المحاضرة بعنوان كلمة الأخ الفاضل أبو هاشم الشحري، الثلاثاء ٦ شوال ١٤٣٤هـ بمسجد السنة بديس المكلا ألقاها
افتتح المتحدث الدرس بالحمد والثناء على الله شاكراً نعمة اجتماع القلوب والأبدان في مسجد لدراسة ما ينفع في الدين والدنيا. وأثنى على حضور أهل العلم والفضل مثل الشيخ عبد العزيز البرعي.
بين المتحدث أن المحافظة على الأوطان من أعظم نعم الله وواجب شرعي وفطري يوفر مقومات الحياة ومأوى للعبودية. وأكد أن الحنين للوطن فطرة أودعها الله في النفوس مستدلاً بآية الخلق من الأرض وحديث قبضة آدم من ترابها.
أوضح المقطع أن الإسلام أقر الناس على تنوعهم العرقي والقومي دون إكراه عند بعثته. واستشهد بصحابة من أصول متنوعة كبلال الحبشي وسلمان الفارسي وصهيب الرومي دليلاً على قبول الإسلام لهذا التنوع.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، إخواني في الله، فإننا نحمد الله جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه وتعالى على ما أعطى وأسدى، وعلى نعمه التي علينا تترى، نحمده سبحانه وتعالى على آلائه العظيمة، وعلى نعمه الوفيرة التي لا تعد ولا تحصى، فلله الحمد حمداً من بعد حمد، نحمده جل وعلا بما من به علينا وعلى الناس بمثل هذا الاجتماع المبارك الميمون، إذ اجتمعت الأبدان والأجساد، وقبل ذلك القلوب، في بيت من بيوت الله في مذاكرة ومدارسة ما ينفعنا في ديننا ودنيانا. وإن هذه النعمة لتعظُم قدراً وحظاً بمشاركة أهل الفضل من أهل العلم والحلم، كأمثال شيخنا الفاضل عبد العزيز البرعي، حفظه الله تعالى ورعاه، وسدد الله على الخير خطاه. وهكذا بمشاركة جماعات من إخواننا من أهل السنة، دعاة ومشايخ وطلاب ومحبين، فإن ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ولكن أكثر الناس لا يشكرون، وأكثر الناس لا يعلمون، فلله الحمد من قبل ومن بعد. فنسأل المولى جل وعلا أن يجعل هذا الاجتماع ذخراً لنا في دنيانا وأخرانا، وأن يبارك في جهود من قام بمثل هذا الاجتماع في تحضيره واهتمامه وإكماله. إخواني في الله، حديث معكم خلال هذه الدقائق المعدودة عن موضوع مهم ملح، مما قل من يشير إليه أو من ينبه عليه، ألا وهو المحافظة. قد تتبادر الأذهان: المحافظة على الدعوة، المحافظة على الدين، المحافظة على الشعائر الإسلامية، المحافظة على الإخوة، وإن كان ذلك من صميم دين الله عز وجل، لكن إخواني في الله أعني بهذه المحافظة: المحافظة على الأوطان. إخواني في الله، إن من عظيم إنعام الله جل وعلا على العبد أن يهيئ له أرضاً يعيش فيها، ووطناً يستقر فيه، يجد فيه مقومات الحياة من طعام وشراب، ومأكل وملبس، وقبل ذلك أن يجد مأوى يا عبد الله يقيم فيه العبودية لله جل وعلا. إنه ما من أحد إخواني في الله إلا ويرى الانجذاب إلى أهله، الانجذاب إلى وطنه، إلى بلده، وذلك من صميم الفطرة. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «الغريب متى ما ذكر بوطنه حن إليه». وهذا الحنين إخواني في الله يدخل ضمن الفطرة التي جعلها الله في قلوب العباد، فإن النفوس مفطورة على الانجذاب لبلدها ووطنها. وكيف لا، فإن الأرض يا عبد الله هي من تركيبة بدنك، من تركيبة جسمك، ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. بل لعظم تأثير الأرض على جسدك يا عبد الله أن له أثراً في أحاسيسك، في مشاعرك. ثبت في السنن من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب». فانظر يا عبد الله إلى عظم تأثير الأرض على مكوناتك، على أحاسيسك، على مشاعرك. فإخواني في الله، فالانتماء موجود، والأسف من أن هذه المواضيع ما يتعلق بعلاقة الإنسان بالوطن أصبحت أنظار الناس تكتنفها بين نظرتين، على طرفين: قيد من الناس من يرى أن كلمة «وطن» يرى أن هذه كلمة من صنع الاستعمار، وأنها لا تُذكر، وأن ليس لها حظ من الشرع، وأن هذه الكلمة يراد منها دسيسة يخطط لها أعداء الدين لكي يقسم الأمة إلى دولة ودولات، وأن هذا تمهيد للنزعات. فسبحان الله، وهل تناسى هؤلاء أن الإسلام ما جاء إلا والناس أمم، على دول، على أقاليم، كل بعاداته، كل بأعرافه، كل بأسلافه، وجاء الإسلام وأقر هؤلاء على ما هم عليه؟ ألم يقر الإسلام على أن يكون بلالاً حبشياً، وسلمان فارسياً، وصهيباً رومياً