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾، الكل عبيد لله جل وعلا، الكل فقراء إلى الله جل وعلا، الكل مقهورون بالقاهر جل وعلا، مربوبون لرب جل وعلا. فكيف بعد هذا يستحق غير الله جل وعلا أن يكون معبوداً مع الله جل وعلا؟ قال، رحمه الله: "قال: فبطل تعلق المشرك بغير الله بهذين الدليلين العظيمين". وهو كونهم عبيداً لمن خلقهم لعبادته، والعبد لا يكون معبوداً. هذا الدليل الأول، والبرهان الأول: أنهم مخلوقون، والمخلوق ما خلق إلا لماذا؟ إلا لعبادة ربه جل وعلا. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال: "الدليل الثاني: أنه لا قدرة لهم على نفع أنفسهم، فكيف يرجى منهم أن ينفعوا غيرهم؟" قال: "فتدبر هذه الآية، وأمثالها في القرآن العظيم". الأمر الثاني كما سمعتم: أن هؤلاء الذين عبدوا مع الله جل وعلا لا يستحقون العبادة. لماذا؟ لا يستحقوا العبادة لأمرين: الأمر الأول: أنهم مخلوقون، عبيد لله جل وعلا. والأمر الثاني: أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، فضلاً عن أن ينصروا غيرهم. ومعنى هذا: أنهم لا يستطيعون نفع أنفسهم، فضلاً عن غيرهم، لا يستطيعون كشف الضر عن أنفسهم، فضلاً عن غيرهم، فضلاً عن غيرهم. وهذان دليلان واضحان على بطلان عبادة كل ما سوى الله جل وعلا. قال، رحمه الله تعالى: "فتدبر هذه الآية، وأمثالها في القرآن العظيم". قال: "وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ إِلَى قَوْلِهِ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾". قال، رحمه الله تعالى: "ابتدأ تعالى هذه الآيات بقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾، يخبر الخبير: أن الملك له وحده، والملوك، وجميع الخلق تحت تصرفه، وتدبيره، وفضله، بحكمته وعلمه". يعني: أن الله جل وعلا ابتدأ الآيات المذكورات بقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾، أي: أن الملك له وحده جل وعلا، لا شريك له. من أين استفدنا هذا الحصر، وهذا الاختصاص؟ استفدناه من تقديم المعمول على عامله، أو من تقديم ما حقه التأخير، من قوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾، له الملك، فالجار والمجرور تقدم على ماذا؟ تقدم على قوله: "الملك". وتقدم ما حقه التأخير يفيد الحصر، والقصر، والاختصاص. فالله جل وعلا الملك مختص به، وهو ملك له وحده، لا شريك له. وأن كل ما سواه فهو مملوك لله جل وعلا. وما أتي من شيء فهو من ملك الله جل وعلا الذي تفضل به عليه، وأعطاه إياه. فالأمر من الله جل وعلا وحده لا شريك له، إليه. فقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾، هذه الآية كغيرها من آيات، من الآيات التي يستدل بها ربنا جل وعلا بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. فالله جل وعلا يقول في هذه الآية: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الَّذِي لَهُ الْمُلْكُ﴾، ربكم الذي له الملك، فيستفاد من هذه الآية: أن من كان ليس ذا ملك، فإنه لا يستحق أن يكون مألوهاً، معبوداً. لماذا؟ لأنه فقير، لا يملك، كيف يكون إلها وهو لا يملك؟ فنستفيد من هذه الآية، كغيرها من الآيات: أن الإله لابد أن يكون له الملك، المتصرف في ملكه كيف شاء. لذا قال الله جل وعلا في آيات كثيرة: يبين فيها عموم ملكه جل وعلا، بقوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ وَلِلَّهِ الْمُلْكُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فالأمر بيد الله جل وعلا، فالأمر بيد الله جل وعلا، وحده لا شريك له، الذي من شاء أعزه أعزه، ومن شاء أذله أذله، ومن شاء أكرمه أكرمه، ومن شاء خذله خذله. فالأمر إليه، فهو الرافع الخافض، وهو المانع المعطي، وهو النافع الضار، لا إله غيره، ولا رب سواه. قال، رحمه الله تعالى: "ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، فإن من كانت هذه صفته، أي: من كانت هذه صفته ممن عبد من دون الله جل وعلا". بعد أن أبان الله جل وعلا في الآية السابقة: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾، فهو مختص بالملك جل وعلا، بعد هذا قال ماذا؟ ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾، أي: من الآلهة التي عُبِدت مع الله جل وعلا، بيّن الله جل وعلا أنهم لا يستحقون العبادة. لماذا؟ لا يستحقون العبادة، قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، الشيء اليسير، الشيء اليسير الذي يكون على النواة، على نواة التمر، ما يملكونه، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فمن باب أولى أنهم لا يملكونه. وهذه كذلك من الحجج البرهانية في كتاب الله جل وعلا، في كتاب الله جل وعلا. قال الشارح، رحمه الله: "فإن من كانت هذه صفته، أي: لا يملك شيئاً". قال: "فلا يجوز أن يرغب في طلب نفع، أو دفع ضر، إلى أحد سوى الله تعالى وتقدس". إذا كان غير الله لا يملك شيئاً، لا يملك شيئاً، فكيف يعبد؟ وكيف يتقرب إليه؟ وكيف يعلق القلب به؟ وهو لا يملك شيئاً، كائنا من كان، سواء كان نبياً مرسلاً، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم الخلق على الله جل وعلا، فضلاً عن غيره، لا يملك شيئاً، لا يملك شيئاً، الأمر كله بيد الله جل وعلا. فكيف بعد هذا يعبد، ويطلب، ويرغب في غير الله جل وعلا؟ إما بالغوث، بطلب الإغاثة، أو بطلب النافع، أو جلب الخير، أو دفع الضر، أو طلب المدد، أو الولد، أو الرزق، أو المكنة، أو ما شابه ذلك، يطلب ممن لا يملك شيئاً. ولهذا إلا من سفه عقول هؤلاء، وضياع دينهم، وتوحيدهم، علقوا قلوبهم بمن لا يملك لنفسه، فضلاً عن غيره، نفعاً، ولا ضراً، ولا يستطيع كشف الضر عن نفسه، فضلاً عن غيره، ولا تحويله. قال، رحمه الله تعالى: "قال: فإن من كانت هذه صفته، فلا يجوز أن يرغب في طلب نفع، أو دفع ضر، إلى أحد سوى الله تعالى وتقدس". بل يجب إخلاص الدعاء له، أي: لله وحده لا شريك له. لماذا؟ لأن الملك بيده، والخير بيده، فهو المعز المذل، وهو الخافض الرافع، وهو النافع الضار، جل وعلا وحده لا شريك له. قال: "الذي هو من أعظم أنواع العبادة". بل يجب إخلاص الدعاء له، الذي هو من أعظم أنواع العبادة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، أمرك ربك جل وعلا بالدعاء، ووعدك بالإجابة. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، ربك جل وعلا أمرك، وحثك، وحرضك على الدعاء: أن تدعوه وحده لا شريك له، وأخبرك بأنه قريب، يجيب دعوة داعيه، يسمع دعاء داعيه، ويجيب دعواتهم، ويكشف كروبهم، وينزل عليهم المدد، وينزل عليهم المدد، إن شاء جل وعلا. فالأمر بيده وحده لا شريك له، وكل ما سواه فإنه لا يملك نفسه، فضلاً عن غيره، شيئاً من الأمر. قالوا: "أخبر تعالى: أن ما يدعوه أهل الشرك لا يملك شيئاً، وأنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، لا يسمعون". بعضهم يدعو الحجارة، هل تسمع الحجارة أصواتهم؟ يدعون الأشجار، هل تسمع هذه الأشجار أصواتهم؟ يدعون الشمس، أو القمر، أو يدعون أمواتا قد صاروا إلى ما صاروا إليه، هل يسمعون دعاءهم؟ لا يسمعون دعاءهم، لا يسمعون دعاءهم. ولو سمعوا ما استجابوا لهم، كما ذكر الشارح، رحمه الله، مر معنا في قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، في الآية التي مرت معنا فيما مضى، في قول الله جل وعلا في الآية السابقة: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. قال، رحمه الله تعالى: "وأخبر تعالى: أن ما يدعونه للشرك لا يملك شيئاً، وأنهم لا يسمعون دعاء من دعاهم، ولو فرض أنهم يسمعون، لو فرض". وإلا في حقيقة الأمر لا يسمعون، لكن يقول: على سبيل الفرض، والتنزل، يقول: "ولو فرض أنهم يسمعون، فلا يستجيبون لداعيهم، وأنهم يوم القيامة يكفرون بشركهم، أي: ينكرونه، ويتبرؤون ممن فعله معهم". فهذا الذي أخبر به الخبير، الذي لا يقفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء. وأخبر: أن ذلك الدعاء شرك به، وأنه لا يغفره لمن لقيه به. فأهل الشرك ما صدقوا الخبير، أهل الشرك ما صدقوا الخبير، الذي أخبرهم بأن ما يدعون من دونه جل وعلا: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾. قال، رحمه الله تعالى: "قال: وأخبر أن ذلك الدعاء شرك به، وأنه لا يغفر لمن لقيه به". فأهل الشرك ما صدقوا الخبير، ولا أطاعوه فيما حكم به، وشرع. بل قالوا: "إن الميت يسمع". والله جل وعلا يقول: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾. قال، رحمه الله: "بل قالوا: إن الميت يسمع". ومع سماعه ينفع، ما هو يسمع فقط، بل وينفع، أي: من دون الله جل وعلا، جعلوا لغير الله جل وعلا قدرة بذاته على النفع والضر، وهذا عين الشرك بالله جل وعلا، والمشاقة والمحادة لله رب العالمين جل وعلا. قال: "فتركوا الإسلام والإيمان رأساً، كما ترى عليه الأكثرين من جهلة هذه الأمة".