التعليق على منظومة التائية 11

الدرس في التعليق على منظومة التائية 11، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

آداب النصيحة ووجوبها على الناصح والمنصوح

يشرح المقطع أن النصيحة هي قوام الدين، ويجب على المسلم أن ينصح أخاه بالحكمة والموعظة الحسنة سراً لا جهراً. كما يحذر من اغترار الدنيا التي شبهها السلف بخمر الشيطان.

مسؤولية الكبير في نصيحة نفسه قبل غيره

يؤكد المقطع أن الكبير أولى بالنصح من الصغير لكثرة عبره وتجاربه، وأن تطلعاته الدنيوية تجعله أكثر عرضة للوقوع في المظالم. لذا يجب على الناصح أن يبدأ بنصح نفسه مستحضراً أنه أحوج الناس للنصيحة.

مصاحبة العلماء الكبار وخطورة العلم بلا عمل

يؤكد المقطع أن مصاحبة الأعلام الكبار تُقيم الحجة على الإنسان وتوجب عليه العمل بالعلم، فمن قصر بعد بلوغ هذا المقام كان وعيده أشد. ويحذر من وساوس الشيطان التي تدعو لترك طلب العلم خوفاً من المسؤولية.

خاتمة الدرس والدعاء بالختم

يختتم المتحدث الدرس مشيراً إلى أن الحجة والنصح أبلغ للكبير من الصغير، ويعلن الاكتفاء بهذا القدر على أن يكمل في الدروس اللاحقة. مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان آخر الكلام في درس الماضي عند قول النظم الإلبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية: «ولم أشرب حميا أم دفر، وأنت شربتها حتى سكرت». والمراد بذلك الدنيا؛ لأن الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموت نادما مع النادمين، كما قال بعض السلف: «الدنيا خمر الشيطان». فالشيطان يسكر الناس بهذا الخمر الخبيث، وذلك الدنيا المدمومة التي جاء ذمها في الكتاب والسنة. وليس المراد كل ما في الدنيا، فإن الواجب على الإنسان أن يأخذ نصيبه من الدنيا، ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]، لكن المراد الدنيا المدمومة التي تجعل الإنسان يقصر في أداء واجباته وحقوقه تجاه من أوجب الله سبحانه وتعالى عليه الحقوق تجاههم. والمراد بهذا أنه وجه هذا النصح إليه كأنه يستحضر أن ولده ينصحه بذلك، وأيضا يشير إلى أن الناصح كما ينصح غيره فعليه أن ينصح نفسه، والكل يحتاج إلى النصيحة: الناصح والمنصوح. فأنت اليوم ناصح وغدا منصوح، ومن هذا الذي لا يحتاج إلى نصيحة؟ ومن هذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ كفى بالمرء نبلا أن تُعدّ معايبه. فكل أحد يحصل منه تقصير، ويحصل منه تفريط في أداء حق من الحقوق، أو يغفل، أو يقع في شيء، فتقومه النصيحة. وذلك أن النصيحة هي الدين، «الدين النصيحة». حصر النبي عليه الصلاة والسلام الدين في النصيحة، وذلك لأن قوام الدين بالنصيحة، وقوام أهل الإسلام بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إذا كانوا متناصحين، متآمرين بالمعروف، متناهين عن المنكر فيما بينهم، كان في ذلك القوام لهم، وإذا قصروا وفرطوا كان بذلك الخطر على الجميع. فكل أحد يحتاج إلى نصيحة، فلا تبخل على أخيك بالنصيحة، لكن النصيحة ليست الفضيحة. النصيحة ليست الفضيحة، لا تنصحه أمام الناس وأنت تعلم أنه يتأثر بذلك. «تعمد نصحك لي في انفرادي، وجنبني النصحة في الجماعة»، كما نسب هذا إلى الإمام الشافعي رحمه الله. الإنسان يحرص على نصح أخيه بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي الوقت المناسب، ولا يجعله يشعر أنه يترفع عليه بهذه النصيحة، أو أنه أفضل منه، وأنه ما شاء الله قد كمل، وينظر إلى أخيه بعين الازدراء وعين التفريط. ما يقبل منك النصيحة، لكن إذا شعر منك أنك حقا ناصح في كلامك، بل حتى في وقفتك حين تنصحه، وفي وجهك حين ينظر إليك: هل هذا وجه ناصح أم لا؟ إنسان يشعر عنده إحساس، لا تظن أنه لا يشعر بذلك، يعرف من حالك أنك حقا تريد نصيحته أو أنت تريد غير ذلك. فإذا شعر منك أنك حقا تريد نصحه قبل منك. لذلك يحرص الإنسان على إظهار ما يكون بسببه قبول النصح منه لإخوانه، وأن يجتهد في ذلك، لا مرية فيه اجتهاد، ويجتهد بأن تظهر لأخيك وجه الناصح وحال الناصح، ويحتاج إلى مجاهدة منك، إلى مجاهدة منك في اختيار العبارات التي بها تنصح، اختيار المكان، المقام، حتى في هيئة وقوفك وقيامك. كل هذا يحتاج إلى اجتهاد من العبد. وإذا أخلص العبد وفقه الله، كان صادقا فيما أراد ينصح فيه، وكان مخلصا، فإن الله جل وعلا يوفقه ويفتح له قلوب الناس فيقبلون منه، لأنهم علموا صدق صدقه في النصيحة وحرصه على ذلك بلسان حاله وبلسان مقاله. وكذلك البيت الثاني: نصح فيه رحمه الله تعالى نفسه، ومن كان على حاله من الناصحين، أن يكون الواجب عليهم أن يكونوا على هذا الحال، أن ينتفعوا بما حولهم. فهم على شيخوخة، وأولى بالانتفاع ممن كان في الصبا، في الصبا، ومن كان صغيرا؛ لأن العمر الذي معه حجة عليه. فصاحب خبرة قد مرت به، قد مر به العمر الطويل، ورأى من الدنيا ما رأى، ومرت عليه حوادث كثيرة لم تمر على هذا الصبي الصغير. فصاحب خبرة، فكيف يقع منه الزلل، وكيف يقع منه التقصير والتفريط، ثم يلوم الصغير؟ الصغير ما مرت به فتن إلا كذا وكذا، عشر أو خمس أو خمس عشرة، لكن أنت كم مرت بك؟ عمرك مثلا بلغت الخمسين، أو بلغت الستين، أو بلغت خمسا وسبعين، وغير ذلك. العبر التي مرت بك أكثر ممن من الصغار، فكان الكبير أولى بالنصح من الصغير؛ لأنه قد رأى من حجج الله جل وعلا التي أراه الله جل وعلا إياها في ملكوته فيما مر به ما يكفي. ولذلك سيأتي أنه أن الشيخ قد مرت به أشياء محل اعتبار: كظهور الشيب وغير ذلك من هذه العلامات التي هي عظات، الواجب على العبد أن يتعظ بها. فكان اللوم على الكبير أكثر منه على الصغير، حتى عند الناس: «تفعل هذا وأنت عاقل؟» بماذا يظن هذا؟ يعرفون أن هذا العاقل الحجة عليه أبلغ من الصغير. «أين عقلك تفعل هذا وأنت على هذا السد؟» فاللوم يكون عليه أكثر. وهذا هو المراد بذكر هذه النصائح التي وجهها إلى نفسه رحمه الله، وإلى كل ناصح: نصح غيره أيضا أن يوجه النصح إلى نفسه من باب أولى، وليعلم أنه إن كان ناصحا فهو كذلك في نفس الوقت منصوح. وقوله: «لما حلوا البواد فيه ظلم، وأنت حللت فيه وانتهكت». يعني أن الكبير مرت به أمور في هذه الدنيا، ووقع في مظالم أكثر من الصغير. المظالم التي يقع فيها الكبير أكثر، لما عنده من التطلع لأمور هذه الدنيا. فالكبير يتطلع إلى المنصب، ويتطلع إلى بناء كذا، بناء قصر، شراء سيارة، الزواج بامرأة، وأكثر، وإذا يكون أفضل من فلان وفلان وغير ذلك، وهو عنده تطلع إلى أمور كثيرة من أمور هذه الدنيا ليست عند الصغير. الصغير إلى ماذا يتطلع؟ الصبي إذا سألته: ماذا تريد؟ ما هو طموحك؟ ما هي أمنيتك؟ لقال كذا، أمر صغير سهل، يكفي أنه إذا تحصل على دراجة هوائية خلاص يكفي، أملي أن تقول: عندي دراجة هوائية ألعب عليها، أو كذا أو كذا. لكن الكبير إذا يقول له: ما هي أمنياتك في هذه الدنيا وما هي طموحاتك؟ الأول أريد قصرا، الثاني أريد سيارة من أفخر الموديلات، أريد أربع نساء، أريد كذا وكذا، وهكذا وهكذا. والغالب إن الإنسان يحرص على هذه الأمور فإنه يقع في مظالم، إلا من رحم الله. يقع في مظالم ربما لا يبالي في بيعه وشرائه بأمر الغبن، أو كذلك أمر الربا، وربما شيء من الكذب بحجة أن ذلك من التورية، وأشياء كثيرة يأتي إليه الشيطان من خلالها ومن طريقها، وذلك لهذا الحرص ولغرض الحصول على هذا التوسع الذي كان ينبغي لا يحرص عليه، لأن لا يحرص على التوسع في هذه الدنيا، التوسع المذموم. لا بأس أن يأخذ ما أراد من هذه الدنيا وما أحل الله سبحانه وتعالى، لكن بالميزان الشرعي، لا إفراط ولا تفريط، لا إفراط ولا تفريط. والناس بين طرفين نقيض ووسط: ناس تركوا الدنيا وزهدوا فيها وتقشفوا، وربما منعوا على أنفسهم أشياء هي من المباحات، صاروا يتعبدوا الله جل وعلا ويتقربون إليه بتركها، وناس توسعوا التوسع المذموم، فحصل بسبب توسعهم عندهم شيء من التقصير، ومن التفريط، ومن خلف الوعود، ومن عدم بيان النصيحة، وغير ذلك. فيكون الكبير الشيخ عنده التطلع إلى هذه الأمور أكثر من الصغير، فإذا هو نصح الصغار ونصح الصبيان، بعدما التطلع إلى أمور الدنيا كذلك هو أولى بهذا النصح؛ لأنه أولى في الوقوع في هذه المظالم من هذا الصغير الصبي الذي ليس عنده هذه التطلعات التي عند الشيخ الكبير. قال رحمه الله تعالى: «لقد صاحبت أعلاما كبارا، ولم أرك اقتديت بمن صحبت، وناداك الكتاب فلم تجيبه، ونبهك المشيب فمن تبهت، ويقبح بالفتا، ويقبح بالفتا فعل التصابي، ويقبح منه شيخ قد تفت، ونفسك لا تلمم سواها لعيب، فهي أجدر من لُممت، وأنت حق بالتفنيد مني، ولو كنت اللبيب لما نطقت، أو لما نطقت». وأيضا يوجه هذه النصائح العظيمة لنفسه على لسان ولده، ولغيره أيضا ممن ينصح غيره، أن يوجه لنفسه هذه النصائح، ويوقن أنه أولى بهذه النصائح من غيره. والإنسان إذا كان على استحضار هذا الحال فهو على خير عظيم، حين يوجه النصائح إلى الناس يستحضر أنه أولى الناس بهذه النصائح هو، فينصح نفسه أولا ثم ينصح غيره. أما إذا كان يظن أن النصائح إنما يحتاج لها هؤلاء الذين ينصحهم، ولا يستحضر أنه أولى بهذه النصائح، فهذا يضره، يوقعه في الغرور، ويوقعه في التقصير والتفريط. لكن الحمد لله إذا كان على هذا الحال، كلما نصح أحدا استحضر أنه أولى بهذه النصائح من غيره، فإن هذا يدفعه إلى كل خير، وإلى عدم الغرور، وإلى الشعور بالنقص والتفريط في أداء الحقوق الواجبة عليه، فيسعى في تكميلها، وكذلك يبتعد عن الترفع والتعالي وغير ذلك من هذه الأمور. فمن صحب أعلاما كبارا كانت الحجة عليه أكثر وأبلغ من غيره، وهذا من تواضع المؤلف، وإلا فهو من العلماء الكبار، لكن لم يقل: أنا عالم كبير، وإنما قال: «صاحبت أعلاما كبارا»، جعل نفسه إنما هو مصاحبا للعلماء الكبار، مع أنه منهم، وهو من العلماء المتقدمين رحمه الله تعالى، فهو من العلماء الكبار. ومع هذا يقول: «إنما صاحبت أعلاما كبارا». والذي صاحب العلماء الكبار الحجة في حقه أبلغ، لأن هؤلاء ممن جعل الله جل وعلا، جعلهم الله سبحانه وتعالى من العظات التي يعظ بها، وهم العلماء الكبار، ومنهم المجددون الذين جددوا أمر هذا الدين. فمن عاصرهم وعايشهم فالحجة في حقه أبلغ ممن لم يعاصر العلماء الكبار والأعلام، فلم يستفد من سمتهم، ومن هديهم، ومن معاملتهم، ومن أخذ العلم عنهم. فأنت العلم عندك أكثر من غيرك، يا من صاحبت الأعلام الكبار، العلم عندك أكثر من غيرك. فإذا لم تعمل بهذا العلم وبهذا الذي وفق الله جل وعلا له وهو صحبة هؤلاء الأخيار، كان هذا حجة عليك. وكذلك الحجة في حقك أبلغ ممن لم يوفق لمثل ما وفقت إليه. فالحجة بإرسال الرسل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. والعلماء ورثة الأنبياء، فمن عاصر العلماء ورآهم وتعلم منهم، فالحجة في حقه قد قامت أبلغ من غيره ممن لم يوفق لذلك. وذلك كانت هذه النصيحة لمن بلغ مثل هذا المقام، وصاحب الأعلام الكبار، ولم يقتدي بهؤلاء الذين صحبهم. قالوا: «ناداك الكتاب فلم تجيبه، ونبهك المشيب فمن تبهت». يعني قصرت. أنت قد علمت من علم الكتاب والسنة الشيء الكثير، ومع هذا قصرت في أشياء كثيرة، قصرت في أمور علمت أكثر ممن لم يعلم غيرك. فربما كنت حافظا لكتاب الله وغيرك لم يحفظ، وعندك حفظ لعشرات الأحاديث أو مئات، ولم تعمل بذلك، أو خالف فعلك قولك، فالحجة أبلغ في حقك ممن ليس كحالك. القرآن حجة لك أو حجة عليك، والعالم الحجة عليه أبلغ، والوعيد عليه أبلغ ممن غيره. وذلك أول من تسعر بهم النار يوم القيامة: قارئ القرآن، وفي حق العالم وعيد في حق العلماء الذين وصلوا إلى هذه المنزلة، صاروا أعلاما، لكن لم يعملوا بما علموا، أو خالفوا، خالفت أفعالهم أقوالهم، وخالفت العلم الذي عندهم، فالوعيد في حقهم أشد. فلذلك من قرأ كتاب الله وعلم كتاب الله، وهذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام، عليه أن يعمل، عليه أن يعمل؛ لأن الحجة في حقه أبلغ. وليس معنى ذلك أن الإنسان أفضل له أن يعرض عن تعلم العلم لأن لا تكون الحجة في حقه أبلغ. لا، الإنسان يحرص على طلب العلم، ويحرص على حفظ القرآن وتعلم السنة والعمل بها، فلا يأتيه الشيطان من هذا الباب، يقول لك: ليش تطلب العلم؟ ماذا تريد أن تكون عالما؟ أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم. تريد أن تكون أول من تسعر؟ سبحان الله، إذن ماذا؟ اذهب اعرض عن العلم، كن درويشا كما يقال من الدراويش، كن درويشا مثل الدراويش، دخل وخرج، يكفيك كذا ويكفيك كذا. هذه شبه شيطانية. لا، تحرص وصدق مع الله عز وجل في طلب العلم، تجتهد في العمل به، والله سبحانه وتعالى يوفقك لكل خير. والأمر الثاني: المشيب أيضا من الآيات والعبر. قد فسر بعضها العلم. قول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: 37]، بالشيب، فالشيب عظة. فالشيخ الحجة في حقه أبلغ، والنصح في حقه أبلغ من الصغير؛ لأنه عليه يعتبر بنفسه أولا قبل غيره، فينظر في نفسه، ينظر التجاعيد التي قد صارت في وجهه، وينظر هذه الشعرات البيضاء، أو الشيب الذي على رأسه أو على لحيته، وهكذا ينظر في نفسه في مشيته، في ضعفه. كل هذه علامات، الصبي لن يدرك مثل هذه العلامات، بعد عنده شيء من القوة، ما يشعر بالضعف، وهكذا ما عنده شيء من الشيب وغير ذلك. فالحجة أبلغ، والنصح أولى للكبير من الصغير. علنا نكتفي بهذا، ونكمل في الدروس اللاحقة إن شاء الله تعالى. وصلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.