الدرس في كتاب المعاملات 27، ألقاها
يتناول تعريف الحجر في اللغة والشرع وأدلة مشروعيته من القرآن الكريم. يُعرَّف الحجر شرعاً على أنه منع الإنسان من التصرف في ماله.
يشرح مفهوم الحجر على السفيه واليتيم ومن في حكمهما مثل المجنون والصغير، ويبين أن الحجر يكون لمصلحة المحجور عليه مستنداً إلى الآيات القرآنية.
يتناول النوع الثاني من الحجر وهو منع الإنسان من التصرف في ماله لمصلحة غيره، مثل الحجر على المفلس والمريض مرض الموت والعبد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب التاسع من أبواب كتاب المعاملات من كتاب الفقه الميسر في الحجر، وفيه مسائل. المسألة الأولى: معناه وأدلة مشروعيته وأنواعه. أولًا: تعريف الحجر. الحجر أولًا بفتح المهملة وسكون الجيم، لغة: المنع، وكذلك التضييق. فهو يطلق على المنع ويطلق على التضييق لغة. وفي الشرع: منع إنسان من تصرفه في ماله. منع إنسان من تصرفه في ماله، هذا هو معنى الحجر؛ منعه من أن يتصرف في ماله كيف شاء. لماذا هذا المنع؟ هذا المنع إما أن يكون عائدًا إلى نفس ذلك الإنسان المالك حفاظًا على ماله، وإما أن يكون ذلك المنع لحق الغير. وكما سيأتي معنا أن الحجر على نوعين: حجر لمصلحة المحجور عليه، وحجر لحق الخصماء. قالوا: في الشرع منع إنسان من تصرفه في ماله، فهو يمنع من التصرف لماله؛ لأجل أن لا يتلف ذلك المال. ثانيًا: أدلة مشروعيته. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ أي أموالهم، لكن أضيف إلى الأولياء لأنهم قائمون عليها مدبرون لها. فهذا خطاب من الله رب العالمين جل وعلا للأولياء، أي لأولياء اليتامى ونحوهم، أن لا يؤتوا السفهاء أموالهم. لكن قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ وإنما الأموال هي أموال أولئك السفهاء، ولكنهم لا يعطونها لأجل أن لا يتصرفوا فيها أو بها تصرفًا غير صحيح، فيكون ذلك سببًا لإتلاف تلك الأموال. فهذا فيهم معنى الحجر، فهو حجر. ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾ أي: أمر ربنا جل وعلا الأولياء، أو منع ربنا جل وعلا الأولياء من أن يعطوا اليتامى أموالهم؛ لأجل ماذا؟ لأجل أن لا يحصل التلف لذلك المال. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ امتحنوهم، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي صاروا بالغين، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ فادفعوا إليهم أموالهم. فهذا منطوق الآية: أن اليتامى لا يعطون المال إلا بشرطين: الأول أن يبلغوا الحلم، والثاني أن يثبت الرشد لهم. كما في الآية المذكورة: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ أي بلغوا سن البلوغ، ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي إن التمستم وظهر لكم منهم الرشد، فادفعوا إليهم أموالهم. فإذن لا يعطى اليتامى أموالهم إلا بشرطين. فدلت هذه الآية بمنطوقها على أن اليتامى لا يعطون أموالهم - أي لا يعطيهم الأولياء أموالهم - إلا بهذين الشرطين. ومفهومها أنه متى تخلف أحد هذين الشرطين أو تخلف كلا الشرطين، فإن اليتامى لا يعطون أموالهم؛ لماذا؟ لأنهم في هذه الحالة يكونون محجورًا عليهم؛ لماذا؟ إما لأنهم لم يبلغوا الحلم، وإما لوجود السفه فيهم وعدم الرشد. فهذه الآية أيضًا فيها دلالة على الحجر. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّهُ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾. استشهدوا شهيدين. فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا، قد يكون بالغًا لكن سفيه لا يستطيع التصرف، أو قل: لا يحسن التصرف، فيضع كل شيء في مكانه. أو كان ضعيفًا، كان ضعيفًا لأمر أو لآخر، فلا يستطيع كذلك التصرف. فهؤلاء لا يحجر عليهم، ويقوم مقامه الولي. فقال: ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّهُ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ أي يقوم وليه مقامه في التصرفات؛ لماذا؟ لأنه إما أن يكون سفيهًا فلا يستطيع أن يضع ماله في مكانه المناسب، وإما أن يكون ضعيفًا فكذلك. فدلت هذه الآيات على جواز الحجر على السفيه واليتيم ومن في معناهما، كالمجنون والصغير. السفيه كما تقدم، واليتيم كما تقدم، ومن في معناهما كالمجنون؛ بل هو أولى وأولى، والصغير. والصغير يدخل في معنى اليتيم، ويدخل في معنى أخرى. والصغير في أموالهم؛ لألا تتعرض للضياع والفساد. المجنون لعدم العقل، والصغير لكذلك عدم إحسان التصرف، فهو في معنى السفيه. قال: لألا تتعرض أموالهم لألا تتعرض للضياع والفساد، ولا تدفع إليهم إلا إذا تحقق رشدُهم. إذن لابد من تحقق الرشد، وللولي أن يتصرف في أموالهم إذا دعت المصلحة لذلك. وكما سيأتي معنا بالتي هي أحسن، وبالأولى بالتي هي أحسن. وكما سمعتم بالأولى، أي أن الولي يتصرف في أموالهم بالتي هي أحسن. وكذلك بماذا؟ بالأولى، بمعنى أنه إذا دخل فيه إذا رأى معاملتين أحدها جيدة والأخرى أجود، فالولي يعمل بالأجود؛ لأنه ولي، والأصل في الولاة أن ينظر في ما بين يديه من أموال من قام عليهم أن يقوم بها أو عليها بالأولى، فيحاط لأموالهم، ولا يقدم إلا لما كان فيه أولًا احتياط لأموالهم، ولما فيه كذلك معنى الأولوية. ثالثًا: أنواع الحجر. أنواعه: الحجر على نوعين. النوع الأول: الحجر لمصلحة المحجور عليه، أي الحجر لحق نفسه. يعبر عنه بعضهم فيقولون: الحجر لحق نفسه، أي لحق المحجور. كالحجر على الصبي والسفيه والمجنون. قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فيحجر عن هؤلاء لحق أنفسهم؛ لماذا؟ لأن الصبي لو أعطي المال فقيل له: هذا مالك، فأتلفه، لا أتلف ذلك المال. فالشرع لحكمة عظيمة جليلة منع الأولياء من أن يعطوا الصبيان أو المجانين أو السفهاء أموالهم؛ حفاظًا على أموالهم، حفاظًا على أموال أولئك الصبيان والمجانين والسفهاء. وهذه من حكمة الله جل وعلا، ومن رحمته بهؤلاء، فيمنعون من التصرف في أموالهم؛ لأجل أن لا يتلفوها. النوع الثاني: الحجر على الإنسان لمصلحة غيره، لمصلحة غيره. وهو ما يعبر عنه بعضهم بقولهم: الحجر لحق الخصماء. الحجر لحق الخصماء، أي أنه يحجر على ذلك الإنسان لا لحق نفسه، ولا لحق نفسه، ولكن لحق غيره. لحق من؟ لحق الخصماء. النوع الثاني: الحجر على الإنسان لمصلحة غيره. كالحجر على المفلس، فيمنع من التصرف في ماله؛ لألا يضر بأصحاب الديون. والحجر على المريض مرض الموت فيما زاد على الثلث من ماله؛ لحق الورثة. وكذلك العبد يحجر عليه لحق سيده، فلا يصح تصرفه بغير إذن سيده. فكما ترون ذكرها هنا في النوع الثاني: الحجر لحق الغير. الحجر، أي منع الإنسان من التصرف في ماله، وإن كان بالغًا، وإن كان عاقلًا، وإن كان رشيدًا، لكن منع من التصرف في ماله ليس لحق نفسه، ولا لحق نفسه، ولكن لحق غيره. مع أنه قد يكون عاقلًا وراشدًا وبالغًا، لكنه عليه حقوق للآخرين. وكما ذكر: كالحجر على المفلس. والمفلس: هو من كان الدين الذي عليه أكثر من ماله، أو أحاط بماله إذا حل الأجل. فهو مفلس. فلو أن هذا المفلس الذي عليه ديون للآخرين ترك، فجعل يتصرف في الأموال عنده مال، يعبث بها ويتصرف فيها يمينًا وشمالًا، لذهب حق الغير. فمن حكمة الله جل وعلا أن جعل هذا الحكم بأن المفلس يحجر عليه. لكن متى يحجر عليه؟ متى يحجر عليه؟ ومن قبل من يحجر عليه؟ إذا كان الدين قد غلب ما عنده من المال، وكثر على ماله، وحل الأجل، وطالب الغرماء بالمال، ورفع إلى الحاكم. فيكون الحجر عليه كما سمعتم من قبل الحاكم. ويكون الحجر عليه إذا كان عليه دين، وحل الأجل، ولم يستطع أو لم يوفِ بما عنده أو بما عليه من المال. فها هنا يحجر عليه من قبل الحاكم. قالوا: كالحجر على المفلس، يمنع من التصرف في ماله؛ لألا يضر بأصحاب الديون. فيحجر عليه الحاكم، ويشاع بين الناس أن فلانًا محجور عليه في ماله، فلا يتعامل معه. وما كان عنده من مال، حجزه الحاكم حتى يقضيه لأصحاب الحقوق. قالوا: الحجر على المريض كذلك. الحجر على المريض في مرض الموت، إنسان شارف على الموت، مرض مرضا شديدًا، علم أنه آيل إلى الموت، فأراد أن يتصدق بماله كله أو ما شابه ذلك. فمثل هذا يمنع، ولا يؤذن له إلا بالثلث، وهي الوصية. فهذا منع، تضييق. ها هنا المنع: منع أو قل حجر، تضييق. ضيق عليه أراد أن يدفع أو أن يتصدق بماله كله، فمنع، ولم يؤذن له إلا بقدر الثلث. وهذا كذلك لمصلحة من؟ لمصلحة الغير، لمصلحة الورثة. وكذلك العبد يحجر عليه لحق سيده. العبد كذلك إن تصرف أو ليس له أن يتصرف بتصرف ما إلا بإذن سيده، فهو كذلك محجور عليه في تصرفاته لحق غيره. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.