الدرس في شرح أصول في التفسير للعثيمين 1، ألقاها
يُقدم كتاب أصول في التفسير للإمام العثيمين ويُناقش أهمية علم التفسير وتاريخ تأليف الكتب فيه. يُعد علم التفسير من العلوم الهامة التي تقرب إلى الله.
يُعرّف علم التفسير وأصوله، ويُبين أهمية فهم القرآن وتوضيح معانيه. يُعتبر التفسير علمًا يهتم بفهم القرآن وتوضيح معانيه.
يُفصّل في تعريف التفسير وعلوم القرآن، ويشمل ذلك توضيح معاني القرآن وفهمه، بالإضافة إلى علوم أخرى مثل الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول.
يتم التمهيد لدرس قادم ويُختتم الدرس الحالي بذكر الله والاستغفار، مما يدل على أهمية الاستمرار في طلب العلم والذكر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، من يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فهذا كتاب من كتب العلم للإمام العلامة محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، أسماه «أصول في التفسير». والشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، من العلماء الربانيين الذين نفع الله جل وعلا بعلمهم نفعًا عظيمًا. وكان من جملة النفع التي نفع الله جل وعلا بعلمهم أن ألفوا هذه المؤلفات الطيبة المباركة في علوم كثيرة متنوعة. ومن هذه العلوم التي ألف فيها الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، علوم التفسير. ألف في علوم التفسير، وألف هذا الكتاب الطيب المبارك الذي أسماه «أصول في التفسير». وسأتي معنا سبب تأليف الشيخ، رحمه الله تعالى، لهذا الكتاب من كلامه، رحمه الله. وخلاصته تتلخص في أن الشيخ، رحمه الله تعالى، رأى أن الحاجة إليه ماسة، فاحتاج إلى كتابة هذا الكتاب ليقرب للمتعلمين هذا الفن وهذا العلم. والشيخ، رحمه الله تعالى، كغيره من كتبه، امتاز بسهولة العبارة، وبحسن الترتيب، وكذلك بقوة المادة العلمية الموجودة في هذا الكتاب، والتي سيأتي معنا، بإذن الله جل وعلا، ذكر جملة من هذه المادة العلمية التي ذكرها الشيخ، رحمه الله تعالى، بأسلوب سلس في هذا الكتاب، بإذن الله جل وعلا. فالعلم الذي هو أصول التفسير، كما ذكره، هو أصول، ولقبه أصول التفسير. وسأتي معنا، بإذن الله جل وعلا، الكلام على مفردات هذا اللقب. ويذكرون كذلك استمداد هذا الفن، واستمداده هو مأخوذ من كتاب الله جل وعلا. ويذكرون كذلك أول من صنف في هذا العلم كعلم خاص، والجواب عن هذا هو ما ذكره الإمام السيوطي، رحمه الله تعالى، في مقدمة كتاب «الإتقان في علوم القرآن»، ذكر أن أصول التفسير كانت مباحث خاصة في علوم كثيرة، تكلم عليها العلماء. تارة يتكلمون على التفسير خاصة، وتارة يتكلمون على الناسخ والمنسوخ، وتارة يتكلمون على المفسرين، وتارة يتكلمون على تناسق الآيات، وهكذا يتكلمون على أسباب النزول، وما شابه ذلك، متفرقة. لكن أول من جمعها كعلم، وكتصنيف، جمع فيه أنواعًا، هو شيخ الإسلام جلال الدين البلقيني، رحمه الله. فهو أول من صنف وجمع في هذا العلم، أي في أصول التفسير، في كتاب أسماه «موقع العلوم من مواقع النجوم». وذكر فيه أنواعًا، ورتبهم بترتيب حسن، وذكر فيه من الأنواع نيفًا وخمسين نوعًا. وكذلك ممن ألف وجمع، وأحسن في التأليف في ذلك، العلامة الإمام الزركشي، رحمه الله تعالى، في كتاب «البرهان في علوم القرآن». وذكر، رحمه الله تعالى، فيه سبعة وأربعين نوعًا. ثم جاء بعد هؤلاء السيوطي، رحمه الله تعالى، فجمع ورتب وهذب كتابًا، أولًا في كتاب، يعني جمع هذه الأنواع والعلوم في كتاب أسماه «التحبير في علوم التفسير». ثم ألف كتابه «الإتقان»، والذي يعد من أفضل الكتب المؤلفة في هذا الباب، إن لم يكن أفضلها. وجمع فيه ثمانين نوعًا. وأما فضل هذا العلم، فذكر العلماء، رحمهم الله تعالى، أن شرف العلم بشرف المعلوم. والمقصود هنا، والمعلوم هنا، هو التوصل إلى معرفة كلام الله جل وعلا، إلى فهم القرآن العظيم، الذي هو كتاب الله جل وعلا المنزل، الذي جعله الله جل وعلا هداية للمستهدين، وكذلك شفاء للمحتاجين، بإذنه سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وقال الله جل و، وآتوا الزكاة، والأصل في وجوب الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، والأصل في وجوب الحج: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فالتفسير يدلنا على فضله. وأما ثمرته، فأولًا يضبط للمتعلم قواعد هذا الباب، ومنهم يميز ما يستقيم في التفسير مما لا يستقيم. وهذا باعتبار ثمرته الحاضرة والعاجلة. وأما باعتبار ثمرته الآجلة، فإنه من العلوم التي تقرب إلى الله جل وعلا، وبسببها ينال العبد الأجر العظيم من الله رب العالمين، جل وعلا. وكفى به فضلًا وأجرًا وتوابًا أن هذا الإنسان بهذا العلم، مع غيره من العلوم التي هي من علوم التفسير، يكون كالمترجم لكلام الله جل وعلا، لأنه يقول: أراد الله كذا، ومقصود الله جل وعلا كذا، وهذه الآية معناها كذا، وتفسيرها كذا. فالشيخ، رحمه الله تعالى، سمى هذا الكتاب «أصول في التفسير». وبعض أهل العلم يطلقون على هذا الكتاب «أصول التفسير». فالأصول، مفردها الأصل. والأصل في اللغة بمعنى الأساس، كما قال الإمام ابن فارس، رحمه الله تعالى. وقال في «المصباح المنير»: أصل الشيء أسفله. فالأصل هو بمعنى الأساس، وهو الذي يبنى عليه غيره. والأصل يطلق في الاصطلاح على معنى الدليل، كقول الفقهاء: الأصل في وجوب الصلاة قول الله جل وعلا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾. ويطلق الأصل ويراد به القاعدة المستمرة والمستقرة، مثال ذلك: أن يقال: الأصل في الأمر الوجوب. ويطلق الأصل ويراد به معنى الأصل المقيس عليه، وهذا في باب القياس. لأن القياس أربعة أركان: الأصل، والفرع، والعلة الجامعة، والحكم. فالأصل في باب القياس يراد به ما يقاس عليه. فمن هذا نعلم أن أصول التفسير، في ذكر العلماء، رحمه الله، بقولهم «أصول التفسير»، أو كما قال الشيخ، رحمه الله: «أصول في التفسير»، المقصود به القواعد المستمرة أو المستقرة في باب التفسير. لأن الأصل يطلق ويراد به القاعدة. والقاعدة تطلق على الأصل. والقاعدة هي الأساس والضابط لما فوقها، وهي تجمع فروعًا من أبواب شتى. وأما الشق الآخر من التعريف، فهو التفسير. فسأتي في كلام الشيخ، رحمه الله تعالى، تعريفه لغة وشرعًا، يعني لغة واصطلاحًا. لكن المقصود هنا أن نعلم أن التفسير هو بمعنى التبيين والتوضيح. فالتفسير مع التوضيح والتبين، تقول: فسر القرآن، أي وضحته وبينته. فهذا باعتبار مفردي «أصول التفسير»، أي تعريف الأصول على حدة، وتعريف التفسير على حدة. وباعتباره مركبًا، وهو علم على هذا الفن، يكون معناه: علم أصول وقواعد في بيان معاني القرآن وتوضيحه. فهو أصول نعتمد عليها، أو بها، في تفسير القرآن. ومع التفسير: توضيح والبيان. وإذا علمنا هذا، نعلم أنه قد دخل في كتب التفسير ما ليس منه. فدخل في علوم، أو في تفسير القرآن، في كتب تفسير القرآن، ما ليس منه، لماذا؟ ليس منه؛ لأن حقيقة تفسير القرآن ما هو؟ التوضيح والبيان لكلام الله جل وعلا. وما عدا ذلك، فهو من علوم القرآن، وليس من تفسير القرآن. فالتفسير نوع من أنواع علوم القرآن. ويدخل في علوم القرآن كذلك: الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه، وأسباب النزول. لكن هذه، وإن كانت أنواعًا في علوم القرآن، ولكنها داخلة في التفسير؛ لأن بها يعلم معنى القرآن. لأننا لو علمنا سبب النزول، هذه الآية نزلت في كذا، حصلت قصة كذا، فأنزل الله جل وعلا كذا. فبسبب النزول نعلم معنى القرآن، وهو التفسير. والناسخ والمنسوخ، وإن كان من علوم القرآن، لكن به نعلم معنى القرآن. تأتي آية، نقول: معناها كذا، لكن منسوخة بآية كذا، نسخة آية كذا. فالحاصل أن نفهم من هذا، ومن غيره، أن العلماء، رحمهم الله تعالى، في كتب التفسير، على اختلاف أنواعها، أي: منهم من توسع وأطال في كتب عديدة، أي في مجلدات كثيرة، وبعضهم في مجلد واحد. وهذا تفسير، وهذا يسمى كذلك تفسيرًا. فالفرق بينهما: أن هذا ربما أوجد، فذكر ما يحتاج إليه من معنى من معاني القرآن. وهذا، كما يقال: أصل في التفسير. أراد الله كذا، معنى هذه الآية كذا، تأويل هذه الآية كذا. هذا هو التفسير. بعضهم أضاف: يأتي مثلًا، يقول: هذا التفسير، وتأويله كذا وكذا. ثم يذكر أقوال العلماء، الأول يسرد عدة أسانيد عن ابن عباس، ثم عن ابن مسعود، عن أبي هريرة، عن سعيد بن جبير، عن مجاهد. فمن هذا نعلم أن المفسرين، رحمهم الله تعالى، في تفسير القرآن، لهم طرائق كثيرة متنوعة مختلفة. فمنهم من يهتم بالتفسير معاني، فحسب، يتوقف ما يجز على هذا. ومنهم من يتوسع فيستخرج المعاني، ويوضح المعاني، ويزيد على ذلك شيء من استنباطات، يعني المعاني الظاهرة أو الخفية. هذا مطلوب. لكن يجيد استنباط، يعني يأتي مثلًا عند الآية، معناها كذا وكذا، وهذا تفسير، وتوضيحها كذا وكذا، وبينا. ثم يقول: ونستفيد من الآية كذا وكذا. هذه استنباطات، وهي من علوم القرآن، وليست من حقيقة التفسير؛ لأن حقيقة التفسير مدارها على معرفة معنى الآية. والصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم، ما كان من الأمور الظاهرة الواضحة، فهمها بلغتهم، فهم يعرفون بلغة العرب أن الأمر يقتضي الوجوب، لا يحتاج إلى قاعدة، يقول: الأصل في الأمر يقتضي الوجوب، إلا أن تدل قرينة على صرفه. لأن هذه لغتهم، بلغتهم يعرفون: «افعل» معناه كذا. لو أنك تقول: «افهم» منها أنه على سبيل الندب، وما شابه ذلك من العبارات، فيعلمون الألفاظ بمجرد السماع، وكذلك بمجرد التلقي، فيعلمون أن العموم أصله أن يعمل به على عمومه، والخصوص، وما شابه. لم يحتاجوا إلى ذلك؛ يسبب أن لغتهم عربية، ويسبب أنهم قريبون من التشريع. لكن لما فتحت الدول، ودخل الناس في دين الله جل وعلا أفواجًا، واختلط العرب بالعجم، وحصل اللحن، وحصل غربة اللغة العربية، احتاج الناس إلى ذكر الاصطلاحات، فأسسوا في علوم اللغة القواعد والكتب، وفي علوم الحديث القواعد والكتب، وفي أصول الفقه القواعد والكتب، وفي أصول الحديث القواعد والكتب؛ لأجل ضبط العلوم والفنون. فالقواعد هي الأساس، والضابط لما فوقها، وهي تجمع فروعًا من أبواب شتى. نكتفي بهذا القدر، وهو مقدمة بين يدي هذا الكتاب. إن شاء الله تعالى، غدًا ندخل في الدرس. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.