الدرس في منظومة السير إلى الله 2، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول المقطع موضوع الإيثار والزهد في الدنيا، حيث يصف حال الناس الذين آثروا الدنيا على الآخرة، وحال العقلاء والنبلاء الذين آثروا الآخرة على الدنيا. يبين أن الإيثار للآخرة هو السبيل للفلاح.
يُنبه الخطيب إلى خطورة تفضيل الدنيا على الآخرة والانغماس في الملذات المحرمة مثل الغناء والمعازف، ويحذر من أن ذلك يؤدي إلى الحرمان من النعيم في الآخرة. يُشير إلى أن خمر الدنيا محرم بينما خمر الآخرة نعيم لا يمكن تصوره.
يصف المقطع كيف أن المؤمنين يجدون لذة في العبادة والطاعة، بينما يعاني الذين يفضلون الدنيا من الهموم والغموم. يبين أن العبادة تحتاج إلى مجاهدة النفس، وأن الله يوفق الذين يجاهدون أنفسهم على الطاعة.
المقطع يتضمن الدعاء لله تعالى أن يعين على ذكره وشكره وحسن عبادته، والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى، الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، في تعليقه على منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة». قال رحمه الله: «ولم يتنبه من هذه الرقدة العظيمة والمصيبة الجسيمة إلا القليل من العقلاء والنادر من النبلاء، فعلموا أن الخسارة كل الخسارة الاشتغال بما لا يجدي على صاحبه إلا الوبال والحرمان، ولا يعوضه مما يؤمل إلا الخسران، فآثروا الكامل على الناقص، وباعوا الفاني بالباقي، وتحملوا تعب التكليف والعبادة حتى صارت لهم لذة وعادة، ثم صاروا بعد ذلك سادة». بعد أن ذكر رحمه الله تعالى أكثر ما عليه الناس من الاشتغال بالدنيا وتلبية رغبات أنفسهم وشهواتهم وملذاتهم وحظوظهم، وعكفوا عليها وجاهدوا وناضلوا لأجلها، وعادوا ووالوا لأجلها، وأحبوا وأبغضوا لأجلها، ذكر ما عليه القليل من الناس ممن تفطن لحقيقة هذه الدنيا والصورة الحقيقية لها. ولكن هذا القليل من الناس، وهم العقلاء والنادر من النبلاء، نظروا في هذه الدنيا وعلموا حقيقتها. لو أفنى الإنسان عمره في تحصيلها في ليله ونهاره وسره وجهاره، ما هي النتيجة؟ ما هي الحصيلة؟ ما سيجني إلا الويل والحسرات والوبال والحرمان. هذا الذي سيجنيه من هذا الكد العظيم وهذا الاشتغال بهذه الدنيا. فلما علموا حقيقة هذه الدنيا، فإنهم آثروا الكامل على الناقص، والباقي على الفاني. آثروا الكامل، وهو ما عند الله جل وعلا من الثواب العظيم والأجور والجنة والرضوان، على الناقص، وهو هذا الحطام الفاني، حطام الدنيا. وهكذا آثروا الباقي، الباقي على الفاني، الباقي الذي هو عند الله جل وعلا. فالذي يبقى هو ما كان لله جل وعلا، وما كان في مرضاة الله جل وعلا. وأما ما كان لأجل الدنيا أو لأجله الشبع، ولأجله كذلك الري من الضمأ، واللبس، كل هذا زائل. كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون. إلى آخر الآية. يقول ابن آدم: «مالي مالي؟ وهل يا ابن آدم لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟» فما يأكله الإنسان يذهب، وما يلبسه يبلى، والباقي هو ما كان لله جل وعلا. فهذا الذي يبقى، وهذا الباقي عند الله جل وعلا. فهؤلاء آثروا ذلك الباقي على الفاني، وآثروا الآخرة على الدنيا. أما الصنف الأول، وهم أكثر الناس الذين ذكرهم رحمه الله، فإنهم آثروا الدنيا على الآخرة، وآثروا الفاني على الباقي، أي قدموه، وآثروا الناقص على الكامل. فماذا كانت النتيجة؟ الخسارة والوبال والحرمان. ولذلك ذم الله جل وعلا المؤثرين للناقص على الكامل، والفاني على الباقي. قال جل وعلا: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. ذم من آثر الدنيا وملذات الدنيا وشهوات الدنيا على ما عند الله جل وعلا. وصف الله جل وعلا الأنصار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهو ثناء على كل من تأسى بهم وسار على سيرهم، وكان حاله كحالهم. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. هؤلاء آثروا غيرهم على أنفسهم، آثروا غيرهم بالطعام على أنفسهم، وبالشراب على أنفسهم. قدموا غيرهم في أموالهم وفيما يملكون. قد ضربوا أروع الأمثلة في الإيثار. حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة مع من معه من المهاجرين، قاسموا المهاجرين أموالهم وديارهم، بل ونساءهم. لماذا؟ لأنهم آثروا غيرهم على أنفسهم. وهذا إيثار للآخرة على الدنيا. هانت عليهم تلك الأموال التي أعطوها لغيرهم، وهانت عليهم تلك الدور التي أعطوها لغيرهم. وهكذا رأوها قليلة ولا شيء. لماذا؟ لأنهم يرجون ما عند الله سبحانه وتعالى. فضربوا أروع الإيثار في هذا الباب. وقصة الأنصار معروفة كما في الصحيحين، حين أطفأت زوجته سراجها ليأكل الضيف. فلما أصبحوا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا عجب من صنيعهما. لماذا؟ لأن صنيعهما يستدعي العجب. رجل وزوجته معه أولاد صغار يحتاجون للطعام، ناموا الصغار وهم في حاجة إلى هذا الطعام، أتوا بهذه الحيلة على أنها تطفئ السراج، فتطفئه فيظهران للضيف أنهما يأكلان ولا يأكلان، ليأكلا الضيف. إلى هذا الحد من الإيثار. الآن هذا من المستحيلات. هذا الصدق وهذه الحقيقة لا نكذب على أنفسنا هذه الحقيقة. لكن أولئك رجال. نعم رجال. ونحن رجال، لكن رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا. رجال في الشكل نعم، لكن في المضمون والحقيقة فرق كبير كما بين السماء والأرض، إلا من رحم الله جل وعلا. وقارب هؤلاء. فإذا لا تؤثر الأدنى على الأعلى يا عبد الله. ولذلك قال القيم رحمه الله تعالى في نونيته: «لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحرم داودا يا ذلة الحرمان». قال قبل هذا: «نزه سماعك إن أردت سماع ذياك الغناء». الغناء الحور العين الآن عندنا غناء في الدنيا، إلى غاني والمعازف. نعم يطرب بها الناس، عند الناس يجدون بها لذات. يفتح الشريط يسمع الأغاني والموسيقى والأنغام، يرى نفسه كالطائر في الهوى. لكن هذا محرم، حرمه الله جل وعلا. حرم هذه النشوة. وإن يجد بهذا كثير من الناس النشوة، مثل الخمر. الخمر حرمه الله جل وعلا، مع أن من الناس من يتلذذ يشرب الخمر. حين يشرب الخمر يرى نفسه ملكا، ما أحد مثله. يرى نفسه ملكا لا أحد أفضل منه. نشوة زائلة محرمة. وهناك في الآخرة خمر. خمر الآخرة ليست كخمر الدنيا التي تذهب بالعقل، والتي تجعل الشخص يأتي بتصرفات ربما الأفضل يمتنع عنها. خمر الدنيا ليس فيها لا غول فيها، ولا كذلك سكر، ولا خروج عن الاعتدال. ولا وإنما خمر لا يستطاع وصفها مما فيها من اللذة والنشوة. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. لا يستطيع أحد أن يعلم ذلك على حقيقته وكيفيته ولذته. ولا يستطيع حتى التعبير. حتى التعبير ما تستطيع أن تعبر، مهما عبرت. لو أتيت بأفضل معبر وأفضل بليغ في الدنيا في عباراته ليعبر عن ما في الجنة من أوصاف، ما يستطيع. لماذا؟ لأن الأنفس لا تعلم ذلك. ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال النبي عليه السلام كما في حديث أبي هريرة في الصحيح: «أعددت لعباد الصالحين في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». إذن ما في الجنة لا يمكن حتى أن يخطر على بالك، مهما خطر على بالك من النعيم العظيم. فما في الجنة أعظم وأعظم. ومهما سمعت ومهما كذلك تكلمت ومهما سمعت ومهما رأيت، فإذن الذي يشرب الخمر في الدنيا يحرم شرب الخمر في الآخرة. يحرم شرب الخمر في الآخرة. وهكذا يقول القيم رحمه الله تعالى: من آثر هذا السماع في الدنيا، سماع المعازف، سماع الغناء المحرم، يحرم ذلك السماع في الآخرة. «نزه سماعك إن أردت سماع ذياك الغناء عن هذه الألحان، لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحرم داودا يا ذلة الحرمان». إن اختيارك للسماع النازل الأدنى على الأعلى من النقصان. والله إن سماعهم في القلب والإيمان مثل السم في الأبدان. هذا مثل السم والعياذ بالله. كم أفسد من أبدان هذا الغناء المحرم وهذه المعازف؟ وكم أفسدت من شباب؟ وكم أفسدت من نساء؟ وكم أفسدت من بيوت؟ فالله المستعان. فإذن هؤلاء الذين آثروا الدنيا على الآخرة، صارت نهايتهم، صار مآلهم الوبال والحرمان والعياذ بالله. كما قال القيم رحمه الله تعالى: «كذلك دام هذا الصلف قد آثروا الدنيا ولذة عيشها على الجنات والرضوان، صحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم، ورضوا بكل مذلة وهوان، كدا وكدحا لا يفتر عنهم ما فيهم من غم ومن أحزان». هذا هو حالهم. آثروا الدنيا ولذة عيشها على الجنات، وهو ما عند الله جل وعلا، والرضوان. صحبوا الأماني في هذه الدنيا، هذا عنده أماني، وهذا عنده رجاء، هذا يريد أن يبني كذا وكذا، وآخر يريد أن يفعل كذا وكذا. أماني بعضهم ربما أمانيه تحتاج إلى عمر خمسمائة سنة. الأماني التي عنده ويريد أن يحققها تحتاج إلى عمر خمسمائة سنة. وبعضهم ربما إلى ألف سنة. هذا إذا صدق أن يحققها. سبحان الله أماني عجيبة عجيبة جدا. كم عمرك يا عبد الله؟ كم تؤمل أن تعيش؟ مئة سنة. الأماني التي عندك تحتاج إلى أكثر من مئة سنة. لكن الغرور والأماني نسأل الله العافية. صحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم، ورضوا بكل مذلة وهوان. سهل ربما في اليوم الواحد يذل مئة مرة. سهل ما دام أنه سيحصل بعض الريالات أو بعض المال أو بعض كذا. سهل يهان من فلان، ويهان من كذا، ويهان ويدلل فلان. كما يقال مات القلب. ما يشعر بذل ولا بهوان. لماذا؟ لأنه يعلم أنه سيحصل المال. إذن يذل ما يذل، ويهان ما يهان. سهل. المهم يحقق الأماني عنده. أماني يريد أن يحققها. لاقى في سبيلها ما لاقى. ما يهم. المهم يحقق هذه الأماني. ورضوا بكل مذلة وهوان. كدا وكدحا. فهو في كد وفي كدح مستمر. يكد ويكدح منذ أن يصبح في صباحه، وفي نهاره، وفي مسائه، وفي ساعاته ولحظاته. في كد وكدح. يحقق هذه الأماني وهذه الرغبات وهذه الشهوات. لا يفتر عنهم. فهو دائم غير منقطع. ويصحبه ويشارك هذا الكد والكدح الغموم الدائمة والهموم. ومع هذا غموم وهموم وأحزان لا تنقطع ولا تنتهي. هذا من العقاب العاج. هذا من العقاب العاجل لهؤلاء المؤثرين للدنيا على الآخرة. أرادوا الوردة فجنت الشوك. وأرادوا الثمرة فجنت الحسرة والندامة. وهكذا. فلذلك احذر يا عبد الله أن تكون ممن آثر الدنيا على الآخرة. فهؤلاء في شق والعياذ بالله. هؤلاء الذين آثروا الآخرة على الدنيا هم السعداء. تحملوا تعب التكليف. جاهدوا أنفسهم على الصلوات، على الطاعات. هذه العبادة التي أمرهم الله جل وعلا. فترضى. يجدون فيها مشقة. لأن الصلوات الإتيان بها يحتاج إلى مجاهدة النفس الأمارة بالسوء. يحتاج إلى مجاهدة شياطين الإنس وشياطين الجن. فأنت في جهاد حتى تأتي بالطاعات. من الصلوات وصدقات، وحج وجهاد، وبر والدين وأب، والمعروف، ونهى عن منكر، وطلب علم. إلى آخر ذلك. كل هذا يحتاج إلى جد واجتهاد، وإلى صبر ومصابرة. فهم تحملوا هذا. انظر كيف كانت النهاية؟ لما جاهدوا أنفسهم على هذه الأمور، الله سبحانه وتعالى وفقهم. وهذا وعدهم به جل وعلا بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. جاهدوا فوفقهم الله جل وعلا وعانهم. صارت هذه العبادات لذة لهم. لذة إذا ما صلوا ذهبت عنهم اللذات. شعروا بالنقص. شعروا بالتعاسة. شعروا بالهم. شعروا بالغم. لو مرت صلاة لم يصلوها لا يقر لهم قرار، ولا يهد لهم بال، ولا ترتاح قلوبهم. فيشعرون الوحشة في قلوبهم والتعاسة. لماذا؟ لأنها صارت لهم لذة. طلبوا العلم كذلك. إذا فاتهم الدرس، حسوا بشيء من الهم. فاتهم خير. إذا فاتت الطاعة لم يحضروها. كل هذا لأنهم جاهدوا أنفسهم. وصارت الطاعات والعبادات لذات لهم. معاذ بالجبل رضي الله تعالى عنه. لما كان في آخر لحظات حياته، جلس يبكي. معاذ بالجبل الذي يتقدم العلماء يوم القيامة. فهو إمام العلماء يوم القيامة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. يبكي في لحظاته الأخيرة عند فراق هذه الدنيا. فقال له من عنده: «يا معاذ أنت من صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ذكروا بالخير الذي هو صحابي، وله من الخير العظيم، واستنه في قلوب الناس. لماذا تبكي؟» فقال: «أنا لا أبكي بكاء على مفارقة غرس الأشجار، ولا جري الأنهار، ولا قطف الثمار. أنا لا أبكي على هذا. أنه سيفوتني قطف الثمار الذي أنا عليه في الدنيا، ولا غرس الأشجار، ولا جري الأنهار. وإنما أبكي على فراق ضمأ الهواجر، فراق قيام الليل». يعني في الدنيا يصوم فيضما في الحر الشديد. صار هذا له لذة. يبكي على فراقها. سيفارق هذه اللذة التي كان عليها في الدنيا. وهي قيام الليل. قالوا: «قيام الليل». نعم. يبكي على فراق هذه اللذة. قيام الليل. يعني يقول: «أنا إذا مت سأفارق هذه اللذة». قيام الليل. وهكذا مزاحمة الناس عند العلماء بالركب. أيضا هذا سيفارقني. هذه اللذة. سبحان الله. لماذا؟ لأن هذه صارت لهم لذات. صارت لهم لذات. ولذلك قال بعض السلف: «والله إنا لفي لذة لو يعلم عنها الملوك أو أبناء الملوك لجاء لدونها بالسيوف». الملوك هؤلاء. نساكين. يحسبون أن اللذة معهم. معهم الملايين، وعهم المليارات، ومعهم السيارات، ومعهم القصور، ومعهم... ومعهم... يحسبون أنه ما هناك أحد أفضل منهم أبدا. اللذة معهم والسعادة معهم. لكن السلف يقولون: «لا والله. لو علم هؤلاء ما نحن فيه من اللذة. لجاءوا لدونها بالسيوف». ما هي اللذة؟ لذة الطاعة. ولذة العبادة. ولذة الذكر. وإلا فهؤلاء مساكين. كما قال بعض السلف: «مساكين أهل الدنيا. مساكين أهل الدنيا. خرجوا منها وما ذاقوا ألذ ما فيها». مساكين أهل الدنيا. خرجوا منها. خرجوا من هذه الدنيا. وما لاقوا ألذ ما فيها. ذكر الله جل وعلا. تقوى الله سبحانه وتعالى. فإذن هذه اللذة الحقيقية. ولذلك جاء النبي عليه الصلاة والسلام كما عند ابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون. إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة التي يحويها. وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». يفرح بالبلاء. سبحان الله. يفرح بالبلاء. لا يطلبه، ولا يتمناه. لكنه وقع. فرح به. لماذا؟ لأنه علم أن هذا الابتلاء زيادة له في رفع درجاته. فلذلك علينا أن نتأمل في هذه الأمور. ونعرف للدنيا حقيقتها. ولا نؤثرها على الآخرة. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن آثر الآخرة على الدنيا، والكامل على الناقص، والباقي على الفاني. ونسأله جل وعلا أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وصلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.