كتاب الصيام من بلوغ المرام  4

كتاب الصيام من بلوغ المرام 4

الدرس في كتاب الصيام من بلوغ المرام 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث ابن عمر في رؤية هلال رمضان

يشرح المقطع حديث ابن عمر رضي الله عنهما في ترائي الناس لهلال رمضان، ويبين معنى "تراء" و"الهلال" وسنة الدعاء عند رؤيته، ثم يستخلص فائدة فقهية وهي كفاية شهادة عدل واحد لإثبات دخول شهر رمضان، حيث قبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة ابن عمر وحده وأمر بالصيام.

عدد الشهود وشروطهم في ثبوت دخول رمضان وخروجه

يبيّن المقطع أن دخول شهر رمضان يثبت بشاهد واحد عدل، بينما لا يثبت خروجه (ثبوت العيد) إلا بشاهدين مسلمين عدلين بالغين عاقلين، مستدلاً بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ومخصصاً بحديث ابن عمر. كما يوضح أن شهادة المرأة في رؤية الهلال تقبل وتعدل شهادة الرجل لكونها من باب الرواية لا الأموال، ويشترط في الشاهد الإسلام والبلوغ والعقل والعدالة.

استحباب ترائي الهلال ووجوب إشاعة خبر الصوم

يوضح المقطع استحباب خروج الناس لترائي الهلال لترتب الأحكام الشرعية عليه، ووجوب على ولاة الأمر إشاعة خبر دخول رمضان أو الفطر اقتداءً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يناقش سند حديث الأعرابي الذي رأى الهلال، مبيناً أن الراجح عند النسائي والترمذي أنه حديث مرسل ضعيف لجهالة الواسطة بين التابعي عكرمة والنبي صلى الله عليه وسلم.

ضعف حديث الأعرابي والاستغناء بحديث ابن عمر

الحديث المذكور لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي. ويكفي عنه حديث ابن عمر المتقدم الذي يحمل المعنى نفسه، لذا لا يثبت هذا الحديث من حيث الصياغة الحديثية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وبعد: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه "بلوغ المرام" في كتاب الصيام، الحديث الرابع: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تراء الناس الهلال، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود، وصححه الحاكم وابن حبان. أولاً: درجة هذا الحديث. حديث صحيح، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في "صحيح أبي داود". وبالنسبة لي، المعنى الإجمالي لهذا الحديث ومفرداته: يخبر ابن عمر أن الناس في زمنه، وفي ليلة الشك، تراءوا الهلال. ومعنى "تراء" من أفعال المفاعلة، والمفاعلة أي المشاركة. "تراء" من أفعال المشاركة مثل "تقاتل"، و"تشارك"، و"تداول". فهذه الأفعال تسمى أفعال المشاركة على وزن "تفاعل"، وتكون بين اثنين فأكثر. فمعنى "تراء الناس الهلال": أي جعل بعضهم يقول لبعض: "أنا أراه"، وبعضهم يقول: "لا، أنا أراه". فتشاركوا في رؤية الهلال. فهذا معنى قوله: "تراء الناس"، أي خرجوا، وكل واحد منهم يرى مطلع الهلال، وكل واحد يقول لصاحبه: "أنا أراه"، وهذا يقول: "أنا أراه"، إلى غير ذلك. وقوله: "الهلال". الهلال بكسر الهاء وتخفيف اللام، وجمعه "أهلة" كما في القرآن: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ﴾. "أهلة" جمع "هلال". ويسمى هلالاً لثلاث ليال من أول الشهر عندما يكون صغيراً في اليوم أو في الليلة الأولى والثانية والثالثة، فهذا يسمى هلالاً. ثم بعد ذلك يقال له: "قمراً". يقال له: "قمراً". فالهلال هو القمر في أول أيامه ولياليه: اليوم الأول والثاني والثالث، فيسمى هلالاً. وسمي هلالاً قالوا: لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته، يرفعون أصواتهم بالذكر. ولذلك من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء عند الترمذي من حديث طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن جده، أنه قال: كان رسول الله، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله». فكان الناس يرفعون أصواتهم بهذا الذكر إذا رأوا الهلال، وهي سنة ينبغي لأهل الإسلام، ولأهل السنة خاصة، أن يحيوها. وهو ذكر من أذكار رؤية الهلال. وهذا الحديث صححه العلامة الألباني في "صحيح الجامع"، في "صحيح الترمذي". فسمي هلالاً لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته، فهو كالذي يهل بالحج أو العمرة عندما يرفع صوته بالتلبية. فسمي هلالاً. فـ "تراء الناس الهلال": خرجوا لرؤية الهلال، فرآه ابن عمر، عبد الله بن عمر الصحابي الجليل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى الهلال، فصام النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بصيامه. أي: اعتمد رؤية عبد الله بن عمر، وقبل شهادته، فصام عليه الصلاة والسلام، وأمر الناس بصيام شهر رمضان في هذه الليلة التي رأى فيها ابن عمر الهلال. هذا هو المعنى الإجمالي ومفردات هذا الحديث. والحديث فيه فوائد، فمن فوائد هذا الحديث: أن نصاب الشهادة في دخول رمضان يكفي فيها شاهد واحد. يكفي فيها شاهد واحد؛ لأن ابن عمر وحده رأى الهلال، ولم يشاركه في هذه الشهادة أحد، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل شهادته. استدل أهل العلم بهذا الحديث على أن نصاب الشهادة في دخول الشهر، شهر رمضان، يكفي فيها شاهد واحد. وأما خروج الشهر، فالصحيح أنه لا بد من شاهدين، لا بد من شاهدين، ولا يكفي شاهد واحد. ما هو الدليل على هذا؟ قالوا: الدليل على هذا حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وفي هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا». وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد والنسائي. «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا». طيب، قد يقول قائل: هذا الحديث فيه الصوم والإفطار، لأنه قال: «فصوموا وأفطروا». فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا. فذكر في هذا الحديث الصيام والإفطار. فلماذا ذكرت قبل أن دخول الشهر يكفي فيه شاهد واحد؟ نقول: نعم، يكفي فيه شاهد واحد لحديث ابن عمر، فيكون حديث ابن عمر مخصصاً لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. فحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فيه أن دخول الشهر وخروجه يشهد عليه شاهدان، يشهد عليه شاهدان. فأخرج دخول الشهر بحديث ابن عمر، حديث الباب، أنه رأى الهلال فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام فصام وأمر الناس بصيامه. وأما خروج الشهر فلم يرد فيه شيء، لم يأتِ حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة شاهد واحد في خروج الشهر، فنبقى على عموم حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب. فإذن الخلاصة، ومما دلت عليه الأدلة: أن دخول الشهر يكفي فيه شاهد واحد، وأما خروج الشهر فلابد فيه من شاهدين، ولا يكفي شاهد واحد. هذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم للأدلة التي ذكرنا في هذا الباب. وذكروا مسألة هنا: وهي لو أن امرأة رأت الهلال، فهل تقبل شهادتها، أم أن شهادتها تعدل نصف شهادة الرجل؟ الصحيح أن المرأة في هذا الباب، باب الشهادة في الرؤية، أن شهادتها كشهادة الرجل. أن شهادتها كشهادة الرجل. قالوا: لأن هذا من باب الرواية، وليس من باب الأموال أو غيرها مما يشترط فيه شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد. فهذا الباب مثل الرواية، والرواية يصح قبول المرأة، يعني رواية المرأة امرأة، ولا تعدل روايتها برواية رجلين، برواية نصف رجل. نعم، برواية نصف رجل. فدل ذلك على أن في الرؤية تصح شهادتها، تصح شهادتها. وفي هذا الحديث استنبط أهل العلم شروط الشاهد لثبوت دخول الشهر أو خروجه. فابن عمر مسلم، وهو عاقل، وهو بالغ، وهو عدل. فاشترطوا في الشهادة هذه الشروط: أن يكون الشاهد مسلماً، بالغاً، عاقلاً، عدلاً. بالغاً، عدلاً. فلا تقبل شهادة المجنون: لو جاء مجنون وقال: "أنا رأيت الشهر، صوموا"، لا، ما تقبل شهادته. ولا تقبل أيضاً شهادة الصبي، ولا تقبل أيضاً شهادة الكافر، ولا شهادة الفاسق الذي عهد عنه الفسق، وكذلك الكذب وغير ذلك، فهذا لا تقبل شهادته. فإذا من شروط الشهادة هذه الشروط الأربعة: أن يكون بالغاً، عاقلاً، مسلماً، عدلاً. والإسلام دل عليه حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، قال: «فإن شهد شاهدان مسلمان، مسلمان». وأما العقل والبلوغ فقد دلت عليه عموم الأدلة في أنه لا بد من اشتراط البلوغ والعقل في أحكام شرعية كثيرة. وفي هذا الحديث استحباب ترائي الهلال، يعني أن الناس يعتنون برؤية الهلال، خصوصاً إذا كان هناك مطلع يستطيع بعض الناس أن يرون من خلاله الهلال، فإنهم يتقصدون ذلك؛ لأن ابن عمر قال: "تراء الناس الهلال"، يعني خرجوا وتقصدوا رؤية الهلال، وتقصدوا رؤية الهلال. فاستدل أهل العلم بهذا على استحباب خروج الناس لترائي الهلال إذا يستطيعون ذلك؛ لأنه يترتب على هذه الرؤية أحكام شرعية من الصيام، ومن كذلك القيام، وإلى غير ذلك. فلذلك ينبغي على أهل الإسلام أن يعتنوا بهذا. وفي هذه الأزمان قد خصصت الدول والحكومات، يعني هيئات تقوم بهذا الجانب، ويتحرون رؤية الهلال، وهذا أمر موافق للسنة، موافق للسنة. أيضاً في هذا الحديث يستدل بهذا الحديث على أنه يجب على ولاة أمور المسلمين إشاعة خبر الصوم أو الفطر، أن يشاع هذا الخبر. ولله الحمد الآن في هذه الأزمان وسائل إشاعة الأخبار ميسرة، عن طريق الإذاعات، عن طريق كذلك الجوالات، الرسائل، وغيرها من الوسائل الحديثة الميسرة في هذا الزمان. ومن أين يؤخذ هذا الحكم؟ أنه يجب على ولاة أمور المسلمين إشاعة خبر الصوم أو الفطر. يؤخذ هذا من قوله: «فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بصيامه». إذن أشاع هذا الأمر، وأن غداً هو أول يوم من رمضان. فهكذا ينبغي لمن ولاه الله عز وجل أمر المسلمين أن يشيع هذا الأمر. قال: الحديث الخامس: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إني رأيت الهلال». فقال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال: «أتشهد أن محمداً رسول الله؟» قال: نعم. قال: «فأذن في الناس يا بلال أن يصوم غداً». رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، ورجح النسائي إرساله. هذا الحديث كما هو ظاهر من كلام الحافظ ابن حجر، وهو من أهل الحديث ومن المحققين من أهل الحديث، فذكر عن النسائي أن الراجح إرساله، وهذا هو الصحيح. فبالنسبة لدرجة الحديث: فهذا الحديث حديث مرسل. قال الترمذي بعد أن أورد هذا الحديث: لأن المراد بالخمسة: أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. هذا قد تقدم معنا في اصطلاحات الحافظ: إذا قال "رواه الخمسة" فالمراد أصحاب السنن الأربعة مع الإمام أحمد، مع الإمام أحمد. فقال الإمام الترمذي بعد إيراده لهذا الحديث: "حديث ابن عباس فيه اختلاف، وأكثر أصحاب سماك يرونه عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم". يعني: عكرمة ليس بصحابي، بل هو تابعي يروي عن ابن عباس وعن غيره. فهنا أتى هذا الحديث عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، فالحديث مرسل. والحديث المرسل هو ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما أضافه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو من قسم الحديث الضعيف، وهو من قسم الحديث الضعيف. لماذا؟ للجهل بحال هذه الواسطة بين التابعي وبين النبي صلى الله عليه وسلم. فليس جزماً أن هذه الواسطة هو صحابي، قد يكون صحابياً، وقد يكون تابعياً، والتابعي قد يكون ثقة وقد يكون ضعيفاً. فللجهالة في مصطلح الحديث يعد الحديث المرسل من قسم الحديث الضعيف، من قسم الحديث الضعيف. فهذا الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وضعفه كذلك من المعاصرين من أهل الحديث العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في "ضعيف سنن الترمذي". وهذا الحديث يكفي ويغني عنه حديث ابن عمر المتقدم، حديث ابن عمر المتقدم. ففيه معنى هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث معناه صحيح، لكن من حيث الصياغة الحديثية فهذا الحديث لا يثبت. وبهذا نكتفي، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.