الدرس في شرح أصول السنة 14، الدرس الرابع عشر : (وبقوم يخرجون من النار بعدما صاروا فحماً ... والأحاديث التي جاءت فيه والإيمان بأن ذلك كائن). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ موضوع الشفاعة وخروج أهل المعاصي من النار، موضحًا أقسام الشفاعة. يثبت أهل السنة الشفاعة لأهل الكبائر بينما ينكرها الوعيدية.
المسيح الدجال رجل من بني آدم له صفات محددة وردت في الأحاديث الصحيحة، مثل كونه أعور العين ومكتوب بين عينيه كافر. هناك أقوال متعددة في سبب تسميته بالمسيح.
يتبع المسيح الدجال أكثر اليهود والأعاجم والنساء والأعراب لقلة العلم عندهم، وقد وصف النبي خوارق عاداته. أمر النبي بالتعوذ من فتنته وقراءة أواخر سورة الكهف.
يُحذّر من عدم الاستعداد للمسيح الدجال حيث قد يفتتن به حتى من يظن نفسه مؤمنًا، ويُنبّه إلى أهمية الاستعداد له.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي الكلام على بعض مباحث الشفاعة، وكان مما علمناه أن الشفاعة تنقسم إلى قسمين: الشفاعة المنفية، وشفاعة مثبتة. فما هي الشفاعة المنفية؟ المنفية، لا، المنفية أولًا ما هي؟ التي رفع صوتك، والتي لا تتوفر فيها الشروط. طيب، والمثبتة ما توفرت فيه الشروط وتطلب من الله سبحانه وتعالى. وما هي هذه الشروط؟ ما هي هذه الشروط؟ الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له، والإذن بالشفاعة. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَبِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا أَحْتَرَقُوا وَصَارُوا فَحْمًا﴾. نعم، كذلك أخذنا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَصَّ علينا قصة بشفاعات، ما هي هذه الشفاعات التي قَصَّ بها؟ ها، موسى، الشفاعة العظمى، نعم، الشفاعة لأهل الموقف بأن يُقضى فيهم، فيتراجع الأنبياء حتى ترجع للنبي عليه الصلاة والسلام. الثانية: الشفاعة لعمه أبي طالب. الثالثة: الشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة. والشفاعة لعمه أبي طالب يخرج من النار، ها، تخفيف، نعم، تخفيف. أما عند القبورية: أنه يخرج من النار، وليس بذلك حديث صحيح. الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم إنما هو في التخفيف عنه من عذاب النار بما يغلي به دماغه. وهكذا قال رحمه الله تعالى: ﴿وَبِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا احْتَرَقُوا وَصَارُوا فَحْمًا وَيُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى نَهْرٍ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ﴾ كما جاء في الأثر، يعني كما صحت به الأحاديث. وقلنا: الأثر يطلق على الحديث، ويطلق على ما أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام أو عن الصحابة. والمراد بذلك: الأحاديث الواردة في هذا الباب، وهي كثيرة، منها ما جاء عن نبي سعيد، وعن نبي هريرة، وعن غيرهما رضي الله تعالى عنهم جميعًا وأرضاهم. وهذا الموضع هو الموضع الذي أنكره الوعيدية، فإن الوعيدية زعموا أن أهل المعاصي والكبائر لا يخرجون من النار. وأما أهل السنة فهم يقولون: هم تحت المشيئة، إن شاء الله عفى عنهم فأدخلهم الجنة، وإن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم ثم أدخلهم الجنة لوجود أصل الإيمان، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ولهذا فإن باب الشفاعة أنكره الوعيدية؛ لأنه يخالف أصلهم الباطل، يخالف أصلهم الباطل في إمضاء الوعيد، وهو أحد أصولهم الخمسة التي زعموا أنها من أصول الدين، وهي بالحقيقة من أصول المبتدعين وليست من أصول الدين. ولحديث هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومنها ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله صريحًا، كما جاء من حديث جابر وغيره، وجاء عن جماعة معناه: عن جماعة من الصحابة: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». فهذا عن النبي عليه الصلاة والسلام صريح في أن أهل الكبائر يشفع لهم. وهكذا كذلك في حديث أبي هريرة بمعنى حديث أبي سعيد: في أنه يقال للملائكة فتشفع، وللأنبياء فيشفعون، وللشهداء فيشفعون، وهكذا لصالح المؤمنين فيشفعون، ومنهم نبينا عليه الصلاة والسلام، أي من الأنبياء فيشفع، فيخرجون من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، حتى يقول الرب جل وعلا بعد ذلك: «بقيت شفاعتي»، فيقبض قبضة، فيخرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط. فاستره العلماء، يعني بقي عندهم أصل الإيمان، بقي عندهم أصل الإيمان، لم يعملوا خيرًا قط، وعندهم أصل الإيمان، فيرمون في نهر يقال له نهر الحياة. الحديث بطوله، وأصله في صحيح مسلم. وفي هذا دليل على أن أهل المعاصي يخرجون من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والأنبياء وصالح المؤمنين. وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات الشفاعة على هذا المعنى. وأما الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فإنهم ينكرون الشفاعة بهذا المعنى، ولكنهم يثبتون شفاعة منفية. وهذه الشفاعة المنفية كما مر معنا إنما هي في حق المشركين، وبحسب علم المشركين. قال رحمه الله تعالى: «كيف شاء الله وكما شاء»، كيف شاء الله؛ لأنه سبحانه وتعالى الخالق، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. كيف شاء وكما شاء إذا أراد شيئًا قال له: «كن»، فيكون، ولا يعجزه شيء سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء قدير. وقوله: «إنما هو الإيمان به والتصديق به»، يعني الواجب على المسلم الإيمان والتصديق، وأن يستسلم لكل ما ورد في هذا الباب، لا يعارض بلمى ولا كيف. وليس معنى ذلك أن هناك معارضة، ولكن معنى ذلك أنه ينبغي أن يتم التسليم، وإلا في الحقيقة إذا تأمل المنصف بعلم فإنه سيجد أنه لا معارضة أبدًا بين ما جاء في الأدلة الشرعية وما يأمله بعقله. فالعقل الصحيح لا يخالف النقل الصحيح الصريح. قال رحمه الله تعالى: «والإيمان أن المسيح الدجال خارج، مكتوب بين عينيه كافر»، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى بن مريم عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد. وهكذا من أصول أهل السنة والجماعة: الإيمان بالمسيح الدجال وخروجه، وكل ما جاء في خبره، كما جاءت بذلك الأدلة من الكتاب ومن السنة المجملة والمبينة. وأدلة ذلك كثيرة، فمن أدلة الكتاب: وجاء مجملًا قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. وهكذا كذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأحاديث الكثيرة في ذكر المسيح الدجال. ومع كثرة هذه الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدجال، إلا أن هذا من العلم الذي ينسى ويضيع في آخر الزمان، حتى لا يكاد يذكر منه شيء. ولهذا نبه العلماء أنه ينبغي على أهل العلم أن يكثروا من ذكر أحاديث الدجال؛ فإنه من العلم الذي ينسى، وأن نسيانه وذهابه علامة من علامات قرب الساعة، وهو كذلك إيذان بزوال العلم. فمن العلم الذي يزال ويذهب ويختفي ويضيع على أكثر الناس: أمر المسيح الدجال، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، وأنه يفتتن به ناس كثير. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأمر بالتعوذ منه، كما مر معناه في حديث عائشة، ومعناه في حديث أبي هريرة، وأصله في الصحيحين. فمن صفات المسيح الدجال أولًا: سمي المسيح مسيحًا، وقد اختلف أهل العلم في سبب هذه التسمية إلى أقوال كثيرة، أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين قولًا، بل أوصلها صاحب القاموس إلى أكثر من خمسين قولًا. ولكن أقرب هذه الأقوال ترجع إلى أمرين اثنين دلت عليه الأحاديث الصحيحة، كما سيأتي. الأمر الأول: أنه يمسح الأرض، يعني يطوف بالأرض في مدة قصيرة، يقطع الأرض كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه يمد له في زمنه. وقيل: المسيح؛ لأنه ممسوح العين، لأنه ممسوح العين، كما ستأتي بذلك الأحاديث. فمن هذه الأحاديث: ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم أُري المسيح الدجال في منامه عليه الصلاة والسلام، فوصفه لأصحابه: إذا به رجل جسيم أحمر، جعد الرأس. ومعنى جسيم: أي متين. وأحمر: يعني ليس بالأبيض ولا بالأسمر، ولكن فيه حمرة. وجعد الرأس: يعني أن شعره جعد، وهو أشد ما يكون من الجعودة في الرأس. وسيأتي كذلك بعض الألفاظ التي تدل على ذلك. قال: «جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عنبة طافئة». قالوا: «هذا الدجال». قال: «أقرب الناس به شبها: ابن قطن، رجل من خزاعة». وهذا الحديث الذي في الصحيحين فيه هذه الصفات للمسيح الدجال: أنه رجل من الناس، لا كما يظن كثير من الناس. وهذا من العلم الذي زال، صار الكثير من العامة اليوم يظن أن المسيح الدجال ليس من بني آدم، وأنه يخرج على هيئة ليست على هيئة بني آدم، وهذا ليس بصحيح، بل هو إنسان من بني آدم، ورجل شاب، له صفات بني آدم. بل وأنه رجل من الناس يكون بين الناس. وأول خروجه كما سيأتي: أنه أول خروجه يكون بغضب يغضبه، ثم بعد ذلك ينفلت على المسلمين وعلى الناس، فيكون الفتنة التي أرادها الله جل وعلا وشاءها لحكمة بالغة سبحانه وتعالى. ومن هذه الأحاديث: وابن قطن - للتنبيه - ابن قطن رجل من خزاعة جاهلي مات قبل الإسلام، هذا هو الصحيح الذي جاء في أكثر الأحاديث الصحيحة. وأما ما جاء في مسند الإمام أحمد من رواية المسعودي: أنه قال: «فقال رجل: أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: لا، أنت مسلم وهو كافر». فهذه الزيادة ضعيفة، زادها المسعودي، وقد اختلط، وإنما هو في حديث آخر، فاختلط الحديثين على المسعودي. ومن هذه الأحاديث: ما جاء في الصحيحين في تحذير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المسيح الدجال، حتى قال عليه الصلاة والسلام حين ذكر الدجال: «أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة». وفي هذا الحديث: أنه أعور العين اليمنى. وجاء في بعض الأحاديث: أنه أعور العين اليسرى. وجه الجمع بينها: بعضهم رجح رواية اليمنى؛ فهي أصح. وبعضهم جمع بينها: بأن عينه اليمنى عوراء لا يرى بها، وعينه اليسرى فيها عيب، فصار كلتا العينين فيها عيب، أحدهما يرى بها، وأحدهما لا يرى بها. ومن هذه الأحاديث: ما جاء بحديث النواس بن سمعان، وحديث ابن عمر كذلك في الصحيحين. ومن هذه الأحاديث: ما رواه الإمام مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المسيح الدجال، فقال: «فهو شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزة بن قطن». فقوله: «أنه شاب قطط»: يعني أنه يبعث يوم يبعث ويخرج للناس وهو رجل شاب، وهو رجل شاب، فهو من بني آدم، ويكون شابًا حين يخرج على الناس ويفتنهم. وأنه أعور، وعينه اليمنى طافئة. وأشبه الناس به: عبد العزة بن قطن. وهكذا من هذه الأحاديث كذلك: ما جاء في صحيح مسلم من حديث العبادة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر: «أنه رجل قصير، أفجع، أجعد». وهذه تؤكد الصفات الأولى. فأجعد بمعنى قطط، وهو شديد الجعودة. وهكذا من هذه الأحاديث: ما جاء في الصحيحين من حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر: «أنه مكتوب بين عينيه كافر». وجاء في رواية في مسلم من حديث أنس، وهكذا معناه من حديث حذيفة: «أنه مكتوب بين عينيه كاف، فاء، راء»، تهجاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنه يقرأها كل مؤمن، قرأ أو لم يقرأ، يعني تعلم القراءة أو لم يتعلم القراءة. وفسر ذلك بعض أهل العلم بتفاسير مما يقرب به المعنى. ما ذكره بعضهم: أن الذي لا يقرأ يعلم المسيح الدجال بصفاته، فإذا رأى هذه الأحرف وهو يعرف الأحرف، فإذا رأىها على جبهته بين عينيه فإنه يعلم أنه المسيح الدجال الذي أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. وأما من لم يكن عنده علم فإنه لا ينتبه، ويطمس الله على بصره وعلى بصيرته، فلا يرى هذا الذي هو مكتوب بين عينيه، سواء قرأ أو لم يقرأ، بل حتى لو قرأها لما انتبه لذلك، ولما وجد لها معنى؛ لأنه جهل العلم، وكذلك اغتر بفتنة هذا الدجال. ومن هذه الأحاديث كذلك: ما جاء في قصة تميم الداري في ذكر صفته، وهو حديث طويل رواه الإمام مسلم، وفيه من صفاته شيء كثير. وبه نعلم أنه كذلك حي موجود موثوق. والله جل وعلا أعلم في أي موضع هو؟ فقد رآه تميم بن أوس الداري، وصدقه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجمع الناس لذلك، كما في حديث فاطمة بنت قيس الفهرية. فإنها رضي الله عنها حدثت: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر مناديها، وأن ينادي: «الصلاة جامعة»، فاجتمعوا، فأخبرهم: «أنه لم يجمعهم لشيء إلا لأجل حديث سمعه من تميم الداري، فحدث به، وأمر تميم أن يحدث الناس الحديث». ومن صفاته كذلك: ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد: «أنه لا يولد له»، أي أن المسيح الدجال لا يولد له، لا يكون له ولد. ومن صفاته كذلك: أن أول بعثه للناس بغضب يغضبه، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عائشة، ومعناه من حديث عبد الله بن عمر: فإنه يكون بين الناس يعيش بين الناس، وأول ما يبعث بين الناس بغضب يغضبه، فيجد نفسه أنه يملك ما لا يملك الناس، يعني يقدره الله جل وعلا بعد أن لم يكن قادرًا، يقدره الله بعد أن لم يكن قادرًا. وهكذا كذلك من صفاته: أن أكثر من يتبعه هم اليهود، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أنه يتبعه من اليهود سبعون ألفًا»، وفي بعض الروايات: أكثر من ذلك. وقصه من يهود أصبهان، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس. وهذا صح عنه عليه الصلاة والسلام: أن أكثر من يتبعه كذلك العجم، يعني الأعاجم. وفي هذا دليل على أن من سبب فتنة من يفتتن بالمسيح الدجال: قلة العلم؛ لأن مواطن ومواضع قلة العلم عند اليهود، وعند الأعاجم الذين ابتعدوا عن العلم، فكان ذلك سببًا في فتنتهم به؛ لما يرون من خوارق العادات ما لم يعهدوه من قبل، فيفتتنون بهذه الخوارق، فيفتتنون بهذه الخوارق. فإنه عنده جنة، وعنده نار، ويأمر الأرض أن تزرع فتزرع، والسماء أن تمطر فتمطر، ويحيي بعض الموتى. وهكذا جاء في الأحاديث: أنه يفتتن به الأعراب، أن أكثر من يفتتن به الأعراب، حتى أن الأعراب يأتي إليه فيمتنع أن يؤمن به، فيقول له: «أحيي أبويك فتؤمن بي»، يقول: «أحيي أبويك فتؤمن بي»، فيقول: «نعم». قال: «فيتمثل له الشيطانان في صورة أبويه، كأنهما قد حييا، فيؤمن به ذاك الأعرابي، فيؤمن به ذاك الأعرابي». وقد روي هذا عند ابن ماجة بإسناد صحيح. وهذا من صفاته: أنه يتبعه أكثر من يتبعه النساء. وفي هذا دليل كذلك وتأكيد لما سبق: أن الذين يتبعونه أكثرهم من الجهال؛ لأن النساء مضان الجهل، هن مضان الجهل عن العلم الشرعي، فلذلك أكثر من يفتتن به كذلك النساء، كما جاء معناه في حديث عبد الله بن عمر، فيما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح: «أنه أول ما يخرج يخرج بالسبخة - وادي مر قناة - وهو وادي مشهور معروف بالقرب من المدينة - أنه يخرج في ذاك الموضع، فيفتن الناس بما يكون معه - يعني من خوارق العادات - قال: حتى يصير الرجال يربطون نساءهم - ربطًا - يعني في البيوت - يربط الرجل أمه وأخته وعمته وخالته؛ لكثرة تهافت النساء إليه؛ لأن النساء يسمعن برجل ظهر في الأرض عنده خوارق العادات، هذا يقول: نبيه، ويصدقه، وهذا يقول: هو رب العالمين، فيذهب إليه ويؤمن به ويصدقه، فيتهافت النساء لهذا الشيء، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الذي حدث به عبد الله بن عمر». فهذه الأحاديث كلها تبين لنا خطورة وفتنة المسيح الدجال. ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالتعوذ منها، في الأحاديث الكثيرة التي مر معنا بعضها: كحديث عائشة، وحديث أبي هريرة. وكان مسعود يأمر بعض بنيه: إذا صلى ولم يذكر هذا الدعاء في آخر تشهده أن يعيد الصلاة، وذلك تأكيد لإبقاء هذا العلم في ذريته، تأكيد لإبقاء هذا العلم في ذريته، رحمهم الله ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وهنا يناسب أن ننبه بتنبيهين: التنبيه الأول: ما جاء من الأحاديث بذكر ابن صياد، وأنه هو المسيح الدجال. فقد جاءت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يظن أو أنه قال في بعض الأحاديث: «أنه المسيح الدجال». وهذه الأحاديث التي فيها هذا المعنى: الصحيح أنها كانت في أول أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قبل أن تنزل عليه علامات المسيح الدجال. ولأجل هذا التبس على بعض الصحابة، بل وبعض أهل العلم، حتى ظنوا أن ابن صياد هو المسيح الدجال، وأنه يبعث مرة أخرى، حتى قيل لبعضهم: «إن المسيح الدجال يبعث، وأخبر تميم أنه حي، وقد مات ابن صياد»، فقال: «وإن مات». قال: «وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لا يدخل مكة والمدينة، وقد كان ابن صياد في المدينة»، قال: «وإن دخل المدينة». قال: «وقال: إنه لا يولد له - يعني المسيح - وقد ولد لابن صياد». بل ذكر العلماء: أنه كان لابن صياد. فإن ابن صياد كان رجلًا يهوديًا يقال: اسمه صافي بن صياد، وقيل: عبد الله بن صياد، كان يهوديًا فأسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وولد له من الولد من هم على الإسلام، وصحح إسلامهم، ومنهم عمارة بن عبد الله بن صياد، روى عنه الإمام مالك رحمه الله من خيار أتباع التابعين، من خيار أتباع التابعين. وكان أبوه - كما قيل - بعد إسلامه صلح إسلامه. فالخلاصة الصحيح: أن ابن صياد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأجل يهوديته وكهانته وكثرة الصفات التي فيه تشبه بصفات المسيح الدجال، ظن في أول الأمر أنه المسيح الدجال، ثم أخبر بالصفات فترك ابن صياد. حتى لما قال عمر: «أفلا أقتله يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن يكنه لا تصلب عليه»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والتنبيه الثاني الذي ينبه عليه: هو أن التوقي من المسيح الدجال يكون بأمور، من أعظم هذه الأمور: تلخص في خصال ثلاث. أولها: العلم والعمل، أن العلم من أعظم الخصال التي بها يتوقى المسلم فتنة المسيح الدجال. وأنت ترى في هذه الأحاديث التي سبقت: كيف أن أكثر من يفتتن بالمسيح الدجال بما يظهر الله على يديه من خوارق العادات هم من الجهال. وأن أكثر من يفتتن به هم ممن يقل عندهم العمل بالعلم، ممن يقل عندهم العمل بالعلم. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن شابًا يأتي إلى الدجال فيسلط عليه فيقتله، ويفرقه في القتين، ويمشي بين تلك القتين، ثم يرده حيا، فيقول: آمنت بي - يعني أني رب - فيقول: لا، ما زدت يقينًا إلا أنك المسيح الدجال الذي أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وهذا الحديث يدل صريحًا أن العلم يبقى، أن بعض العلم يبقى، لكن عند قلة من الناس. وبعضهم ذكر فائدة في هذا الشاب: فإنه قال: ينشر من مفرق رأسه. قالوا: كان عند هذا الشاب عمل بالسنة؛ فكان يفرق شعره فرقتين، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا من الخصال التي تكون بها السلامة: التعوذ من فتنة الدجال، كما أمرنا في آخر صلاتنا نتعوذ من فتنة الدجال. وهكذا في دعائنا. ومن ذلك كذلك: ما جاء في صحيح مسلم: أن يقرأ أواخر سورة الكهف؛ فإنها مما يكون بها التعوذ والتوقي من فتنة الدجال. وأخيرًا: عدم الاستشراف للمسيح الدجال؛ فإنه يأتيه الرجل ويظن نفسه مؤمنًا، فإذا أتى عنده يفتتن به. نكتفي بهذا القدر، ونكمل ما تبقى في درس لاحق، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.