الدرس في كتاب المعاملات 1، ألقاها
المحاضرة تبدأ بتمهيد ديني ثم تنتقل إلى شرح كتاب المعاملات وتحديدا الباب الأول وهو البيوع، حيث يشرح تعريف البيع في اللغة وحقيقته عند النحويين وعلماء اللغة. كما يوضح أن البيع والشراء يمكن أن يطلق كل منهما على البيع والشراء معا.
البيع في الشارع يعرف بمبادلة مال بمال أو منفعة مباحة على التأبيد، ويشمل ذلك مبادلة عين بعين أو عين بشيء في الذمة. يجب أن تكون المنفعة مباحة وتمليكا على التأبيد من كلا الطرفين، ويخرج من هذا التعريف الإجارة ونحوها لأنها تملك مؤقت.
الربا والقرض ليسا بيعا، حيث يبين أن الربا ليس بيعا لقول الله تعالى 'وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا'. كما يوضح أن القرض ليس بيعا لأنه ليس مبادلة مال بمال في الحال. ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الأعمال التي لا توافق شرعه ويبين أهمية اتباع سنته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئة أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، سابعا: كتاب المعاملات، وذكر تحت هذا الباب سبعة وعشرون بابا: الباب الأول في البيوع، الباب الثاني في الربا، الباب الثالث في القرض، الباب الرابع الرهن، الباب الخامس السلم، الباب السادس الحوالة، الباب السابع الوكالة، الباب الثامن الكفالة والضمان، الباب التاسع الحجر، الباب العاشر الشركة، الباب الحادي عشر الإجارة، الباب الثاني عشر المزارعة والمساقة، الباب الثالث عشر الشفعة والجوار، الباب الرابع عشر الوديعة والإتلافات، الباب الخامس عشر الغصب، الباب السادس عشر الصلح، الباب السابع عشر المسابقة، الباب الثامن عشر العارية، الباب التاسع عشر إحياء الموات، الباب العشرون الجعالة، الباب الحادي والعشرون اللقطة واللقيط، الباب الثاني والعشرون الوقف، الباب الثالث والعشرون الهبة والعطية. الباب الأول في البيوع، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف البيوع أو تعريف البيع وحكمه. ألف: تعريف البيع، البيع في اللغة أخذ الشيء وإعطاء شيء، أي هذا معناه في اللغة أخذ لشيء في مقابل شيء آخر. وعرفه النحوي رحمه الله تعالى فقال: حقيقة البيع في اللغة مقابلة المال بالمال. وذكر علماء اللغة رحمهم الله تعالى أن لفظ البيع والشراء من الأضاد، بمعنى أن البيع يطلق على البيع والشراء، كما أن الشراء يطلق على البيع والشراء. فهي أي هذان اللفظان من الأضاد، بمعنى أنه يطلق على الشيء وعلى ضده، فيقال باع لمن باع الشيء، ويقال باع لمن اشترى الشيء، ويقال اشترى لمن باع الشيء، ويقال اشترى لمن اشترى الشيء. والقاعدة في هذا أن ما وقع عليه الفعل فهو المثمن، أي البيع. وما دخلت عليه الباء فهو الثمن. قالوا: في الشارع مبادلة مال بمال ولو في الذمة، أو منفعة مباحة على التأبيد، غير رباء وقرض. قوله: "وفي الشارع" أي تعريف البيع في الشارع. والغالب في التعريف الإصطلاحي أو الشرعي أن يأتي مقيدا لما جاء مطلقا أو عاما في اللغة. فالبيع كما مر معنا في اللغة مبادلة مال بمال مطلقا، ها هنا جاء الشارع بتقييده بقيود. فقالوا: هو مبادلة مال بمال، والمقصود بالمال هنا كل عين مباحة النفع بلا حاجة. فيدخل في ذلك الذهب والفضة والبر والشعير والسيارات والعقارات والأواني وغيرها من الأمور. وقولهم: "ولو في الذمة" تدل على أن هناك شيئا مقابلا لما في الذمة. قالوا: التقدير أن يقال مبادلة مال بمال إما عينا وإما في الذمة. فمثال ذلك بيع عين بعين، كأن يقول إنسان لإنسان: أبيعك هذا كتاب بكتابك هذا. ومبادلة عين بشيء في الذمة كأن يقول إنسان لآخر: بعتك هذا كتاب بعشرة دراهم. قالوا: أو منفعة مباحة، يعني مبادلة مال بمنفعة مباحة. لا بد أن تكون المنفعة مباحة. مثال ذلك إنسان عنده دار، وعند جاره دار، وأمام بيت جاره شارع، وهو لا يستطيع أن يتوصل إلى ذلك الشارع إلا بشراء طريق أو ممر من جاره لأجل أن يتوصل إلى الشارع. قال: "على التأبيد" أي من شرط البيع وحقيقة البيع أن يكون تمليكا على التأبيد من كلا الطرفين، بمعنى أن البائع يتملك الدراهم على التأبيد، والمشتري يتملك السلعة كذلك على التأبيد. ومعنى على التأبيد أن يكون بمجرد العقد والتفرق كل واحد يكون مالكا لذلك الشيء ملكا تاما مؤبدا. فخرج من ذلك الإجارة، ونحوها. فالإجارة تملك، لكنه مؤقت. قالوا: غير رباء، وهذا الاستثناء أي في قولهم غير رباء تحرزا من الرباء. لأن الرباء فيها هذا المعنى المذكور أنها مبادلة مال بمال أو مال بمنفعة أو مال في الذمة إلى غير ذلك، لكنه رباء. وسيأتي معنا الكلام على الرباء بأنواعه، فما كان من الرباء هل يسمى بيعا؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن الله جل وعلا جعل الرباء قسيما للبيع، فقال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فالرباء ليس بيعا. قوله: "وقرض" كذلك خارج، القرض وإن كان فيه شبه بمبادلة مال بمال في الذمة، إلا أنه ليس من البيوع. يعني مثال ذلك ذهب إنسان إلى إنسان فقال: أقرضني ألف ريال. الرجل سيقرضه ألف ريال على أن آتيك بها بعد شهر. فهو حصل مبادلة، أخذ ألف عينا وردها بألف في الذمة بعد وقت معين. ففيها معنى مبادلة، لكن هل هي من البيع؟ الجواب: ليست بيعا. القرض ليست بيعا، وإلا لو كان بيعا لحرم القرض في الربويات. معنى هذا إذا كان هذا بيعا يشترط في الربويات التقابض. فدل على أن القرض في الربويات على أنه حلال وأنه ليس من البيع. إذن قولهم "غير ربا ولا قرض" خرج الربا لما تقدم، وخرج القرض لما ذكر. فالقرض ليس من البيع، إنسان إن استدان من إنسان لا يقال فلان باع له ألف مقابل ألف بعد شهر. فإن البيوع في الشرع مبادلة مال بمال ولو في الذمة، أو منفعة مباحة. فخرج غير المباحة كما تقدم، فالمنفعة المحرمة غير مباحة، والبيع فيها ليس ببيع صحيح ولا نافذ. مثال ذلك إنسان ذهب إلى رجل صاحب معازف، فقال له: بعلي هذه الغرفة وما فيها من المعازف. فهذا لا يجوز، لأنه منفعة محرمة. فالبيع لا يكون ولا يصح ولا ينعقد. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.