شرح قرة عيون الموحدين 38

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 38، ألقاها

مفهوم الشفاعة في الإسلام

الشفاعة ملك لله وحده ولا تطلب إلا منه سبحانه وتعالى، ولا تقع إلا بإذنه ولأهل التوحيد. يُؤكد أن العباد لا يملكون شيئًا من الأمر وأن الشفاعة خاصة بالله جل وعلا.

حقيقة الإسلام والإخلاص

الإسلام هو الاستسلام لله بالإخلاص والطاعة، والإخلاص هو محبة الله وإرادة وجهه وحده لا شريك له. الدعاء لله وحده شرط لقبول الأعمال.

تفاصيل الشفاعة في القرآن والسنة

الشفاعة المثبتة في القرآن تتطلب إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له، وهي مختصة بأهل الإخلاص. يُبين أن الشفاعة التي نفاها القرآن هي تلك التي تنطوي على شرك.

ختام وتأكيد على أهمية تحقيق الشفاعة

أكد على تحقيق أمر الشفاعة وجمع الأدلة، ثم اختتم بالدعاء والتسبيح والاستغفار، مشددًا على أهمية فهم حقيقة الشفاعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله وحمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. ما زلنا في باب الشفاعة من كتاب قرة عيون الموحدين، وتوقفنا في الدرس الماضي عند قوله رحمه الله تعالى: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، دلت الآية على أن الشفاعة له سبحانه؛ لأنها لا تقع إلا لأهل التوحيد بإذنه سبحانه وتعالى، كما قال تعالى في الآية السابقة. فهذه الآية كذلك من الآيات التي تدل على أن الشفاعة خاصة بالله جل وعلا، وأنها ملك لله جل وعلا، فلا يسأل إلا الله جل وعلا الشفاعة، ولا تطلب الشفاعة إلا منه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ﴾، ذلكم الله ربكم، ﴿فَلَا شَفَاعَةَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، ولا تقع إلا من أذن له فيها، فلا يشفع أحد إلا بإذن الله جل وعلا، ولا يأذن الله جل وعلا إلا لمن ارتضاه، إلا لمن ارتضاه الله جل وعلا، ولا يرتضي الله جل وعلا إلا أهل التوحيد، إلا أهل التوحيد». قال رحمه الله تعالى: «فتدبر هذه الآيات العظيمة في اتخاذ الشفعاء، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يبطل التعلق على غيره سبحانه؛ لأنه الذي انفرد بملك كل شيء، فليس لأحد في ملكه مثقال ذرة دونه سبحانه وبحمده». وهذه كذلك من الآيات الدالة على المعنى السابق، وهو أن الأمر كله بيد الله جل وعلا، لا إله غيره ولا رب سواه جل وعلا، وأن العباد والمخلوقات كلها خلق لله جل وعلا، فلا تملك شيئًا من الأمر، وأن الشفاعة من هذه الأمور التي لا يملكها إلا الله جل وعلا، وأن أحدًا من الخلق ليس له فيها أدنى علاقة؛ لأنها لله جل وعلا، ولا تكون إلا بإذنه جل وعلا سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «والإسلام هو أن تسلم قلبك ووجهك لله بالإخلاص»، أي أن هذا هو حقيقة الإسلام، الاستسلام لله جل وعلا بالإخلاص والطاعة والانقياد، إلى غير ذلك من الأمور، هذه الأمور هي حقيقة الإسلام. قال كما في المسند، أي في مسند أحمد، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده -وأبوه بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، وجده هو معاوية بن حيدة رضي الله عنه- أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «فبالذي بعثك بالحق، ما بعثك؟ قال: بالإسلام. قال: وما الإسلام؟ قال: أن تسلم قلبك، وأن توجه وجهك إلى الله، وأن تصلي المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة». والحديث -كما ذكر رحمه الله تعالى- رواه الإمام أحمد، وإسناده حسن. قال رحمه الله تعالى: «فأمره تعالى بإخلاص الدعاء له وحده، وأخبر أنه الدين الذي تصح معه الأعمال وتقبل»، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وهذا كذلك معنى من معاني الإخلاص لله وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: «قال شيخ الإسلام: الإخلاص محبة الله وإرادة وجهه»، أي أن حقيقة الإخلاص أن يخلص المحبة لله وحده لا شريك له، وأن يتوجه بإرادته إلى الله جل وعلا. قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة. قال الله جل وعلا: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾. فالله جل وعلا يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء. قال رحمه الله تعالى: «قل قوله: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، ولا تقدم معنى هذه الآية. قوله: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾». قال: «فإذا كان هذا في حق الملائكة الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾». قال: «فظهر من هذه الآيات المحكمات ما يبين حقيقة الشفاعة المثبتة في القرآن، التي هي ملك لله لا يملكها غيره، وقيد حصولها بقيدين: إذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له». فاختصت الشفاعة بأهل الإخلاص خاصة، وأن اتخاذ الشفعاء من دين المشركين، وقد أنكره الله عليهم فيما تقدم من الآيات. قال: «قل ادعوا الذين زعمتم من دونه، لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض». قال أبو العباس -وهو تقي الدين ابن تيمية رحمه الله-: «نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو شركة منه، أو يكون عونًا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب». قال رحمه الله تعالى: «فهذه شفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، فلا يبدأ بالشفاعة أولًا». ثم يقال له: «ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطى، واشفع تشفع». وقال له أبو هريرة: «من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه». قال: «فترك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله، فهذه الشفاعة المشروعة». قال رحمه الله تعالى: «وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع؛ ليكرمه وينال المقام المحمود». إذن هذا هو المقصود من الشفاعة: هذان الأمران هما المقصودان من الشفاعة: الأمر الأول إكرام الشافع، والأمر الثاني نفع المشفوع له. قال: «فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص». انتهى كلامه، أي كلام شيخ الإسلام رحمه الله. قال: «وفيه تحقيق لأمر الشفاعة، وجمع للأدلة». والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على