الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 51، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستعرض المقطع أصلين عظيمين مستنبطين من آيات الصفات: وجوب الإيمان بالأسماء الحسنى وما تضمنته من صفات وأفعال مطلقة ومقيدة، وأن الصفات الذاتية لازمة لذات الله أزلا وأبدا لا تنفك عنها. ويبين الفرق الجوهري بين الصفات الذاتية التي لا تتعلق بالمشيئة والصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئة الله وقدرته.
يشرح المقطع تقسيم صفات الله إلى ذاتية خبرية معنوية كالحق والعلم والقدرة، وصفات فعلية متعلقة بالمشيئة كالاستواء والنزول والرضا والغضب. ويؤكد أصل تفرد الرب بصفات الكمال وإثبات جميع ما ورد في الكتاب والسنة بلا تأويل ولا تعطيل مع الرد على المخالفين.
يناقش المقطع بطلان قول المعتزلة بإثبات الأسماء كسميع وبصير مع نفي صفتي السمع والبصر مستدلاً بأن الاشتقاق لا يصح إلا بوجود الوصف. وينتقد موقف الأشاعرة الذين يثبتون سبع صفات لكنهم يؤولونها مخالفين منهج أهل السنة في إثبات الصفات على حقيقتها.
يوضح المتحدث وضوح دلالة رحمة الله مقارنة بإنكار الجهمية والمعتزلة للصفات، ويسرد قصة أعرابي رد على الجهم بن صفوان بأبيات تكفره لوصفه الله بسميع بلا سمع وعليم بلا علم. ويختم بملاحظة حول تفسير آية في سورة الكهف تخص نفي المولى.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فالشيخ الشارح -حفظه الله تعالى- ذكر بعض القواعد والمباحث العامة حول آيات الصفات، فذكر -حفظه الله تعالى- قال: إن الناظر في آيات الصفات التي ساقها المؤلف -رحمه الله- يستطيع أن يستنبط منها قواعد وأصولاً هامة يجب الرجوع إليها في هذا الباب. يعني: هذا الذي سيذكره مما يستفاد من الآيات التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله. قال: أصل أول: اتفق السلف على أنه يجب الإيمان بجميع الأسماء الحسنى، وما دلت عليه من الصفات، وما ينشأ عنها من الأفعال. مثال ذلك: القدرة، مثلاً يجب الإيمان بأنه سبحانه على كل شيء قدير، والإيمان بكمال قدرته، والإيمان بأن قدرته نشأت عنها جميع الكائنات. وهكذا بقية الأسماء الحسنى على هذا النمط. فالله جل وعلا من أسمائه القدير، موصوف بالقدرة، والفعل كذلك يستنبط من ذلك، فيقال: قدير، موصوف بقدرة، يقدر. وهكذا سائر الصفات: السميع موصوف بالسمع، يسمع؛ بصير موصوف ببصر، يبصر به. وهكذا يثبت الاسم والصفة التي ضمنها ذلك الاسم، والفعل. وأيضاً الإيمان بأن كل ما هو كائن إنما نشأ بقدرة الله، السماوات والأرضون والخلق كلهم إنما وجدوا بقدرة الله جل وعلا، فالله جل وعلا هو الذي أوجدهم بقدرته لأنه جل وعلا على كل شيء قدير، سبحانه وتعالى. فبقدرته جل وعلا نشأت جميع الكائنات. قال: وعلى هذا فما ورد في هذه الآيات التي ساقها المصنف من الأسماء الحسنى فإنها داخلة في الإيمان بالاسم، وما فيها من ذكر الصفات مثل عزة الله وقدرته وعلمه وحكمته وإرادته ومشيئته فإنها داخلة في الإيمان بالصفات، وما فيها من ذكر الأفعال المطلقة والمقيدة مثل: يعلم كذا، ويحكم ما يريد، ويرى ويسمع، وينادي ويناجي، يكلم ويكلم، فإنها داخلة في الإيمان بالأفعال. هذا أصل استفيد مما ثبت لله جل وعلا من الأسماء، وأنها متضمنة لصفات: العزيز متضمن صفات العزة، والقدير للقدرة، والعليم للعلم، والحكيم للحكمة، إلى آخره. ثبت له جل وعلا صفة الإرادة، نعم، وغيرها من الصفات التي ثبتت بها النصوص، فالواجب ثبوتها. وأيضاً الإيمان بما تضمن تلك الصفات من الأفعال، لأن كل الصفات تدل على فعل قام بالله جل وعلا، فالصفات تدل على أفعال، فيجب الإيمان بالصفات وما فيها من ذكر الأفعال. فالصفة: الكلام، مثلاً تضمن الفعل، وأنه جل وعلا يتكلم. وهكذا العلم، وأنه جل وعلا يعلم. البصر: يبصر. السمع: يسمع. إلى آخر ذلك من الصفات: الإرادة: يريد. وهكذا: ينادي، ويناجي. وهذه الأفعال منها ما هي مطلقة، ومنها ما هي مقيدة، فيجب الإيمان بكل هذه الأفعال المطلقة والمقيدة. الفعل المطلق: الذي أطلق، مثل الكلام، الفعل: يتكلم، هذا مطلق، وأنه جل وعلا موصوف بصفة الكلام، وأنه يتكلم مطلقاً. والمقيد: الإيمان بكلامه الذي تكلم به مع من شاء من خلقه. جل وعلا أثبت لنفسه صفة الكلام مطلقة، وأثبت لنفسه جل وعلا أنه يكلم من شاء من عباده. فالكلام صفة ثبتت مطلقاً، ثبتت مقيدة، يعني: جل وعلا كلم من شاء. وهكذا النداء: نادى من شاء. وهكذا المناجاة: ناجى من شاء جل وعلا. وكذلك العلم: فالله جل وعلا موصوف بالعلم مطلقة، هذا الفعل يثبت له جل وعلا مطلقة، وأنه يعلم. والإيمان بالفعل المقيد: يعلم كذا، يعلم خائنة الأعين، مقيد العلم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور. ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ [لقمان: 34]، وهكذا ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾ [المجادلة: 1]، هذا مقيد، علم مقيد بأشياء. فعلم الله جل وعلا ثبت مطلقاً، وأنه يعلم كل شيء: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: 7]، يعلم كل شيء. وثبت له جل وعلا في نصوص الكتاب والسنة العلم المقيد بالأشياء: يعلم كذا، يعلم كذا. نعم، فيثبت الفعل المطلق، ويثبت الفعل المقيد. فقال: مثل ﴿ يَعْلَمُ كَذَا وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ [المائدة: 1]، وإلا فهو موصوف جل وعلا بوصف الإحكام، أحكم كل شيء مطلقاً. وهكذا له الفعل المقيد فيما أحكمه جل وعلا: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1]، وهكذا أحكم خلقه جل وعلا، وأحكم شرعه. قال: ويرى ويسمع، مطلق. نعم، ويرى كذلك مقيد: الله جل وعلا ثبت له هذا الفعل، وأنه يرى كل شيء، وثبت له الفعل المقيد: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾ [الشعراء: 218-219]، مقيد: حين القيام، وتقلبك في الساجدين. فالفعل أطلق وقيد، ويجب الإيمان بكل أفعال الله المطلقة والمقيدة. قال: وينادي ويناجي ويسمع. كذلك السمع لله جل وعلا صفة مطلقة، موصوف بالسمع، وهكذا يتضمن الفعل، وأنه جل وعلا يسمع مطلقاً، والفعل المقيد: السمع بأشياء. قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها، سمع كلام المجادلة، فعل منه جل وعلا مقيد. سمع قول المجادلة: ﴿ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ﴾ [المجادلة: 1]، قيد بهذا السمع بالتحاور بين المجادلة ورسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا وهكذا في الكلام، وفي النداء، وفي المناجاة. قال -رحمه الله-: وأصل الثاني: دلت نصوص القرآن على أن صفات البارئ -أسماء صفات ذاتية- لا تنفك عنها الذات، بل هي لازمة لها أزلا وأبداً، ولا تعلق بها مشيئته ولا تعلق بها مشيئته تعالى وقدرته. وذلك كصفات: الحياة، والعلم، والقدرة، والقوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، والمجد، والجلال، إلى آخر الصفات. من الآيات: أن لله جل وعلا صفات ذاتية، وضابطها أنها لازمة لذات الله. قيل فيها: ذاتية لأنها لازمة لذات الله، لا تنفك عنه، لا تنفك عنه. وهذه صفات ذاتية، منها ما هي خبرية، ومنها ما هي معنوية. ذاتية خبرية، وذاتية معنوية. الذاتية الخبرية: التي لم تعلم إلا عن طريق الخبر، مثل الوجه مثلاً، واليدين. هذه صفات ذاتية خبرية، لأنه لولا الخبر لما استطعنا أن نعلمها، فلا يدل عليها العقل. نعم، وإنما الخبر، ولولا الخبر لما علمنا ذلك. هذه صفات ذاتية خبرية، طريقها الخبر. ومصنبات ذاتية الخبرية المعنوية: خبرية معنوية، خبرية لأنها قد جاء بها الخبر في الكتاب والسنة، ومعنوية لأنها تدرك، لأنها تدرك ويمكن إدراكها، مثل العلم والعظمة. فمن تأمل في ملكوت الله وما عليه هذا الملكوت من دقة وإحكام، دل على قدرة الله، وعلى علم ذلك الصانع لهذا المخلوق، ولهذا الملكوت، وعلى عظمته. وهكذا فهذه تدرك، الصفات جاء الكون ذكرها -رحمه الله تعالى-: الصفات الذاتية، وذكر ضابطها أنها لا تنفك، أنها لا تنفك عنها الذات. بعض العلماء يعبر عنها يقول: وهي التي بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض، كما تقدم معنا، ولا نقول ذلك في حق الله، هذا على سبيل التقريب. نعم، حتى يفهم المراد، يقال: التي هي بالنسبة لنا أجزاء وأبعاض، كالوجه واليدين، نعم، والأصابع، والساق، نعم. قال: بل هي لازمة لها أزلا وأبداً، ولا تعلق بها مشيئة. قال: لا تعلق بمشيئة، خلاف الصفات الفعلية تتعلق بها المشيئة. وذكر بعض هذه الصفات، قال: كصفات الحياة. الحياة صفة ذاتية، ولا... لا ذاتية خبرية، ولا ذاتية خبرية معنوية؟ ها، خبرية معنوية. نعم، تدرك. حياة هذه المخلوقات تدل على ماذا؟ ها، على أن معطي الحياة أو لا، باتصاف بالحياة، ولا لا؟ نعم، أليس حين تتأمل في الملكوت اللابد يدلك هذا على أن الخالق لهذا الملكوت موصوف بالحياة أم لا؟ بلى، لا شك في ذلك. والعلم: ها، خبرية معنوية. والقدرة: كذلك. والقوة: كذلك. والعزة: كذلك. والملك: كذلك. والعظمة: كذلك. والكبراء: كذلك. والمجد والجلال: كذلك. إذن بقيت الصفات الخبرية الذاتية: كالوجه، واليدين، والساق، والأصابع. نعم. قال: وصفات فعلية: تعلق بها مشيئته وقدرته كل وقت وحين، وتحدث بمشيئته وقدرته. أحد تلك الصفات من الأفعال، وإن كان هو لم يزل موصوفاً بها، بمعنى أن نوعها قديم وأفرادها حادثة. فهو سبحانه لم يزل فعالاً لما يريد، ولم يزل ولا يزال يقول: يتكلم، يخلق، ويدبر الأمور، وأفعاله تقع شيئاً فشيئاً تبعاً لحكمته وإرادته. فالعلم: الإيمان بكل ما نسبه الله لنفسه من الأفعال المتعلقة بذاته، كالاستواء على العرش، والمجيء، والإتيان، والنزول للسماء الدنيا، والضحك، والرضى، والغضب، والكراهة، والمحبة، المتعلقة بخلقه: كالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وأنواع التدبير المختلفة. صفات فعلية، كما واضح، كما هي واضحة، تعلقت بمشيئة الله، متى شاء فعلها. طيب، نوع الفعل أزلي؟ نوع الفعل أزلي لأنه جل وعلا فعال لما يريد في الأزل، فعال لما يريد في الأزل، بمعنى أنه موصوف في الأزل أنه فعال، ويفعل ما شاء، ما شاء فعله، موصوف بالأزل. الفعل قديم النوع، لكن أفراد الأفعال، الأفعال لا تعد ولا تحصى من الأفعال: الكلام من الأفعال، المجيء من الأفعال، الإتيان، نعم، القضاء، الرضا، الغضب، محبة، كراهة، كل هذه أفعال. نعم، أفراد، كلها أفراد فعل، كلها أفعال. فالفعل نوعه قديم أزلي، لأنه جل وعلا موصوف في الأزل بأنه فعال لما يريد، أي: ما شاء يفعله فعله. لكن أحد هذه الأفعال، نعم، كما سمعتم، الأفعال كثيرة، أحد هذه الأفعال نقول: ماذا؟ حادثة. حادثة، لماذا؟ لأن الله جل وعلا يفعلها متى شاء، يفعلها متى شاء. الكلام: نعم، فرد من أفراد الفعل. الكلام فرد من أفراد الفعل. الله جل وعلا في الأزل موصوف بأنه ماذا؟ فعال لما يريد، ومن ذلك أنه إذا شاء ماذا؟ تكلم. لكن أفراد الفعل: ماذا؟ حادثة. حادثة، لماذا؟ لأنه كان في وقت، وتعلق بمشيئاته، متى شاء تكلم. وهكذا قل في سائر الأفعال. سائر الأفعال التي يفعلها الله جل وعلا متى شاء، وقال فيها: ماذا؟ حادثة. الحادثة بمعنى متجددة، متجددة. ولله المثل الأعلى. الآن أنت: نعم، موصوف بأنك فعال، ولا لا؟ فعال لما تريد، ولا لا؟ فعال لما تريد. طيب، فعال ما تريد، إدارة: تكلم، فعال لذلك، ها، فعال، لا إدارة، تأتي وتجي، وتضحك، وتفرح، وترضى، وتغضب، ها. إذا هذا هو النوع، نوع الفعل، فأنت موصوف به ماذا؟ موصوف به ذاتاً، صح. والأفراد فهي حادثة، لأنها تتعلق بماذا؟ بمشيئتك. لأنك متى شئت ضحكت، ومتى شئت فرحت، أو غضبت، أو غير ذلك. ولله المثل الأعلى، ولله المثل الأعلى. نوع الفعل القديم، الأزل، الموصوف بأنه فعال لما يريد، أجل. وأفراد، نعم، الفعل حادثة، لأنها تعلقت بمشيئتك. إذا فقول أهل السنة والجماعة: نعم، في كلام الله جل وعلا مثلاً: قديم النوع، حادث الأفراد، حادث. وهذا يصدق على كل، يصدق على كل شيء، وذلك أن جنسه قديم، وأفراده حادثة، أفراده حادثة، يعني متجددة، لأنها تقع شيئاً فشيئاً. فالواجب الإيمان بذلك. وذكر أمثلة: النزول، والضحك، كل هذه صفات فعلية، نوعها قديم، وأفرادها متجددة، حادثة، كما قال سبحانه: ﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ﴾ [الأنبياء: 2]، حادث، متجدد. الأصل الثالث: إثبات تفرد الرب جل شأنه بكل صفة كمال، وأنه ليس له شريك أو مثيل في شيء منها. هذه الآيات التي نفت ذلك، قال: ما ورد في الآيات: السد، وضع إثبات المثل الأعلى، إثبات المثل الأعلى له وحده، ونفي الند، والمثل، والكفو، والسمي. نعم، عندكم: والمثل، والمؤل، ها، والمثل، كلكم هكذا. طيب، ونفي الند والمثل، نعم، نعم، أنا عنده يصوب، عندني والمؤل بالهمزة، علي صواب؟ المثل، حد عندها مؤل، عندكم كل النسخ هكذا. طيب، والآية في سورة الكهف، يا أحمد، ما هي التي فيها مؤلة، موئلة؟ فلن تجد له موئلة، هكذا، ها، نعم، ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُ مُوْلِيًا ﴾ [الكهف: 58]، ها، موئلة، يعني يثبت هذا الفعل. نعم، فالله جل وعلا موئل، موئل، ها، موئل، وليس للناس من دونه ماذا؟ موئلة، ها، موئلة، سيدك. إذن يكون صواب، نعم. نفي الند والمثل والمؤل، ها، لكن هنا تحتاج واو، زائل ناقصة، الموئل، حتى تكون على حسب الآية. والموئل يعني: نفي الند والمثيل، وماذا؟ والموئل. الموئل بمعنى المساوي والنظير، كما في الآية. نعم، طيب، سورة الكهف، ولا لا؟ نعم، طيب، لكن لعله أراد هنا المثل، واللي صح إذا قال: ونفي الند والموئل، يصح، لأنه جل وعلا قد أثبت لنفسه لنفسه ذلك الوصف، وأن للعباد، وأن العباد ليس لهم من دونه موئلة. جل وعلا لأنه الذي له ذلك. والكفو، والسمي، والشريك. عنه يدل على ذلك، كما يدل على أنه منزه عن كل نقص وعيب وآفة. الأصل الرابع: إثبات جميع ما ورد به الكتاب والسنة من الصفات، لا فرق بين الذاتية منها: كالعلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، ونحوه، والفعلية: كالرضا، والمحبة، والغضب، والكراهة. وكذلك لا فرق بين إثبات الوجه واليدين ونحوهما، وبين الاستواء على العرش والنزول، فكلها مما اتفقت السلف على إثباته بلا تأويل، ولا تعطيل، وبلا تشبيه وتمثيل. وهذا فيه الرد على من أثبت الصفات الذاتية، ولم يثبت الصفات الفعلية، ك بعض أهل السنة الذين تأثروا بالأشاعرة، كالخطابي والبيهقي، فإنما أثبتوا الصفات الذاتية، لكن الصفات الفعلية لم يثبتها، أو لا. وفيه الرد على الأشاعرة الذين عطلوا الصفات، لا مثّل الصفات الذاتية، ولا الفعلية، وإنما أثبتوا سبع صفات، كما سيأتي. قالوا: المخالف في هذا الأصل فريقان: الجهمية، ينفون الأسماء والصفات جميعاً، يعني: عطلوا الأسماء، وعطلوا الصفات، لأنه عندهم إثبات الاسم يلزم منه التمثيل والتشبيه، فعطلوا الأسماء والصفات. قد تقدم معنا. والمعتزلة: قالوا: فإنهم ينفون جميع الصفات، وأثبتوا الأسماء والأحكام، يقولون عليهم: بلا علم، قدير، بلا قدرة، وحي، بلا حياة، إلى آخر ذلك. وهذا القول في غاية الفساد. المعتزلة أثبتوا الاسم والحكم، أثبتوا الأسماء والأحكام، ولم يثبتوا الصفات، يعني: يقولون: الله سميع، يسمع، لكن لم يثبتوا الصفة: السمع. نعم، لم يثبتوا. وإذا قالوا: عليم، نعم، يعلم، بلا علم. عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، قدير بلا قدرة، رضي، بلا... إلى آخر ذلك. فأثبتوا الأسماء والأحكام: الاسم: سميع، الحكم: يسمع، والوصف لم يثبتوا. واضح. وهذا باطل، لأنه لا يمكن أن يكون سميعاً يسمع إلا إذا اتصف بماذا؟ سمع. كيف سميع يسمع وهو غير موصوف بسمع؟ هل هذا يمكن؟ سميع يسمع، غير موصوف بسمع، أبداً، لأنه ما أطلق عليه سميع، وما سمي سميعاً إلا لوجود الوصف أصلاً، الذي يقال له سميع، والذي يقال له بصير، نعم، قيل له ذلك إنما لوجود الوصف أصلاً فيه. ولولا وجود الوصف، نعم، وهو السمع والبصر، لما قيل له: ماذا؟ سميع. هل نقول للبحر: سميع؟ ها، لماذا؟ لا يوجد فيه وصف السمع، ولا لا؟ لكن كل من وجد فيه وصف السمع يقال له: سميع. وكل من وجد فيه وصف البصر يقال له: ماذا؟ بصير. أما من فقد هذا الوصف، فلا يقال له: سميع، ولا يقال له: بصير، ولا يقال له: كذلك يتكلم، نعم، ولا يقال: يرضى، أو يحب، إلا من... ها، وصف، أو من توفر به ذلك الوصف الذي لأجله قيل له: سميع، أو بصير، نعم، أو عظيم، أو كريم، إلى آخر ذلك. وذلك قال في مراقي السعود: وعند فقد الوصف لا يشتق، وأعوذ المعتزلة الحق. وعند الوصف، وعند فقد الوصف لا يشتق، وأعوذ المعتزلة الحق. يعني: عند فقد الوصف لا يشتق منه الاسم، يعني: لا يشتق اسم عند فقد وصف، لا يشتق اسم. نعم، والوصف ماذا؟ مفقود. وعند فقد الوصف لا يشتق، يعني: إذا فقد الوصف، فإنه لا يشتق له هذا اسم، إلا لوجود الوصف. فالله جل وعلا إنما قيل له: سميع، لأنه موصوف بالسمع، وقيل له: بصير، لأنه موصوف بالبصر. لأنه لا يمكن يقال لشيء: سميع، بصير، وهو غير موصوف بسمع، بصر. وهذا قول المعتزلة، ظاهر البطلان، حيث أثبتوا الاسم والحكم، ولم يثبتوا الوصف. فيقال لهم: كيف يقال له: سميع، واشتق له هذا الاسم، وهو فاقد الوصف؟ فاقد الوصف ماذا؟ مفقد الشيء، ها؟ لا يعطيه، مفقد الشيء أصلاً. كيف؟ هل البخيل يقال له: كريم؟ ها، لماذا؟ هل فاقد الوصف؟ ولا لا؟ وهل للأصم يقال له: سميع؟ ها، ما يمكن، لماذا؟ فاقد الوصف. ولعمى يقال له: بصير؟ وهكذا. فلا يشتق أصلاً الاسم إلا لوجود الوصف. فكيف يقول معتزلة: يقول: سميع بلا سمع؟ ما يمكن، سميع بلا سمع. تمام؟ نعم. وقال -رحمه الله تعالى-: فإن إثبات موصوف بلا صفة، وإثبات ما للصفة للذات المجردة، محال في العقل، كما هو باطل في الشرع. يعني: يريد أنهم أثبتوا موصوفاً بلا صفة، يعني: قالوا في الله جل وعلا: نعم، يسمع، ويسمع، ولكن لم يثبتوا الصفة، ويسمع. فإن إثبات موصوف، يعني: بأنه سميع، بلا صفة: سمع، أو بصير، بلا صفة: بصر، هذا باطل. وإثبات ما للصفة للذات المجردة محال، لأنهم ماذا يقولون؟ عليم بذاته، سميع بذاته، نعم، سميع يسمع. طيب، هل موصوف بسمع؟ لا. كيف إذن؟ قالوا: سميع بذاته، فيرجعون الصفات كلها للذات: عليم بذاته، نعم، وهكذا: سميع بذاته، عليم بذاته، إلى آخر ذلك، بصير بذاته. فلم يثبتوا الصفة، وهذا محال. محال أن يقال لشيء: سميع، غير موصوف بسمع. نعم، ويقال: سميع، هو غير موصوف بسمع، ثم يقال: سميع بذاته، سميع بذاته، وبصير بذاته. كيف: سميع بذاته، وبصير بذاته؟ الجدار له ذات، لا يمكن يقال له: سميع بذاته، أبداً. قيل له: سميع، بصير، عليم، لوجود الصفة، نعم، وليس لوجود الذات. ليس لوجود الذات، لأنه قد توجد الذات، قد توجد ماذا؟ الذات، ولا يوجد الوصف، ولا يوجد الوصف، ولا لا؟ إذا أثبتت، نعم، اسماً لذات، أثبت اسماً لذات، وحكماً، مثلاً: قلت: هذه الذات، أطلقت عليها أنها سميع، نعم، الذات سميع. طيب، وتسمع. طيب، لكن غير موصوفة بسمع، لا يمكن، لا يمكن، لماذا؟ لأن الذات قد توجد من غير وصف، فكم من الذوات ما لا تسمع، ولا... هذات. فليس، فليس كل من له ذات جاز أن يسمى باسم، ويثبت الحكم من ذلك الاسم، والصفة يقال: غير موصوف، هذا باطل. من لازم يثبت الاسم، يثبت الصفة. من لازم إثبات الاسم لكل كذات، إثبات الصفة التي تضمنها ذلك الاسم، وإلا فلا يعقل. فهذا محال. هذا محال، يقال لذاتها اسمها كذا، وتفعل كذا، وهي غير موصوفة، هذا محال، لا يمكن. السماء ذات، طيب، أطلقت عليها: سميع، ما يمكن، ولا لا؟ لا تقول: كيف هي ذات؟ هي ذات، فأقول: هي سميع، نعم، تسمع بذاتها، تسمع ماذا بذاتها؟ لا تسمع بماذا؟ بصفة سمع، لا، وإنما تسمع ماذا بذاتها؟ هذا لا يمكن، لأنه يلزم أنك تثبت لذوات غير موصوفة بالسمع أنها تسمع، فألزمك، فألزمك بأن الجدار يسمع، لأنه له ذات، دا، وتقول: لا، كيف يسمع؟ ما يسمع الجدار. يقول لك: ولماذا لا يسمع؟ يسمع بذاته. هذا الصعر، يرد، ها. ما صعر، وقلت لك: الأصم يسمع، يسمع، الأصم سميع، يسمع، الأصم سميع، يسمع. طيب، طيب، طيب، طيب، تقول: كيف يسمع؟ نقول: يسمع بذاته، يسمع بذاته، له ذات، مدام له ذات، فأسميه بأسمي، ذاته بأنها سميع، وبأنها تسمع بذاتها. يقول: لا، لا يمكن، لأنه فاقد السمع، وأصم. فاقد السمع، والجدار فاقد السمع، وبحر فاقد. فكيف تثبت الله عز وجل ذلك، وتقول: سميع بذاته، بمعنى أنه سميع يسمع، وغير موصوف بسمع، وتقول: يسمع بذاته، يسمع بذاته؟ إذا كان يسمع بذاته، كل شي يسمع، مدام أنه، مدام أنه محل السمع، إيش الذات؟ مدام أنه محل السمع، الذات، الكل، كل من له ذات صار إيش؟ يسمع. لا، لا، لأنه سيقال: يسمع إيش؟ بذاته. البحر، والسماء، والجبال، نعم، وكل شي. وهذا يدلك على محال هذا القول، واستحالة هذا القول. وأما الأشعرية ومن تبعهم، فإنما يفقون أهل السنة في إثبات سبع صفات، يسمونها: صفات المعاني، يعني: الصفات التي دل عليها العقل، ويدعون إثباتها بالعقل، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. ومع إثباتهم لهذه الصفات السبع، إلا أنهم لم يثبتوها كما أثبتها أهل السنة، لا، لم يثبتها كما أثبتها أهل السنة، لأن الأشعر هؤلاء يثبتون هذه الصفات السبع، فمثلا: السمع، يقول: علمه بالمسموعات، والبصر: علمه بالمبصرات. نعم، والإرادة: مثلا، لا يثبتون للإرادة القديمة الأزلية إرادة في الأزل فقط، يثبتونها، لا يثبتون إرادة الله عز وجل إذا أراد شيئاً، لا، وإنما يثبتون إرادة في الأزل، ويتقدم معنا. وفي الكلام: كذلك، لا يثبتون كلاماً حقيقياً، وإنما يقولون: معنى قائم، معنى قائم بالنفس، وهكذا. فإثباتهم ليس هو كما أثبت أهل السنة والجماعة لهذه الصفات. ويزعمون: هذه الصفات معنوية، تدرك بالعقل. الرحمة: أوضح من الإرادة، إثبات الرحمة بالعقل، أوضح من إثبات... لأنهم يقولون: مثلا في الإرادة: من نظر في ملكوت الله عز وجل، ووجد هذه التخصيصات، يعني: الإنس خصوا بأشياء، الجن خصوا بأشياء، الحيوانات خصت بأشياء، المخلوقات كذا خصت بأشياء، وهكذا. فهذه التخصيصات تدل على ماذا؟ على إرادة، أي: أنه جل وعلا أراد أن تكون هذه المخلوقات على هذا الحال الذي هي عليه، فتدل على ماذا؟ إرادة. العامي: هل يدرك هذا؟ ها، لا يفهم هذا، يحتاج إلى ماذا؟ إلى فهم، حتى يفهمه. نعم، هو يفهم، لكن ليس يتأثل لكل أحد. لكن لماذا؟ والرحمة: لم يشبتها، ولا لا؟ معنا، إذا قل: العامي، تعال، لما تنزل المطر، وتحي الأرض، يدل، ليش؟ هذا إيش؟ يقول: هذا رحمة الله. ما يحتاج لها، ما فيه تكلف، مثل: انظر إلى التخصيصات، وهذا خصة بكذا، وهذا خصة، وهذا يدل على أن الله أراد هذه التخصيصات. هذه الرحمة واضحة، نعم، واضحة لكله. ومع هذا هم في الرحمة يقولون: ماذا؟ ما أثبتوها. مع أن العقل دل عليها، دلالة أوضح من دلالة... ها، الإرادة. صح. طيب، لكن التناقض الذي يقعون فيه، لأجله يقولون: هذا، والكل محجوجون بالكتاب والسنة. طيب، نعم، والكل محجوجون بالكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، ومنفضل عذبة العام، يعني: كل هذا خالف ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع. طيب. وكل المعتزل الذي سبق: عليم بلا علم، سمع بلا سمع، وهذا قرره الجهم بن صفوان، والمعتزلة أخذوه. الجهم بن صفوان هو الذي غير هذا: سمع بلا سمع، عليم... قد مر أعرابي على الجهم، وهو يقرر هذا. أعرابي مر على جهم، ويقول... سمع الجهم يقول، وهو يصف الله عز وجل: سميع بلا سمع، عليم بلا علم، نعم، بصير بلا بصر. فارتجز أرجوزه، نعم، أتى بأبيات، رد فيها على الجهم. اسمعوا ما يقول الأعرابي، يقول: ألا إن جهماً كافراً بان كفره ومن قال يوماً قول جهم فقد كفر تقد جن جهم إذ يسمي إلهه سميعاً بلا سمع، بصيراً بلا بصر جواداً بلا جود، رضياً بلا رضا عليماً بلا علم، خبيراً بلا خبر أيرضيك يا جهم إذا قال قائل أبوك امرؤ حر، خطير بلا خطر لطيف بلا لطف، حليم بلا حلم قوي بلا قوة، وفي بلا وفا فبالجهل موصوف، وبالجهل مشتهر أمدحاً تراه أمهجاء وسبة وهزءاً، كفاك الله يا أحمق البشر فإنك شيطان بعثت لأمتك تصيرهم عن ما قريب إلى سقر هذا أعرابي يرد على الجهم، والجهم كافر، كالظهر اليوم، كفره، تمام. وذلك ابن المبارك يقول في الجهم: قال: عجبت لدجال دعا الناس جهرة، واشتق اسمه من جهنم، قال: جام اسمه، واشتق من جهنم، العياذ بالله. طيب. نكتب في هذا، والله، ذكرنا في بالنسبة لنفي الند والمثل، نعم، والنسخة التي عندي كان فيها: والمؤل، فظننت أنه يريد نفي المؤل، واستعذرت الآية التي في سورة الكهف، نعم، ﴿ فَلَن يَجِدُوا لَهُ مِن دُونِهِ مُوْلِيًا ﴾ [الكهف: 58]، فظننت أن الضمير هنا يعود الله، والظهر أنه يعود إلى الزمن، يعني: لن يجدوا لهم من ذلك الزمن، وهو حين يرجعون، الله جل وعلا موئلة، يعني: بمعنى فراراً، أو بدا من ذلك، فينبع على هذا، والله أعلم. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.