الدرس في فتاوى ابن باز في العقيدة 8، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستهل الشيخ ابن باز رحمه الله الدرس بشرح آيات تدل على علو الله على خلقه وإحاطة علمه بالسر والعلن، مبيناً عظمة الكرسي وأن معية الله لخلقه بعلمه لا بذاته. كما يوضح دلالة حديث الجارية على إثبات العلو لله تعالى، وأن إقرارها بذلك كان سبباً في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعتاقها.
يواصل الشيخ تقرير أن الله سبحانه محيط علمه بأعمال العباد وهو المعبود في السماء والأرض، مطلع على نجواهم بمعية علم لا بذاته، مع إثبات استوائه على عرشه بلا تشبيه. ويقرر وجوب اتباع منهج السلف الصالح في إثبات الصفات على الوجه اللائق بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
يبين الشيخ المعنى الصحيح لكون الله إلهاً في السماء والأرض، مفسراً آية الكرسي وحديث الجارية لتأكيد أن معية الله لخلقه هي معية علم وإحاطة لا اختلاط ولا حلول. ويوصي في ختام هذا المحور بمراجعة العقيدة الواسطية وشرحها للهراس للتفصيل في هذه المسائل العقدية الدقيقة.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء لله أن ينفع الحاضرين بما سمعوا، وأن يجزي الإمام ابن باز خيراً ويرحمه ويسكنه فسيح جناته. ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه، مع الوعد بمتابعة الأسئلة في درس قادم إن شاء الله.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذه أسئلة أجاب عنها فضيلة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى، وهي أسئلة في العقيدة. قال رحمه الله تعالى: من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم، سلمه الله. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأشير إلى كتابكم الذي جاء فيه: نرجو من فضيلتكم توضيح معاني الآيات الكريمة التالية: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 3]. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255]. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 84]. ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: 7]. وحديث الجارية الذي رواه مسلم، حينما سألها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: «أين الله؟» فقالت: في السماء. وقال لها: «من أنا؟» قالت: رسول الله. قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «أعتقها فإنها مؤمنة». نرجو توضيح معاني هذه الآيات الكريمة، وتوضيح معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم للجارية. وأفيدك بأن المعنى العام للآيات الكريمات والحديث النبوي الشريف هو الدلالة على عظمة الله سبحانه وتعالى وعلوه على خلقه، وألوهيته لجميع الخلائق كلها، وإحاطة علمه وشموله لكل شيء، كبيرا كان أو صغيرا، سرا أو علنا، وبيان قدرته على كل شيء، ونفي العجز عنه سبحانه وتعالى. وأما المعنى الخاص لها: فقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ففيها الدلالة على عظمة الكرسي وسعته، كما يدل ذلك على عظمة خالقه سبحانه وكمال قدرته. وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ أي: لا يثقله ولا يكبده حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة، ذليلة، صغيرة بالنسبة إليه سبحانه، محتاجة وفقيرة إليه، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب، العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ فيها الدلالة على أن المعبود الله في السماوات وفي الأرض، يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السماوات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغبا ورهبا، إلا من كفر من الجن والإنس. وفيها الدلالة على سعة علم الله سبحانه واطلاعه على عباده وإحاطته بما يعملونه، سواء كان سرا أو جهرا، فالسر والجهر عنده سواء سبحانه وتعالى، فهو يحصي على العباد جميع أعمالهم، خيرها وشرها. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ معناه: أنه سبحانه هو إله من في السماء وإله من في الأرض، يعبده أهلهما، وكلهم خاضعون له، أذلاء لله بين يديه، إلا من غلبت عليهم الشقاوة فكفروا بالله ولم يؤمنوا به، وهو الحكيم في شرعه وقدره، العليم بجميع أعمال عباده سبحانه. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ معناه: أنه مطلع سبحانه على جميع عباده أينما كانوا، يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ويعلم أعمالهم، ورسله من الملائكة الكرام الكاتبين الحفظة أيضا مع ذلك يكتبون ما يتناجون به، مع علم الله به وسمعه كله. والمراد بالمعية المذكورة في هذه الآية عند أهل السنة والجماعة: معية علمه سبحانه وتعالى، فهو معهم بعلمه، محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء، مع أنه سبحانه فوق جميع الخلق، قد استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه خلقه في شيء من صفاته، كما قال عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. ثم ينبئهم يوم القيامة بجميع الأعمال التي عملوها في الدنيا، لأنه سبحانه بكل شيء عليم، وبكل شيء محيط، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 3]. أما حديث الجارية التي أراد سيدها إعتاقها كفارة لما حصل منه من ضربها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أين الله؟» قالت: في السماء. قال: «من أنا؟» قالت: رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». فإن فيه الدلالة على علو الله على خلقه، وأن الاعتراف بذلك وبرسالته صلى الله عليه وآله وسلم دليل على الإيمان. هذا هو المعنى الموجز لما سألت عنه. والواجب على المسلم أن يسلك في هذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحيحة الدالة على أسماء الله وصفاته، مسلك أهل السنة والجماعة، وهو الإيمان بها، واعتقاد صحة ما دلت عليه، وإثباته له سبحانه على الوجه اللائق به، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وهذا هو المسلك الصحيح الذي سلكه السلف الصالح، واتفقوا عليه. كما يجب على المسلم الذي يريد السلامة لنفسه، تجنيبها الوقوع فيما يغضب الله، والعدول عن طريق أهل الضلال الذين يؤولون صفات الله أو ينفونها عنه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاهلون علوا كبيرا. ونرفق لكم نسخة من العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وشرحها للشيخ محمد خليل الهراس، لأن فيها بحثا موسعا في الموضوع الذي سألت عنه. ونسأل الله أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل به، وأن يوفق الجميع لما يرضيه، إنه سميع مجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه إجابات من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وبيان لمعاني هذه الآيات، لأن هذه الآيات ربما يستدل بها على باطل، منها: أن الله في كل مكان مثلا، أو كذلك أن الله جل وعلا مع خلقه مختلط بهم، وغير ذلك. فبين رحمه الله تعالى الأجوبة على الإشكالات التي ربما أشكلت على من أشكلت عليه من هذه أو في هذه الآيات، فبينها رحمه الله تعالى بيانا شافيا. فبين ما يتعلق بقوله سبحانه وتعالى أنه إله في السماء وإله في الأرض، أي: أنه هو المعبود، يعبد أهل السماء ويعبده أهل الأرض، وليس معناه أن هناك إلها في السماء وإلها في الأرض، لا، الله واحد، إله واحد في السماء وفي الأرض، يعني: يعبده من ألوه في السماء ومن ألوه في الأرض، أي: يعبده أهل السماء من الملائكة وغيرهم، ويعبده أهل الأرض بمن فيها. وهكذا ما يتعلق بآية الكرسي، في بيان الكرسي، الدال على عظمة الله لعظم الكرسي، وبيان كمال الله، كمال صفاته، وعظمة الرب جل وعلا، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولا يدخل عليه شيء من حفظ عباده، وغير ذلك من هذه المعاني العظيمة. وبين ما يتعلق بحديث الجارية، وأنه فيه إقرار من النبي عليه الصلاة والسلام للجارية بالإيمان، لأنها شهدت أن الله جل وعلا في السماء، أي: في العلو، وأنه رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبين كذلك ما يتعلق بالآيات التي ربما فهم منها من ضل معية الرب جل وعلا لخلقه، وأنه مختلط بهم، بين المراد بالمعية بفهم السلف: معية العلم، ومعية الإحاطة، وغير ذلك من معاني المعية في لغة العرب، لأن المعية لها معاني في لغة العرب لا تقتضي الاختلاط، فالقمر معنا وهو في علوه، ويقال: القمر معنا، والله معنا وهو جل وعلا في علوه، كما بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم. فهذا هو خلاصة ما أجاب عنه رحمه الله تعالى عن هذه الأسئلة التي فيها هذه الآيات التي لم تفهم الفهم الصحيح الموافق لما كان عليه السلف، ولذلك أرشد السائل إلى العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام مع شرحها للهراس، لأنها عقيدة عظيمة، قد بين شيخ الإسلام فيها أمورا عظيمة تتعلق بهذا الموضوع، ما يتعلق بالجمع بين علو الله ومعيته سبحانه وتعالى لخلقه، وفهم السلف في ذلك. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قرأنا وبما فهمنا من كلام هذا الإمام العالم رحمه الله، وأن يجزل له المثوبة. نسأل سبحانه وتعالى أن يتغمده برحمته، وأن يسكنه فسيح جناته. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وإلى سؤال آخر في درس لاحق، والله أعلم. سددكم الله.