الدرس في أداء الحقوق 24، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن أهمية التحلل من الاعتداء على أعراض المسلمين، ويوضح أن أي اعتداء على العرض يعتبر ظلما. يشدد على ضرورة التحلل من هذه الذنوب لتحقيق الخلاص منها.
يشرح كيفية التحلل من المظالم مع مراعاة ردة فعل الشخص المظلوم، ويحدد متى يمكن مواجهته بالاعتذار ومتى يكون من الأفضل التوبة سراً والتعويض بالذكر الحسن.
يتناول مسائل التحلل من الأعراض وكيفية التعامل مع من ظلم أو تكلم في عرض مسلم، ويبين آراء العلماء في وجوب إعلام المظلوم أو التوبة بينه وبين الله.
يختم الدرس بالتأكيد على أهمية الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويشير إلى علم الله تعالى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، مواصل إخواني في الله عما تم ذكره حول التحلل من المحرمات الثلاث: من الدماء والأموال والأعراض، وانتهينا عما يتعلق بالدماء، وكيف أن التحلل من الدماء -سواء ما أدى إلى إزهاق الأنفس أو ما دون ذلك- فإن التحلل لابد منه. ننتقل إلى المحارم الثلاث: حرمة الأعراض. فأعراض المسلمين محرمة، وكما جاء في الأحاديث: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»، فعرض المسلم حرام. وفي سبيل حماية أعراض المسلمين كانت الشريعة بالمرصاد في حق كل من سولت له نفسه التناول والولوغ في أعراض المسلمين، فحرمة الغيبة، وحرمة النميمة، وحرمة السب، وهكذا القذف؛ لما في ذلك من التطاول والاعتداء على أعراض المسلمين. وإلا فالأصل، إخواني في الله، أن من حقوق المسلم على أخيه المسلم أن يذب عن عرضه. هذا الأصل أن المسلم يذب عن عرض أخيه المسلم. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة»، من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة. فمن نصرة المسلم بظهر الغيب أنك تذب عن عرضه. ننتقل إلى مسألة وهي التي تهمنا في هذا الباب: ما لو أن من المسلمين تطاول على عرض أخيه، ما الذي يجب عليه؟ أولا ينبغي أن يعرف أن هذا الاعتداء عبارة عن ظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة. ولا تظن، يا عبد الله، أن المظلمة إنما تنحصر في أنك ترميه بتهمة كذب وزور، كأنك تشيع بين الناس بأنه سارق وهو ليس بسارق، بأنه لص وهو ليس بلص، بأنه كذاب غشاش وهو ليس بذلك، أو ما هو أعظم من ذلك كأن ترميه بالزنا والفجور وفعل الفواحش ونحو ذلك. هذا صحيح من ظلم، لكن الظلم كذلك يدخل فيه ولو دون ذلك: الغيبة ظلم، النميمة ظلم، بل إساءة الظن بأخيك المسلم هذا اعتبر ظلما. وازدل العلماء بما جاء في الصحيح عندما أرشد نبينا -أو أمر نبينا عليه الصلاة والسلام- بجمع الزكوات من الناس، فنقل لنبينا عليه الصلاة والسلام أن جماعة منعوا الزكاة، وذكروا خالد بن الوليد، فلما وصل إلى أذن نبينا -أو إلى مسمعه عليه الصلاة والسلام- أن الناس يتهمون خالدا بأن خالد لا يؤدي الزكاة، قال عليه الصلاة والسلام: «إنكم تظلمون خالدا، إنكم تظلمون خالدا؛ فقد أحدث أدرعه في سبيل الله». كيف تطلبون من خالد أن يؤدي الزكاة وهو ماله كله في سبيل الله؟ الشاهد قال: «إنكم تظلمون خالدا»، سماه ظلما عندما ظن الناس أن خالد ما يؤدي الزكاة هروبا من الزكاة. إذن دل ذلك على أن أي اعتداء على عرض مسلم -سواء قل هذا الاعتداء أو عظم: قذف أو غيبة أو نميمة أو إساءة الظن- يعتبر ظلما. وهذا، يا عبد الله، يحتاج منك إلى تحلل. وقد مر ذلك أن الخلاص والفرار من شؤم معصية التطاول على الأعراض أنك تتحلل منها. وكيف يكون التحلل من الأعراض؟ يقول علماء: التحلل من الأعراض أنك تأتي إلى المظلوم -إلى من ظلمته بنميمة، إلى من ظلمته بغيبة وببهتان وبرميه بفجور ومجون- تأتي إليه وتتحلل منه، تقول: يا عبد الله أستسمحك عذرا، فقد تكلمت فيك وفي عرضك، وتناولت في أيام مضت عما يتعلق بنزاهتك، فالعفو والمسامحة ولا تأخذني. وهذا أنا بين يديك، ما تريد مني تتحلل منه، تخرج من إثمه ومن غضبه؛ حتى لا تلقى غضب الله سبحانه وتعالى. لكن هنا مسائل متعلقة بهذا التحلل نبه عليها العلماء. وهي أنك عندما تريد أن تتحلل ممن تتكلمت فيهم وتناولت أعراضهم، عليك أن تنظر في ردة فعل هؤلاء. فإن كان هؤلاء الرجل أنت تعرف وتعترف بأنك اعتديت على عرضه وتكلمت عليه ولحقت به بلسانك وشوهت سمعته، تعترف بهذا وتريد أن تذب إليه، فإن كنت تعرف منه أنه ما سيغضب وأنه ما سيأخذ في قلبه حقدا عليك وأنه سيفرح بهذا أنك جئت إليه وتسمحت منه، سيفرح بهذا. فقال علماء: هذا تأتيه، إذا لم تكن هناك فتنة تأتي إليه وتذكر له ما سبق. بل حتى بعض العلماء يرى أنه ما في داعي التفاصيل، تأتي له بجملة عابرة، يقول: يا أخي والله منزها وأنا قصرت في حقك ووقعت مني بعض الكلمات في عرضك فأستسمحك عذرا. فما في داعي أن تفصل: أنا في يوم كذا قلت كذا وكذا ورميتك بكذا وكذا. فما في داعي. فإن كنت تعرف أن هذا الرجل يتقبل منك ولا يكون في نفسه شيء، فلا بأس أنك تستسمح منه عذرا ولو بطريقة مجملة: أنا كنت في الماضي قلت كلاما عابرا وجرحتك بعض العبارات عند بعض الناس. لكن إذا علمت أن هذا الناس هم على هذا الحال -يعني أنت تكلمت على فلان وأنت تعلم أنك إن جئت إليه وأنك إن اعترفت بغيبتك وبتشويهك إياه أنه سيغضب وأنه سيحنق، بل أنه سيرعد وسيزبد وسيحمل عليك حقدا دفينا عليك وعلى أهلك وعلى أسرتك ما دامت السماوات والأرض إلى يوم القيامة، ما ينطفئ أبدا هذا الغضب الذي سيكون في صدره- أو أنه ربما يطالب بالتفاصيل، تقول له: أنت تحاول أن تقول لي أخي أنا أعذرني في الماضي تكلمت عليك. تقول له: أخي خلاص عفى الله عما سلف. ويقول لك: أشمعنى عفى الله عما سلف؟ أخي تحلل، إيش قلت عني؟ أسمع أعرف وأريد أن أتيقن هذه العبارات التي قيلت فيه صراحة. فإذا كنت ترى أنه سيعاتبك وسيتفصل ويبحث عن تفاصيل الماضي وأنت تعلم أن هذه التفاصيل فيها بلاء، فقال علماء: إذا كان هذا المظلوم سيطالب بالتفاصيل والتي ستجر عليك بالويلات والوبال، فالأفضل أنك لا تأتيه. أنت تعترف ولكن تب بينك وبين الله. أما ما دار بينك وبينه وما استطعت أن تقر عنده لوقوع الفتنة، فعليك أن تعوض. ما الذي تعوضه؟ قال علماء: أنك كما سببته وكما اغتبته في الماضي عليك أن تذكره بالحسنة في مستقبلك. يعني كما قلنا هذا الرجل أنا ما استطعت أواجهه لأنه سيغضب عليه، أنه سيعتب عليه، أنه سيكون حقدا وسأخسره. فما تفعل؟ تسكت، تتوب بينك وبين الله، وعليك أن تكثر من ذكره بالحسنة. يعني بتنزيهه، يا أخوة الله، يا أفضل رجال، طيب. تذكره بالحسنة، ما رأيت مثله عابدا زاهدا. إن صلى الله يحفظه. تذكره تكسر كما كنت تقصده بالماضي، أكسر من ذكره بالحسنة في المستقبل. فهذا فإن الحسنات يمحو السيئات. فتتبع السيئة بالحسنة. فهكذا الذي قال عليه العلماء. وهذا إن خشيت أن تحللك سيؤدي إلى فتنة. أما إذا كان ما في فتنة، فنرجع إلى الأمر الأول أنك تأتيه وتستسمح منه. هذه مسألة ثانية كذلك نبأ عليها علماء، وهي متعلقة بالتحلل: أنه إذا كان التعدي على عرض مسلم من المسلمين قد بلغ إلى هذا المظلوم قد بلغ -يعني مثاله مثل في مقامي هذا سمعت أن فلان بن فلان تكلم عليه، سمعت، بلغ أنه من خفار الثقات، تواثرت المجالس، بل بالأجهزة والكتب والإنترنت، وخبر انتشر، وعندي يقين أن هذا تكلم فيه، تكلم عليه ويشهر به، يرميني بعرضي وبنفسي وبعقلي بأني كذا وأني كذا. طيب بلغني هذا، ثم أراد ذلك أن يتوب. فيقول العلماء: إذا أراد ذلك أن يتوب وجب عليه أن يأتي إليه، وخاصة إذا بلغ؛ لأن ما يمكن لأنه قلبي محروق. يعني قد بلغني هذا عنه، بلغني، ليس مثل أول أو أول قد ما يبلغك شيء، لكن بلغني عنه وعرف أنه فلان تاب وحسنت توبته. طيب وأنا حقي وين؟ يعني كيف تاب بهذه السهولة وتاب وأناب وذهب إلى مسجد فلان ويصلي فيه ويتعبد الله، وأنا عرضي أصبح منتهكا بين الناس؟ فيقول العلماء: إذا كان المظلوم يعلم أنه قد ظلم من قبل جهة معينة، وهذه الجهة علمت أن المظلوم قد جاءته الأخبار، فينبغي أن يأتي وينبغي أن يستسمح منه حتى تبرد ما في نفسي. طيب بقي مسألة، وهي إذا أنا ما عندي خبر، ما عندي خبر، يعني فلان تكلم، لكن أنا ما عندي خبر فلان تكلم عليه، هل وجب أن يأتيني ويصرح لي؟ هذه مسألة فيها خلاف ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. عند تعليقه على حديث «من كان عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منها»، ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه المسألة: لو أن رجلا تكلم في رجل، فهل وجب عليه أن يأتي للمظلوم ويخبره؟ فذكر شيخ الإسلام النزاع في هذه المسألة، وبين أن هناك جماعة من أهل العلم أوجبوا ذلك، أوجبوا أنك تأتيه وتشعره وتخبره بأني قد تطاولت عليك، وهذا عرضك تستحل منه. ولكن شيخ الإسلام رحمه الله عقب بهذه المسألة، قال: ولكن ذهب الكثيرون من العلماء إلى عدم مشروعية ذلك، يرون إذا كان هذا المظلوم ما عنده خبر، فإنك ماذا؟ كما يقولون: تستسمح بينك وبين الله جل وعلا، ولا تشعره. أو نقول نرجع مثل أولى، فإن علم أن هذا المظلوم الإتيان إليه سيزيد من الفتنة، فإنك لا تأتي إليه ولا تشعره بشيء، وإنما تتوب ما بينك وبين الله جل وعلا. وكذلك تعوض عما ذكرت، إذا كان هذا كان في الإنترنت أنك شوهت سمعته، فعليك بالإنترنت كذلك، وفي النت عليك أنك ما تأتي بمحاسنه وتأتي بتزكياته وتأتي بفضائله؛ حتى تغطي عما بدر منك في طعنه في عرضه. هذا إخواني في الله مسائل سريعة متعلقة بالتحلل من الأعراض، فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.