التعليق على منظومة التائية 9

الدرس في التعليق على منظومة التائية 9، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أهمية الدعاء والرجوع إلى الله عند الشدائد

يشدد المقطع على الإكثار من الدعاء في السجود وثلث الليل الأخير مستشهداً بدعاء يونس عليه السلام، ويحذر من الفتن داعياً إلى لزوم البيوت والتوبة وترك الظلم.

مكانة الأنبياء وثبات الإيمان بذكر الله

يبيّن المقطع أن ما وقع ليونس لا ينقص من قدر الأنبياء، ويؤكد أن قوة العقيدة والتعلق بالله مع ذكر الله يثبّت المؤمن أمام الفتن.

فضل طلب العلم وتربية النشء على القرآن

يوضح المقطع أن طلب العلم أفضل من النوافل، ويحذر من تسويف الطاعة إلى الكبر، مشدداً على ضرورة تربية الشباب على القرآن والسنة ليكونوا عماد الأمة.

الصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه

يستهل المتحدث كلامه بالصلاة والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم داعياً بالبركة عليه وعلى آله وصحبه، وهي سنة مستحبة عند البدء بالكلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ونادِ إذا سجدتَ له اعترافاً بما ناداهُ ذُو النُّونِ بنُ مَتَّى، ولازِمْ بابَهُ قرعاً عساهُ سيفتحُ بابَهُ لكَ إن قرعتَ، وأكثرْ ذكرَهُ في الأرضِ دأباً لتُذكرَ في السماءِ إذا ذكرتَ، ولا تقلِ الصبا فيهِ امتهالٌ وفكرٌ، كم صغيرٍ قد دُفنتَ، وقل يا ناصحي بل أنتَ أولى بنصحكِ لو لفعلكَ قد نظرتَ، تقطعني على التفريطِ لوما، وبالتفريطِ ظهركَ قد قُطعتَ، في الصغرى تخوفني المنايا وما تدري بحالكَ حيثُ شِختَ، وكنتَ مع الصبا أهدى سبيلاً، فما لكَ بعدَ شيبكَ قد نَكَتَ، وها أنا لم آخذْ بِحِرِّ الخطايا كما قد خَطَهُ حتى غرقتُ، ولم أشربْ حميا أم دَفَرٍ وأنتَ شربتَها حتى سكرتَ، ولم أنشَأْ بعصرٍ فيهِ نفعٌ وأنتَ نشأتَ فيهِ ومُتَّعْتَ، ولم أحللْ بوادٍ فيهِ ظلمٌ وأنتَ حللتَ فيهِ وانتهكتَ». ذكرَ رحمه الله تعالى في هذه الأبياتِ هذه النصائحَ العظيمةَ القيمةَ، وبدأها بأن أوصى بالخضوعِ لله جل وعلا، وكثرةِ الدعاءِ له جل وعلا، خاصةً في السجودِ الذي يكونُ العبدُ فيهِ أقربَ ما يكونُ لربِّهِ جل وعلا. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فأما الركوعُ فعظموا فيهِ الربَّ، وأما السجودُ فأكثروا فيهِ من الدعاءِ، فقمن أن يُستجابَ لكم». فمن مواضعِ إجابةِ الدعاءِ مواضعُ السجودِ، فليكثرِ اللسانُ في سجودهِ من الدعاءِ لخيري الدنيا والآخرة. وهكذا ثُلثُ الليلِ الآخرُ، وآخرُ ساعةٍ من يومِ الجمعةِ. ونحن في هذه الأيامِ بحاجةٍ هائلةٍ أن نكثرَ في الدعاءِ بأن يرفعَ الله جل وعلا عنا هذا البلاءَ وهذه المحنةَ وهذه الفتنةَ وهذا الحاصلَ، سواء كان في بلادِنا أو في سائرِ بلادِ أهلِ الإسلامِ. نكثرُ من الدعاءِ ونتضرعُ إلى الله جل وعلا بأن يصلحَ حالَ المسلمين، وأن يجمعَهم على كتابِهِ وسنةِ رسولِهِ عليه الصلاة والسلام، وأن يبعدَ عنهم هذه الحَمِيَّاتِ الجاهليةَ والحزبياتِ المقيتةَ التي فرقتِ الأمةَ شذرَ مذرٍ، وجعلتهم يتقاتلون فيما بينهم. والواقعُ خيرُ شاهدٍ، كم قد حذرَ العلماءُ من قديمِ الزمانِ من التحزباتِ وغيرِ ذلك، هذه الأفكارِ الدخيلةِ على أمةِ الإسلامِ، وحذروا من عواقبِها، واليوم يجني أعداءُ الإسلامِ الثمرةَ، قد حققوا ما أرادوا، يعلونَ والمسلمون يتقاتلون فيما بينهم، وهم يضحكون ويتفرجون، والمسلمون مساكين، مرةً إلى الشرقِ ومرةً إلى الغربِ، يريدون الحلولَ ويريدون من أعداءِ الإسلامِ، والله المستعان. اتقوا الله عبادَ الله، اتقوا الله، ارجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، وأكثروا من الدعاءِ، واتركوا الظلمَ، واتركوا الاعتداءَ، واللهِ يضركم، هذا الإنسانُ سيسألُ يومَ القيامةِ، ويقفُ بين يدي الله عز وجل، ويسألُ عن هذه الشجاعةِ في غيرِ حقٍ، وفيما تنفعُ الشجاعةُ في الحقِّ؟ نعم، أما في الباطلِ فهذا ما ينفعُ، واللهِ، وما أحدٌ خائفٌ واللهِ إلا من الله سبحانه وتعالى، لا أحدَ خائفٌ إلا من الله سبحانه وتعالى، بل يتقي الله العبدُ في ربهِ، وفي مالِ المسلمين، وفي جماعتِهم. اتقوا الله عبادَ الله، تعدوا عن الفتنِ، ولا تعينوا عليها، وكونوا مفاتيحَ خيرٍ، وكونوا مفاتيحَ خيرٍ للناسِ، مغاليقَ شرٍ، كونوا ناصحين، قولوا للظالمِ: خذوا على يدِ الظالمِ، انصروا أخاكم ظالماً ومظلوماً. قالوا: كيف ننصرهُ إذا كان ظالماً؟ قال: تمنعُهُ عن الظلمِ. اتقوا الله عبادَ الله. فذكرَ رحمه الله تعالى أن العبدَ عليهِ يكثرُ من الدعاءِ لله جل وعلا، خاصةً عند الشدائدِ، قال: «بما ناداهُ ذُو النُّونِ بنُ مَتَّى». يونسُ بنُ مَتَّى عليه السلام، نبيٌ من أنبياءِ الله جل وعلا، ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: 139-144]. فسبحَ الله، واستغفرَ الله، ورجعَ إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا العبدُ، إذا حصلتِ الشدائدُ، حصلتِ المصائبُ، حصلتِ الفتنُ عليهم، يرجعُ إلى الله سبحانه وتعالى، يستغفرُ ربهُ، ويكثرُ من الذكرِ والدعاءِ والعباداتِ. العبادةُ في الهَرْجِ، يقولُ النبي عليه الصلاة والسلام: «العبادةُ في الهَرْجِ كهِجْرَةٍ إليَّ»، كما في حديثِ معقلِ بنِ يسارٍ عند الإمامِ مسلمٍ رحمه الله. الهَرْجُ: وقتُ الفتنِ، وقتُ اختلاطِ الأمورِ، يرجعُ العبدُ إلى اللهِ ويكثرُ من الذكرِ، لا يكثرُ من القيلِ والقالِ والجلوسِ في الطرقاتِ وفي أماكنِ القيلِ والقالِ وغيرِ ذلك، وإنما يرجعُ إلى اللهِ، ويدعو اللهَ، ويمكثُ في بيتِهِ عند الفتنِ. قال عليه الصلاة والسلام: «كونوا أحلاسَ بيوتِكم، كونوا أحلاسَ بيوتِكم، كونوا قريبينَ من بيوتِكم»، تعدوا عن مواضعِ الفتنِ، ومواطنِ الفتنِ يبتعدُ عنها ويهربُ منها ويفرُّ منها الإنسانُ. فيونسُ بنُ مَتَّى لما وقعَ في هذه الشدةِ رجعَ إلى الله سبحانه وتعالى، ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. فرجعَ إلى اللهِ معترفاً بتقصيرهِ وتفريطهِ في جنبِ اللهِ حيثُ خرجَ ولم يُؤمَرْ لهُ بالخروجِ بعدَ تركِ قومِهِ عليه السلام. وهذا الذي وقعَ فيهِ لا يحطُّ من قدرِهِ عليه السلام، ولا يتنقصُ من حقِّهِ، ولذلك خصهُ عليه الصلاة والسلام كما في بعضِ الأحاديثِ بعدمِ تفضيلِهِ عليه الصلاة والسلام عليهِ، حسَّنَهُ بعضُ العلماءِ: «لا تفضلوني على يونسَ بنِ مَتَّى». قالَ هذا؛ لأنه ربما يقعُ في أذهانِ البعضِ أن هذا الذي وقعَ فيهِ ينقصُ من قدرِهِ، فخصهُ عليه الصلاة والسلام بهذا. بل هو نبيٌ من أنبياءِ الله جل وعلا، وأنبياءُ الله كلهم لهم الرفعةُ والمكانةُ، وإن كانوا يتفاضلون فيما بينهم فهم منازلُ ودرجاتٌ، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]، لكن الكلُّ يُثنى عليهِ، والكلُّ يُعْلَمُ لهُ قدرهُ ومكانتهُ، أنبياءُ الله لهم المكانةُ العاليةُ، فهم أفضلُ الخلقِ عليهم الصلاة والسلام، عليهم الصلاة والسلام جميعاً. قال رحمه الله تعالى: «وَلَازِمْ بَابَهُ قَرْعًا عَسَاهُ سَيَفْتَحُ بَابَهُ لَكَ إِنْ قَرَعْتَ». أكثرْ من قرعِ بابِ اللهِ، اقرعْ بابَ اللهِ جل وعلا، فلا منجى لنا ولا ملجأَ ولا منجى لنا إلا إلى اللهِ سبحانه وتعالى، فهو سبحانه وتعالى الذي بيدهِ الأمرُ جل وعلا. ذلك المسلمُ عليهِ يعلقُ قلبَهُ باللهِ سبحانه وتعالى، ويقوي يقينَهُ باللهِ جل وعلا، ويقوي إيمانَهُ باللهِ سبحانه وتعالى، ويعلمُ أن الأمةَ لو اجتمعتْ على أن تنفعَهُ بشيءٍ لم تنفعهُ إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ لهُ، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوهُ بشيءٍ لم يضرُّوهُ إلا بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ عليهِ. الإنسانُ إذا كان قويَّ العقيدةِ، قويَّ الإيمانِ، قويَّ التعلقِ بربِّهِ سبحانه وتعالى، فإنه لا تضرهُ الفتنُ، لا تضرهُ فتنةٌ ما دامتِ السماواتُ والأرضُ، ما دامَ على يقينٍ عظيمٍ بربِّهِ جل وعلا وبوعدِهِ، وما دامَ على إيمانٍ راسخٍ كرسوخِ الجبالِ، وما دامَ على عقيدةٍ سليمةٍ خاليةٍ من شوائبِ الشركِ والبدعِ والاعتقاداتِ والخرافاتِ، فإنه يكونُ كالجبلِ الراسخِ الذي لا يتزعزعُ. ونحن في هذا الوقتِ بحاجةٍ إلى مثلِ هذا الإيمانِ، بحاجةٍ إلى إيمانٍ كالجبالِ الراسخِ حتى نثبتَ أمامَ الفتنِ، ونقاومَ هذه الفتنَ، ولا تزعزعنا عن دينِنا، ولا عن ثباتِنا، ولا عن طاعتِنا، ولا عن منهجِنا. فهذا يحتاجُ إلى إيمانٍ قويٍّ وعقيدةٍ راسخةٍ، وهذا لا يتأتى بالقيلِ والقالِ باللعبِ واللهِ لا، إنما يتحصلُ عليهِ العبدُ برجوعِهِ للهِ، بانكسارِهِ وخضوعِهِ، والإقبالِ على العلمِ، وتعلمِ العلمِ الشرعيِّ، وكيف كانَ رسولُ اللهِ، وكيف كانَ الأنبياءُ، وكيف كانَ الصحابةُ، وكيف كانَ السلفُ الصالحونَ. هنا ينمو الإيمانُ في قلبِهِ، ويرسخُ هذا الإيمانُ، يجددُ هذا الإيمانُ، يثبتُ هذا الإيمانُ. فإذا كانَ على هذا الحالِ فلينعمْ، فهو اللهُ على سعادةٍ وعلى خيرٍ، حصلَ ما حصلَ ما دامَ على هذا الثباتِ، وعلى هذا الإيمانِ، وعلى هذه العقيدةِ، وعلى هذا الرسوخِ، وعلى هذا التمسكِ، وعلى هذا الرجوعِ إلى أهلِ العلمِ الراسخينَ الربانيينَ، فهو على خيرٍ، نعوذُ باللهِ، ولو قُتلَ، ولو ابتُليَ، ولو أُصيبَ، لكن على خيرٍ، يرحلُ من هذه الدنيا سليمَ اللسانِ، سليمَ اليدِ، سليمَ القلبِ، يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ. تقبلُ على اللهِ وأنتَ سليمُ اليدينِ، لم تعتدِ على أحدٍ، لم تأخذْ مالَ أحدٍ، سليمُ القلبِ، لم تحقدْ على أحدٍ، وليس في قلبِكَ غِلٌّ على إخوانِكَ المسلمينَ، وليس عندكَ حمياتٌ جاهليةٌ، ولا عندكَ حزبياتٌ تتوالي وتتعادي عليها، والولاءُ والبراءُ عندكَ لله وفي اللهِ سبحانه وتعالى، أو قِعْرُ الإيمانِ: الحبُّ في اللهِ والبغضُ في اللهِ. وهكذا سليمُ الجوارحِ، إذا كنتَ على هذا فأنتَ على خيرٍ عظيمٍ، ستنجو في ذلكم اليومِ العظيمِ، وستسلمُ من تبعةِ السؤالِ، فأعدَّ لهذا السؤالِ جواباً، وليس جواباً فحسبَ، بل صواباً. قال رحمه الله تعالى: «وأكثرْ ذكرَهُ في الأرضِ دأباً» يعني دائماً، أكثرْ من ذكرِ اللهِ لتُذكرَ في السماءِ إذا ذكرتَ، ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]. إذا ذكرتَ اللهَ جل وعلا ذكركَ اللهُ جل وعلا. يكفي في فضائلِ ذكرِ اللهِ هذه الفضيلةُ، لو ما في فضيلةٍ في ذكرِ اللهِ جل وعلا إلا هذه الفضيلةُ لكفى بها فضيلةً، يذكركَ اللهُ سبحانه وتعالى، ملكُ الملكِ، الخالقُ الرازقُ جل وعلا. اليوم تقولُ لشخصٍ: ذُكرتَ من الملوكِ أو من العظماءِ ما ينامُ، ما ينامُ الليلَ ذكرهُ ملكٌ من الملوكِ أو عظيمٌ من عظماءِ الدنيا، فأنتَ يا عبدَ اللهِ إذا ذكرتَ اللهَ ذكركَ اللهُ. ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]. والحديثُ القدسيُّ يرويهِ النبيُّ عليه السلامُ عن ربهِ يقولُ جل وعلا: «أنا عندَ ظنِّ عبدي بي، وأنا معهُ إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسِهِ ذكرتهُ في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرتهُ في ملأٍ خيرٍ من ملئِهِ». فماذا تريدُ يا عبدَ اللهِ أكثرَ من هذه الفضيلةِ، ومن هذه المنزلةِ، ومن هذه المنقبةِ أن يذكركَ اللهُ سبحانه وتعالى؟ فهذا من أعظمِ فضائلِ ذكرِ اللهِ جل وعلا. ومن أعظمِ ذكرِ اللهِ العلمُ، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. قال أهلُ العلمِ، من أمامِ مالكٍ: بالعلمِ، العلمُ من أعظمِ ذكرِ اللهِ سبحانه وتعالى، أفضلُ من نوافلِ العباداتِ، العلمُ أفضلُ من نوافلِ العباداتِ، أفضلُ من نوافلِ الصيامِ، وأفضلُ من نوافلِ الصدقاتِ، وأفضلُ من النوافلِ. طلبُ العلمِ، الناسُ يجهلونَ هذا، يظنونَ أن نوافلَ العباداتِ أفضلُ من طلبِ العلمِ، لا، طلبُ العلمِ أفضلُ من نوافلِ العباداتِ. إذا قالَ لشخصٍ: أنا سأصومُ النهارَ وأقومُ الليلَ، لكن مع هذا الصيامِ مع هذا القيامِ لا أستطيعُ معه طلبَ العلمِ، وإذا طلبتُ العلمَ لا أستطيعُ أصومَ النهارَ وأقومَ الليلَ، الصيامُ النوافلُ وقيامُ النوافلُ، بماذا تنصحني؟ أقولُ: أنصحكَ بأن تطلبَ العلمَ، بأن تطلبَ العلمَ. وإذا جمعتَ فهذا هو الحمدُ لله، طلبُ العلمِ مع نوافلِ العباداتِ، لكن الإنسانَ ما يستطيعُ أن يجمعَ بين هذا، ما الذي يقدمهُ؟ يقدمُ طلبَ العلمِ، يقدمُ طلبَ العلمِ. ما الذي يُعيقُ العلمَ إلا مع شربِ الشايِ وشربِ القهوةِ؟ نقولُ: شربُ القهوةِ وشربُ الشايِ وطلبُ العلمِ، لكن مع السهرِ ما يستطيعُ أن يطلبَ العلمَ، يريدُ الشايَ ويريدُ القهوةَ ويريدُ كذا، نقولُ: شربُ الشايِ وشربُ القهوةِ وطلبُ العلمِ، مع الطعامِ كلِ الطعامِ وطلبُ العلمِ، وهكذا مع القيامِ. فطلبُ العلمِ من أعظمِ ذكرِ اللهِ سبحانه وتعالى، ولذلك كانَ العلماءُ يفضلونَ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ، كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكبِ. قال: «ولا تقلِ الصبا فيهِ امتهالٌ وفكرٌ، كم صغيرٍ قد دفنتَ». وهذا يقعُ عند كثيرٍ من الشبابِ، يقولُ: عادتنا شبابٌ، أنا الآن في أيامِ الصبا، في أيامِ القوةِ، في أيامِ النشاطِ، أتمتعُ بشبابي، أتمتعُ بالصبا، أذهبُ هنا وأذهبُ هناك، لهواياتٌ، هوايةٌ كذا وهوايةٌ كذا، وبعدين خيرٌ، وبعد ذلك خيرٌ، لا بلغتِ الأربعينَ وبدأَ الشيءُ يطلعُ، سنينَ تلكَ كلها نجعلها للطاعةِ والعبادةِ. هذه شبهةٌ شيطانيةٌ، الشيطانُ يقولُ لكَ هذا، وما يدريكَ يا عبدَ اللهِ أنك ستبقى إلى الأربعينِ؟ ألم تُدفنْ كثيراً من الصغارِ؟ كم دُفنَ من الصغارِ؟ كم دُفنَ من أولادِكَ وهم صغارٌ؟ ممن ماتَ لهُ أولادٌ، وكم دُفنَ من الصغارِ؟ قال جل وعلا: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: 5]. قال العلماءُ: قدمَ اللهُ جل وعلا ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ على ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ إشارةً إلى أن الذين يموتونَ قبلَ أرذلِ العمرِ هم أكثرُ ممن يموتُ على أرذلِ العمرِ. الكثيرُ يموتُ الذي مثلاً بلغَ الثمانينَ وبلغَ التسعينَ أو بلغَ السبعينَ، كم عددُ الذين يموتونَ وهم قبلَ هذا السنِّ أكثرُ؟ هل تدري يا عبدَ اللهِ أكثرُ من يموتُ هو من لم يبلغِ إلى أرذلِ العمرِ؟ وما يدريكَ؟ ورحمَ اللهُ القائلَ: تزودْ من الدنيا فإنكَ لا تدري ** إذا جنَّ ليلٌ هل تبقى إلى الفجرِ فكم من صغارٍ يرتجى طولُ عمرِهِمْ ** وقد أدخلتْ إيسادَهُمْ ظلمةَ القبرِ وكم من عروسٍ زينوها لزوجِها ** وقد أخذتْ أرواحَهُمْ ليلةَ القدرِ إذن كم من صغارٍ يرتجى طولُ عمرِهِمْ أن يكونَ هذا طبيباً، وأن يكونَ هذا عالماً، وأن يكونَ هذا مهندساً، وأن يكونَ هذا كذا، وأن يكونَ هذا، وهم صغارٌ ماتوا. وكم من صغيرٍ يرتجى طولُ عمرِهِمْ، وكم من صغارٍ يرتجى طولُ عمرِهِمْ وقد أدخلتْ أجسادَهُمْ ظلمةَ القبرِ. فلا تقترْ يا عبدَ اللهِ. سبعةٌ يظلهمُ اللهُ في ظلهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلهُ: إمامٌ عادلٌ، وشابٌ نشأ في عبادةِ اللهِ. ألا ترجو أن تكونَ من هؤلاء الشبابِ الذين نشأوا على طاعةِ اللهِ، حفظوا القرآنَ منذ نعومةِ أظفارِهِمْ وهم صغارٌ، تربوا على حفظِ كتابِ اللهِ، على سنةِ رسولِ اللهِ عليه الصلاة والسلام، على الخيرِ، على الطاعةِ، على العبادةِ، ابتعدوا عن هذه المصائبِ والفتنِ؟ ما نجنيه اليومَ في بلادِنا أو في سائرِ بلادِ الإسلامِ إلا بسببِ هذا التقصيرِ في هؤلاء الشبابِ، لما تركَ كثيرٌ من الشبابِ ولم يعلموا كتابَ اللهِ، سنةَ رسولِهِ عليه الصلاة والسلام، والعلمَ الشرعيَّ، ها نحن الآن نجني. أكثرُ ما يعاني بلادُ، يعاني أهلُ الإسلامِ في سائرِ بلادِ الإسلامِ من الشبابِ الذين لم يُحرصْ عليهم، وينشأوا النشأةَ الصالحةَ، لم يتربوا على المساجدِ، على القرآنِ، على حلقةِ العلمِ، فصاروا مفاتيحَ شرٍّ لأممِهِمْ ولمجتمعاتِهِمْ. يعاني أهلُ الإسلامِ اليومَ من أمثالِ هؤلاء، فاللهَ اللهَ في الصغارِ. هؤلاء قد كبروا، صاروا شباباً، ما بقيَ إلا النصحُ لهم والدعاءُ لهم، لكن نحرصُ في الجيلِ القادمِ ممن سيصيرُ شباباً من هؤلاء الصغارِ، لا نتركهم في الشوارعِ، لا نتركهم في الفتنِ، لينشأَ هؤلاء الذين هم أطفالُ اليومِ شبابَ الغدِ، يرفعون رايةَ الإسلامِ، ويعتزون بدينِهِمْ، وينشرون الخيرَ والأمنَ والطمأنينةَ، ويتقلدون المناصبَ، ويتولون المسؤولياتِ فيتقونَ اللهَ جل وعلا فيها، فينشأُ الخيرُ للأمةِ كلها. نسألُ اللهَ جل وعلا أن يرفعَ عنا الفتنَ والمحنَ، وأن يبصرَ أهلَ الإسلامِ بدينِهِمْ، وأن يكفينا شرَّ الأشرارِ. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.