الدرس في كتاب المعاملات 12، ألقاها
يتناول هذا الفصل تعريف الربا في اللغة والشرع، حيث يعني الزيادة في اللغة ويُعرَّف في الشرع على أنه زيادة أحد البدلين المتجانسين من غير عوض. كما يوضح أن هناك تعاريف مختلفة للربا تتراوح بين العموم والتخصيص لأصناف معينة.
يفصل هذا الفصل مفهوم ربا الفضل ويشرح أحكام تبادل الأموال والسلع، مع تقديم أمثلة على الحالات التي يجوز فيها التبادل وتلك التي لا تجوز بسبب التفاضل أو الجهل بالتماثل، موضحًا الضوابط الشرعية في هذه المعاملات.
يناقش هذا الفصل تحريم الربا في الإسلام واستدلالاته من القرآن والسنة، ويبين الوعيد الشديد لآكل الربا والمتعاملين به، حيث عدّه النبي من الكبائر الموبقات، ولعن كل من تعامل به، مشيرًا إلى تحريمه في جميع الشرائع السماوية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثاني من كتاب المعاملات من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة في الربا، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريفه الربا وحكمه. تعريفه الربا في اللغة: الزيادة، ويطلق كذلك على الفضل. ولذا تعريف العلماء رحمهم الله تعالى للربا غالبًا ما يكون مداره على ربا الفضل؛ لأنه هو الموافق للمعنى اللغوي، وإن كان الشرع قد حرم نوعًا آخر كذلك من أنواع الربا، وهو ربا النسيئة؛ لأن الربا كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في المسألة الثالثة أنه أنواع، وسيأتي الكلام عليها بإذن الله جل وعلا. فتعريف الربا في اللغة: الزيادة. فحقيقة الربا في اللغة: الزيادة. ومنها قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:16]، وقول الله جل وعلا: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:5]، أي زادت. وشرعًا: وقبل هذا نبه العلماء رحمهم الله تعالى أن الربا بالقصر هو المشهور، وأيضًا يجوز أن يقال بالمَد فيقال: رباء، ولكنه خلاف المشهور. وشرعًا: زيادة أحد البدلين المتجانسين من غير أن يقابل هذه الزيادة عوض. زيادة أحد البدلين المتجانسين، وهذا التعريف كما نراه عام، ومداره على مسألة: هل الربا محصور مقصور في أصناف محدودة، أم أنه أوسع من ذلك؟ وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا ما هو القول الراجح في ذلك بإذن الله عز وجل. لكن نعلم أن التعريف ها هنا مبناه على أن الربا مداره على ما كان من البدلين المتجانسين، أي: كل بدلين متجانسين زاد في أحدهما على الآخر من غير عوض فإنه يكون ربا، وهذا من أوسع التعاريف للربا. ويقابله أضيقها، وهو أن الربا محصور في ستة أصناف، كما سيأتي معنا بإذن الله عز وجل. لذا عرفه بعضهم بتعريف لعله يكون أخص، فقال: هو الزيادة في أشياء مخصوصة. وعرفه بعضهم بتعريف أخص كذلك من هذا التعريف، فقال: إن الربا -أي ربا الفضل- هو التفاضل في بيع جنس بجنسه مما يجري فيه الربا. بيع جنس بجنسه مما يجري فيه الربا، والتقيد بمما يجري فيه الربا يخرج بيع المتجانسين مما لا يجري فيه الربا. مثال ذلك: رجل عنده شاه كبيرة سمينة أراد أن يبيعها لرجل مقابل شاتين دونه في الثمن، بمعنى أن الثنتين تعدلان واحدة، هل يجوز أن يبيع الواحدة بثنتين أم لا؟ واضح هذه المسألة يا إخوة أم لا؟ على هذا التعريف أنه يجوز أن يباع أن يبيع الإنسان الشاه الواحدة بماذا؟ بشاتين، وإن كانت من جنس واحد. لماذا؟ لأنها لا يدخلها الربا. صورة أخرى: رجل عنده سيارة من النوع الفلاني أراد أن يبادل بسيارته سيارة أخرى بسيارتين، أي أن يبادل بسيارته بسيارتين لرجل آخر، هل يصح ذلك أم لا؟ على القول الصحيح أنه يصح. واضح يا إخوة أم لا؟ لكن رجل مثلًا عنده دينار من الذهب من النوع الجيد يريد أن يبدله من رجل آخر عنده دينار ونصف، لكن من النوع الذي فيه كسور وقديم وما شابه ذلك، هل يصح ذلك أم لا؟ لا يصح. لماذا؟ لأنه إبدال جنس بجنس آخر مما يدخله الربا. صورة أخرى: رجل مثلًا عنده بر من النوع الفاخر -الآن البر يعني عندنا هنا البلدي أغلى من البر المستورد- فهل يجوز الرجل أن يبيع مثلًا كيسًا من البر فيه مثلًا خمسين كيلو بكيسين من البر من نوع المستورد، باعتبار أن هذا مثلًا يعدل عشرة آلاف والكيس الواحد من المستورد يعدل خمسة آلاف؟ هل يجوز هذا؟ الجواب: لا يجوز. لماذا؟ لأنه إبدال جنس بجنس مثله مع الفضل، مما لا يجوز فيه الفضل. لماذا؟ لأنه من الربا. فإذا ربا الفضل هو التفاضل في بيع جنس بجنسه مما يجري فيه الربا مع الزيادة. واضح يا إخوة أم لا؟ ربا الفضل هو التفاضل في بيع جنس بجنسه مما يجري فيه الربا. طيب ما دام ذكرنا الصورة لا بأس أن نذكر صورة أخرى، يعني هل يجوز لرجل مثلًا عنده كيس من البر -عبأ كيسًا من البر من البر البلدي- وآخر عنده مثلًا كيس من البر من مزرعة أخرى، لكن لا يدري كم ذلك الوزن وهل كيسه مثل كيس صاحبه أم لا؟ فهل يجوز هؤلاء البدل أم لا؟ واضح يا إخوة أم لا؟ كيس عباه بر في مزرعته ولصاحبه في مزرعة أخرى، يقول له صاحبه: أعطيني كيسًا بكيس، لكن هذا لا يدري كم سعة ذلك الكيس والآخر لا يعلم سعة كيس صاحبه، هل يجوز هذا أم لا؟ هنا قاعدة يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في باب الربا، وهي أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل. ها هنا قاعدة في باب الربا ينص عليها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي أن الجهل بالتماثل -أنت ما تعلم هل هذا مثل هذا- فالقاعدة ماذا؟ أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل. وما حكم التفاضل بالجنسين الربويين؟ لا يجوز. واضح هذا يا إخوة أم لا؟ فهذا من هذا الباب. وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا زيادة بيان في المسألة الثالثة بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: الثاني: حكمه، أي حكم الربا. الربا محرم في كتاب الله تعالى، قال الله جل شأنه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:275]، نص واضح صريح. وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:278]، وهذا أيضًا نص آخر، أي: إن كنتم مؤمنين تؤمنون بالله بأوامر الله جل وعلا ونواهيه، فإن الله جل وعلا حرم الربا على أهل الإيمان. قال وتوعد سبحانه وتعالى المتعامل بالربا بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:275]، أي: لا يقومون من قبورهم عند البعث إلا كقيام المصروع، حالة الصرع. وذلك لتضخم بطنهم بسبب أكلهم الربا في الدنيا، وهذا وعد شديد كما ترون، وهذا فيه وعيد شديد لآكل الربا. قال: وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر، بل عده من الموبقات -أي المهلكات- كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات»، ومنها الربا، أي: من السبع الموبقات -أي مهلكات- أي التي تكون سببًا لهلاك صاحبها، إلا من تغمده الله جل وعلا بتوبة منه ورحمة. قال رحمه الله تعالى: أي عد الكبائر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الربا من الكبائر، ولعن كل المتعاملين بالربا -كل من تعامل بالربا- سواء كان آكله، شاربه، بائعه، مبتاعه، كاتبه، شاهده، أي إنسان يتعامل في الربا أو يتعاون على الربا فإنه مذموم ومتوعد بوعيد شديد؛ إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنه. قال: ولعن كل المتعاملين بالربا على أي حال كانوا، فعن جابر رضي الله عنه قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه»، وكل من تعاون في ذلك الأمر فإنه يشمله هذا الحكم. قال: وقال هم سواء، أي: الآكل والشارب والكاتب وكذلك الشاهد، كلهم سواء في ماذا؟ في الإثم. قال: وقد أجمعت الأمة على تحريمه، أجمعت الأمة على تحريمه. بل حتى الإمام النووي رحمه الله تعالى عن الإمام الماورد رحمه الله تعالى أنه قال: بأن الربا محرم في جميع الشرائع. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.