الدرس في صفة صلاة النبي 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يقرأ المحاضر من كتاب صفة صلاة النبي للألباني نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم والأمر بالأخذ من مصادرهم. ويقرر أن الأئمة المتقدمين أجل من علماء العصر، فليس عيباً أن يخالف طالب العلم شيخه المعاصر إذا خالف الدليل.
يؤكد الإمام أحمد بن حنبل على عدم تقليد الأئمة المجتهدين إذا خالفوا الدليل، ويأمر بالأخذ من الكتاب والسنة مباشرة. ويروي قصة الرجل الذي خالف أمر النبي بالأكل باليمين تكبراً فدعا عليه النبي فشلت يده.
يبيّن المقطع أن مخالفة أمر النبي تجلب الفتنة والعذاب الأليم في الدين والدنيا، مستدلاً بقصة الرجل الذي خالف النهي فذهب به الريح. ويؤكد الأئمة أن التمسك بالسنة الصحيحة مقدم على تقليد الأئمة.
يؤكد المقطع أن من يترك السنة الثابتة لمجرد مخالفتها لآراء بعض الناس فهو عاصٍ ومخالف لأقوال السلف. والواجب على المسلم التحاكم إلى دليل الله ورسوله والرضا بحكمهما تسليماً كاملاً.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فقد بدأنا ليلة البارحة بالقراءة في أول هذا الكتاب «صفة صلاة النبي» صلى الله عليه وسلم للعلامة الألباني، وذكرنا في أول هذه الرسالة ما ذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عن الأئمة في تحذيرهم من التقليد ومن اتباعهم بغير حجة، وقرأنا ما جاء عن أبي حنيفة رحمه الله، وعن كذلك الإمام مالك رحمه الله تعالى، وإن شاء الله نواصل ما جاء عن غيرهما من الأئمة: الإمام الشافعي والإمام أحمد. فقال الإمام الشافعي... وقد أخذنا ما جاء عن الإمام الشافعي، بقي معنا ما جاء عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. قال: قال الإمام أحمد الحنبلي، إمام أهل السنة والجماعة رحمه الله تعالى: «لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا، لا تقلدني». هكذا يقول الإمام أحمد: أيهما أجل في نفوسنا؟ هل الإمام أحمد بن حنبل، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، أو بعض العلماء المعاصرين في هذا الزمان؟ أيهما أعظم في نفوسنا؟ مثلا الآن في هذا الزمن: الشيخ مقبل، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الألباني، والشيخ ابن باز، هؤلاء الأموات، والأحياء: الشيخ ربيع، الشيخ الفوزان، الشيخ عبيد، الشيخ عبد المحسن العباد، ومن اليمن الشيخ محمد عبد الله البصابي، وغيرهم من المشايخ والعلماء. أيهما أجل في نفوسنا: هؤلاء المعاصرون، أو الإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام الشافعي؟ ما عندك؟ الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة، وهم العلماء المعاصرون يقولون ذلك، كانوا يجلون العلماء المتقدمين. طيب، الآن لو كنا مقلدين أحدا لقلدنا العلماء المعاصرين أو العلماء المتقدمين؟ لا شك العلماء المتقدمين. طيب، فليس من العيب، ولا من قلة الأدب، أن طالب العلم يخالف شيخه المعاصر، أو يخالف مدرسة، أو يخالف الشيخ الذي يدرس عنده. فلو كنت مقلدًا لقلدت من هو أجل من هؤلاء المعاصرين، وإنما التقليد لا يجوز، لا يجوز؛ لأن بعض الطلاب في هذا الزمان إذا قلت له: أنا أخالف الشيخ مقبل، يقول لك: أنت تخالف الشيخ، يعني تعظمها عظيمة، ويعتبرها يعني شيء كبير. لأن الشيخ مقبل مثلا خالف الدليل وأنا ما أمرت بالتقليد، أو الشيخ مثلا الألباني خالف الدليل وأنا ما أقول بالتقليد، يقول لك: أنت تخالف هؤلاء، لا، إما أنت كذا وأنت كذا. طيب، نحن وقد خالفنا، لا، إما الأوائل، وهم أجل في نفوسنا، وهم أجل في نفوسنا، فكيف لا نخالف هؤلاء إذا خالفوا الدليل؟ والإمام أحمد ماذا يقول؟ «لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي»، ذكر أئمة أجلاء، «ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا». خذ من حيث أخذوا من الكتاب والسنة، وما عليه الدليل، لا بالتقليد والهوى. قال أيضا الإمام أحمد بن حنبل، وفي رواية: «لا تقلد دينك أحدا من هؤلاء». ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعده، الرجل فيه مخير؛ نعم، لأن التابعين ليسوا كالصحابة في صحة ما أجمعوا عليه، وفي أن كونهم قد عايشوا الوحي فهم أولى بذلك الأخذ. وقال: «مراد الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مخير». وقال أيضا الإمام أحمد: «رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة، كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار». الحجة في الآثار، يعني الحجة في الدليل، الحجة في الدليل. وقال الإمام أحمد رحمه الله: «ما رد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة». يعني الذي يركب هواه ويقال له: هذا الدليل عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يخالف، فهو على شفا هلكة، يوشك أن يهلك؛ لأن مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بالأمر الهين. فقد جاء في السنة عقوبة من خالف هدي النبي عليه الصلاة والسلام بغير حجة: حديث ذاك الرجل الذي قال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل بيمينك». النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «كل بيمينك»، وكان يأكل بشماله، فقال هذا الرجل: لا أستطيع. ما قالها إلا تكبرًا، يعني ليس بصادق أنه ما يستطيع، هو يستطيع، ولكنه قال ذلك ردًا لما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا استطعت»، دعا عليه، قال الراوي: فما استطاع أن يرفعها إلى فيه، أي شلت يده، بسبب ماذا؟ بسبب مخالفته لأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمخالفة السنة ليس بالأمر الهين. وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فُسِّرت الفتنة بالكفر أو الشرك، أو كذلك الزيغ والانحراف، وفسّر العذاب الأليم بالحرق أو الخسف أو المرض، أو أي نوع من أنواع الابتلاء، فهذا يعد من العذاب، كل ذلك بسبب مخالفة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأيضا حديث: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «إنها ستهب هذه الليلة ريح شديدة، فلا يخرجن أحد»، فخالف رجل، فخرج، خالف أمر رسول، فخرج، فأخذته الريح لشدتها حتى رمته بين جبلين، طيب، جبلين عظيمين في جهة اليمن، أخذته الريح ورمته في ذاك المكان. أيش السبب؟ لأنه خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فصدق الإمام أحمد رحمه الله تعالى حيث قال: «من رد حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو على شفا هلكة». قد يفتن في قلبه بزيغ أو انحراف، وقد يفتن كذلك في جسده بمرض أو حرق أو ألم، أو إلى غير ذلك. فإذا لزم، إن تبينت لك السنة، أن تعض عليها بالنواجذ، وأن تعمل بها، سواء كان في الصلاة، سواء كان في العبادات، أو في المعاملات، أو في الأخلاق والسلوك، أو في أي جانب من جوانب الحياة. ثم قال العلامة الألباني: تلك هي أقوال الأئمة رضي الله عنهم في الأمر بالتمسك بالحديث والنهي عن تقليدهم دون بصيرة، وأي من الوضوح والبيان بحيث لا يُقبل جدلًا ولا تأويلًا. وعليه، فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة، ولو خالف بعض أقوال الأئمة، لا يكون مباينًا لمذهبهم، ولا خارجًا عن طريقتهم. يعني مثلا: أنت الآن لو خالفت الإمام أحمد في عشرين مسألة، هل معنى أنك خرجت عن طريقة الإمام أحمد؟ لا، لأنه هو الذي أمر بترك تقليده. وهاهم بعض العلماء يقال عنهم أنهم حنابرة، وهل تعصبوا لكل ما جاء عن الإمام أحمد؟ لا. عندك الشيخ ابن عثيمين يدرس «زاد المستقنع»، و«زاد المستقنع» هو على مذهب الحنابلة، على مذهب الإمام أحمد. فلو نظرت في «الشرح الممتع» للشيخ ابن عثيمين على «زاد المستقنع» لوجدت أن الشيخ ابن عثيمين يخالف الحنابلة في مسائل لأنها تخالف الدليل، يرجح، يذكر كلام الحنابلة، يذكر كلام الجمهور مثلا، يذكر كلام غيرهم، ثم يقول: الذي يتبين لي أن القول الراجع ما ذهب إليه الجمهور، وهو خلاف ما ذهب إليه الإمام أحمد. فهكذا ليس هذا خروج عن طريقة الإمام إذا خالفته في بعض المسائل التي خالف فيها الدليل. قال: بل هو متبع لهم جميعًا، ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها. وليس كذلك من ترك السنة الثابتة لمجرد مخالفتها لقولهم، بل هو بذلك عاصٍ لهم، ومخالف لأقوالهم متقدمين. والله تعالى يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. هذا هو الواجب على المسلم أن يتحاكم إلى الدليل، إلى قول الله وقول رسوله صلى الله عليه