شرح أصول السنة للرازيين 29

الدرس في شرح أصول السنة للرازيين 29، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

مسألة اللفظ بالقرآن وموقف الإمام أحمد

يشرح المقطع تفصيل مسألة اللفظ بالقرآن والفرق بين الملفوظ والتلفظ، مبيناً أن الإمام أحمد سد باب الخوض فيها نفياً وإثباتاً لكونها لفظاً مجملاً يثير الفتنة. ثم يسرد قصة فتنة الإمام البخاري في نيسابور حين امتحن بمسألة اللفظ فأجاب بالتفريق بين كلام الله وأفعال العباد ورفض الامتحان مما أدى إلى تشغب القوم وتفرق مجلسه.

محنة الإمام البخاري في نيسابور

تفجرت فتنة في نيسابور عندما اتهم الإمام الذهلي البخاري بالقول بخلق اللفظ بالقرآن، فهجره أهل السنة هناك بضغط من الذهلي وامتنع شيوخ كابن حبان وأبي زرعة عن الرواية عنه. تنقل البخاري بعدها بين البلدان حتى مات غريباً في بخارى، ودافع عنه ابن القيم معتبراً إياه أعلم بالمسألة وأولى بالصواب من مخالفيه.

موقف الإمام أحمد والبخاري وابن القيم من لفظ القرآن

يشرح المقطع موقف الإمام أحمد في منع إطلاق لفظ مخلوق على القرآن نفياً وإثباتاً سداً للذريعة، وتفريق البخاري بين كلام الله غير المخلوق وأفعال العباد المخلوقة، وتوضيح ابن القيم والقحطاني ذلك نظمًا. كما يستخلص فوائد المحنة من خطورة الألفاظ المجملة، وأخذ الناس بلازم القول لا بقوله، وسوء الفهم والنقل كأسباب للفتنة، ووجوب الإصلاح بين المختلفين.

خطر سوء النقل وأهمية التثبت والاعتصام بالكتاب والسنة

يحذر النص من مخاطر سوء النقل والتحريف المتعمد لكلام العلماء، مبيناً كيف يؤدي ذلك إلى تمزيق صف أهل السنة وإيغال الصدور، ويؤكد على صفات أهل السنة بأنهم أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق. يدعو إلى التثبت في النقل، وحسن الظن، وتأليف القلوب بالاعتراف بالإحسان، والاعتصام بحبل الله متقين مخلصين، مجتنبين الفرقة على الأهواء والفتن.

موقف المسلم من الخلافات التاريخية بين الصحابة

كل أمة مسؤولة عن أعمالها ولا يُسأل الناس عما فعل السلف، فنحن لسنا حكاماً بينهم بل ندعو الله أن يرحمهم ويغفر لهم، ونطلب العفو عنا وعنهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لا زلنا في هذا الجزء النافع وهذا الكتاب الجليل الذي أملاه الإمامان الجليلان الحافظان الكبيران: أبو حاتم محمد بن إدريس الحنضلي الرازي، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهم الله تعالى وغفر لهما، فيما أجمع عليه علماء الأمصار في زمن السلف الماضي. وهذان العالمان من علماء القرن الثالث الهجري، رحمهم الله تعالى وغفر لهما، ولسائر علمائنا المسلمين. أملاه على تلميذهما الإمام الكبير أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رحمه الله تعالى وغفر له. وكنا في مسألة خلق القرآن، ومسألة اللفظ. وتقدم أن موقف الأئمة، رحمهم الله تعالى، أن كلام الله غير مخلوق، وأن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم. ثم ختم، رحمهم الله تعالى، بمسألة اللفظ، قالا رحمهم الله تعالى: «ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي»، أو «القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي». تقدم أن هذا سئل عنه الإمام أحمد فأجاب بمثل هذا الجواب، وقال في بعض فتاويه: «هذا شر من قول الجهمي»، أي الذين يخوضون في مسألة اللفظ. تقدم أن اللفظ في هذا الموضع كلمة مجملة، قد يراد بها الملفوظ، وقد يراد بها التلفظ وهو فعل العبد. وإن نظرت إلى هذا القصد فلك جواب مغاير للجواب الآخر. اللفظ يطلق على الملفوظ، ويطلق على فعل العبد وكسبه ونطقه. فإذا نظرت إلى فعل العبد وكسبه فلفظك وتلفظك بالقرآن مخلوق ككتابتك. قال تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فالصوت صوت القارئ، واللفظ لفظ القارئ، والملفوظ والمسموع كلام الباري سبحانه وتعالى. وإذا نظرت إلى أن اللفظ المراد به الملفوظ وهو القرآن، فهذا هو قول الجهمية: القرآن مخلوق، وهو كفر بالله سبحانه وتعالى. إذن اللفظ يراد به التلفظ، ويراد به الملفوظ، يراد به فعل العبد، ويراد به كلام الرب، ولكل من الحالين جواب. يستحق في زمن الإمام أحمد، رحمه الله، سد الإمام أحمد الجواب في هذه المسألة، فكان رحمه الله يقول: «من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي»، ومن قال غير مخلوق بدعه الإمام أحمد، نفياً وإثباتاً. الإمام أحمد ينكر الخوض في هذه المسألة سواء بالإثبات أو بالنفي. ولهذا لما كان الحسين بن علي الكرابيسي كان يقول: «لفظي بالقرآن مخلوق»، فقال أحمد: «جهمي يهجر». فقال الحسين بن علي الكرابيسي: «لفظي بالقرآن غير مخلوق»، فقال الإمام أحمد: «مبتدع يهجر». قال: «لا ندري ما نفعل مع هذا الصبي»، يعني أحمد بن حنبل: «إن قلنا مخلوق قال جهمي ويهجر، وإن قلنا غير مخلوق قال يهجر وبدع». ما وجه الخطأ في كلام الكرابيسي؟ ما وجه الغلط في كلام الكرابيسي؟ هذه مسألة مهمة. هذا اللفظ مجمل، لفظه بالقرآن مخلوق، استعمال للفظ مجمل لا يمكن أن تطلق الجواب لا نفياً ولا إثبات إلا باستفصال متكلم به: ماذا قصدت باللفظ؟ فهو لفظ مجمل. فإن أردت به الملفوظ والقرآن المتلو والمسموع فهذا عين قول الجهمية: القرآن مخلوق، وهذا كفر. وإن أردت به فعل العبد فهذا صحيح، لكنه خطأ من وجه آخر، وهو أن هذه اللفظة محتملة، فالذي يسمعك إن لم تبين له يفهم منها مذهب الجهمية. وعلى أي حال فالألفاظ المجملة التي توجب البلبلة يجب تركها وعدم الخوض فيها، لأنها يحملها كل إنسان على ما أراده وإن لم ترده أنت. فسد الإمام أحمد وغيره من الأئمة هذه المسألة نفياً وإثباتاً. لكن إن جئنا إلى تحقيق القول فيها، فتحقيق القول فيها أن يفصل ويميز فعل العبد عن كلام الرب. ميز بين فعل العبد وبين كلام الرب: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فالمسموع هو كلام الله، وإن تلفظت به، وإن أنت أسمعته إياه. فاللفظ يطلق لفظاً مجملاً على هذا وهذا. هذه طريقة الإمام أحمد، رحمه الله تعالى وغفر له، في هذه المسألة. ونظراً لأنها لفظة مجملة، وغالب الفتن تكون من الألفاظ المجملات، غالب الفتن التي تحدث في الأمة تحدث من الألفاظ المجملات. حصل في آخر عمر الإمام البخاري فتنة عظيمة له، رحمه الله تعالى، ومات بها مظلوماً، رحمه الله تعالى. وذلك أنه عزم على أن يعود إلى بلاد المشرق، فوصلت الأخبار أن الإمام الجليل أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري قادم إلى نيسابور. ونيسابور اليوم في نواحي إيران، في بلاد إيران، وكانت بلدة عامرة بالسنة وبأهلها، كان أهل القرون الأولى على مذهب السلف، كانوا حنابلة الأصول كما يقول بعض أهل التراجم. وكان إمام نيسابور هو الإمام الجليل محمد بن يحيى الذهلي، رحمه الله، من تلامذة الإمام أحمد ومن علماء السنة. فكان يقول: «اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح استقبلوه». فاستقبله أهل نيسابور على مرحلتين وعلى ثلاث مراحل. يقول الإمام مسلم، رحمه الله: «لا أعلم عالماً ولا ملكاً ولا أميراً ولا إماماً استقبل من قبل أهل نيسابور بمثل ما استقبل به أبو عبد الله البخاري». وكانوا ينثرون على رأسه، يعني وهو يمر، الدراهم والدنانير وقطع السكر، إظهاراً لتعظيم العلم وأهله. وحصل له مجلس عظيم جداً في نيسابور لم يسمع بمثله، فيه طلاب العلم وفيه أهل العلم. ثم جرى من أمر الله ما جرى، والروايات مختلفة في سبب الفتنة، سيأتي ذكر المقالة التي بها حصلت هذه الفتنة. فقيل إن بعض مشايخ نيسابور دخلهم الحسد لما رأوا انجماع الطلبة إلى محمد بن إدريس، إلى محمد بن إسماعيل البخاري، رحمه الله، حتى ضعف الحضور في مجالسهم، فشق ذلك عليهم، فقالوا: «امتحنوه بمسألة اللفظ واسألوه في المجلس العام عنه». هكذا نقله بعض أهل العلم في بعض الروايات والطرق. وفي الحلقة وذلك المجمع العظيم الذي لا يكاد أن يرى مثله، قام رجل فقال: «يا أبا عبد الله، اللفظ، ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟ يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق أم غير مخلوق؟» فأعرض الإمام البخاري عن جوابه. فقام مرة أخرى فقال: «يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟» فأعرض عنه البخاري، رحمه الله تعالى، ولم يجبه. ثم قام في الثالثة فقال: «يا أبا عبد الله، ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أم غير مخلوق؟» فقال البخاري: «القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوق، والامتحان بدعة». هذه الثلاث جمل: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوق، والامتحان بدعة. فشغب الرجل في المجلس، وشغب الناس، وتفرق ذلك الجمع وتلك الحلقة، وقعد البخاري في منزله، رحمه الله تعالى وغفر له. في رواية أن البخاري لما سئل: «اللفظ بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق؟» ساق لهم بسنده، قال: «حدثني عبيد الله بن سعيد، أبو قدامة، عن يحيى بن سعيد القطان، قال: أعمال العباد كلها مخلوق». هذا الجواب: «أعمال العباد كلها مخلوق». فمرقوا عليه في المجلس، وحصلت فوضاء عظيمة وضوضاء وصخب في المجلس. فأرسلوا إلى البخاري أن يرجع عن قولك هذا، يعنون أنك تقول: «اللفظ بالقرآن مخلوق»، فارجع عن قولك هذا حتى تعود الحلقة كما كانت. فقال البخاري: «لا أفعل ذلك إلا أن تجيء بحجة فيما تقولون أقوى من حجتي». ثم ساق مرة أخرى بسنده عن يحيى بن سعيد القطان، قال: «ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: أفعال العباد مخلوق». قال البخاري: «حركاتهم وأصواتهم واكتساباتهم وكتاباتهم مخلوق، فأما القرآن المتلو المثبت في المصاحف المسطور في الكتب الموعى في القلوب فهو كلام الله غير مخلوق. قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾». الإمام الجليل محمد بن يحيى الذهلي كان إمام أهل السنة في بلاد نيسابور، وكان معظماً للإمام البخاري، كان يسأله عن دقائق علم العلل وعن دقائق علم الرجال، وكان البخاري يجيبه ويمر فيها. ولم يمضِ شهر على مثل هذا حتى قام في حلقته، أي الإمام محمد بن يحيى الذهلي، وقال للناس: «قد أظهر هذا الرجل ما أظهر من مذهب اللفظ، فمن حضر مجلسه فلا يحضرن حلقتنا ولا مجلسنا». هذا، رحمهم الله تعالى جميعاً، وحصلت فتنة. قال الذهلي: «نهيناه عن ذلك لكنه لم ينته، فلا تقربوه، فمن يقربوه فلا يقربنا». وابتلي محمد بن إسماعيل وهجر من قبل أهل السنة في بلد نيسابور، لعظم مكانة الإمام الذهلي، رحمه الله تعالى. تكلم الإمام الذهلي في مجلسه، وكان إمام أهل السنة في نيسابور، وقال: «من قال القرآن مخلوق فهو جهمي كافر بالله العظيم، يُتبين منه زوجته، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولا يقبر في مقابر المسلمين، وماله فيء للمسلمين». ثم قال الذهلي، رحمه الله: «ومن زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه». هكذا قال محمد بن يحيى الذهلي. فقام دون الناس مسلم بن الحجاج ورجل آخر، دون سائر طلاب العلم من أهل نيسابور. أما عن موقف الإمام البخاري، رحمه الله، فإنه من أشد الناس كلاماً في الجهمية، حتى قال: «نظرت في كلام اليهود وفي كلام النصارى فما رأيت أحداً أضل كفراً من الجهمية، وإني لأستجهل من لا يكفره». هكذا يقول أبو عبد الله البخاري، يعني أظنه جاهلاً، هذا الذي يشك في كفر الجهمية. قال محمد بن نصر الإمام المشهور: «قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: إنهم يزعمون أنك تقول: لفظي بالقرآن مخلوق». قال البخاري: «من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله». هكذا أجاب الإمام أبو عبد الله البخاري، رحمه الله تعالى: «من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب». فقلت له: «يا أبا عبد الله»، يقول الإمام محمد بن نصر المروزي: «فقلت له: يا أبا عبد الله، قد خاض الناس في هذا وأكثروا». فقال أبو عبد الله البخاري: «ليس إلا ما أقول لك»، أي أنني لم أقل هذه اللفظة ولم تخرج من لساني، فقلت للناس: «لفظي بالقرآن مخلوق». في رواية الإمام مسلم، رحمه الله تعالى، لهذه الفتنة العظيمة التي جرت للإمام البخاري، رحمه الله تعالى، وهجر من أهل السنة فيها، قال: «قال محمد بن يحيى: أيها الناس، يقدم عليكم محمد بن إسماعيل البخاري، فمن أراد أن يحضر مجلسه فليحضر، ومن أراد أن يستقبله فليستقبله». فاستقبله الناس من أهل نيسابور على مرحلتين وعلى ثلاث مراحل. قال مسلم: «ما رأيت أهل نيسابور فعلوا ذلك لا بملك ولا بإمام ولا بأمير ولا بغير ذلك مثل ما فعلوه مع الإمام محمد بن إسماعيل البخاري». ثم قال محمد بن يحيى: «ولا تسألوه عن مسائل الكلام، فإنه لو أجاب بخلاف ما نحن عليه، فإنه لو أجاب بخلاف ما نحن عليه خالفناه، فشمت بنا كل رافضي في نيسابور، وشمت بنا كل حروري في نيسابور، وشمت بنا كل جهمي في نيسابور، وشمت بنا كل مرجئ بخراسان، أو كما قال». رحمه الله تعالى وغفر لهم جميعاً. أصل هذه المسألة: البخاري كان يقول: «إن محمد بن يحيى حسدني». هكذا كان يقول الإمام البخاري، رحمه الله تعالى. الذهبي يقول: «البخاري أخذ بلازم قوله، فإنه لما سئل عن اللفظ بالقرآن مخلوق، أخذ يستدل على أن أفعال العباد مخلوق، ففهم الذهلي وغيره أنه يقرر الانتصار لمسألة أن اللفظ بالقرآن مخلوق، فأخذوه بلازم قوله، أخذوه بلازم قوله». حتى إن الإمام أبا حاتم وأبا زرعة، لما وصل البخاري بعد ذلك إلى بلاد الري، إلى بلاد الري التي ينسب إليها الرازي، على خلاف القياس، هم من بلاد يقال لها الري، والنسبة إليها رازي، هذا على خلاف القياس، هكذا سمع، من بلاد الري يقال: رازي. وصل فسمع منه الإمام أبو حاتم والإمام أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم، رحمهم الله تعالى. ثم جاءتهم رسالة من الإمام محمد بن يحيى الذهلي: «إن محمد بن إسماعيل لما كان عندنا في نيسابور أظهر مسألة اللفظ فتركوه». فترك الإمام أبو حاتم والإمام أبو زرعة الرواية عن الإمام البخاري، رحمهم الله تعالى جميعاً. ضاقت الدنيا على الإمام البخاري، رحمه الله تعالى، حتى إنه في آخر عمره تنقل من بلد إلى بلد حتى وصل إلى بخارى، وامتحن مرة أخرى في بخارى مع أميرها، فإنه طلب منه أن يقدم إلى منزله بصحيح البخاري، بصحيحه وكتبه، ليقرأها ويسمعها من فيه هو وأبناؤه. فقال الإمام البخاري: «لا أهين العلم، فإن شئت أن تأتي إلى المسجد فتجلس وتتعلم مع المسلمين، وإلا فمنعني من الحديث، أجلس في بيتي لا أحدث أحداً». وخرج من بخارى أيضاً. وفي الطريق سأل الإمام البخاري ربه، وخفق صدره جداً أن يتوفاه، فسقط من على ناقته وقد أراد أن يركبها مغشياً عليه ميتاً، ودفن ببخارى، رحمه الله تعالى. بخارى اليوم هي في بلاد طشقند، وإن بلاد طشقند هذه، بلاد طشقند هي اليوم في نواحي روسيا، هي في نواحي روسيا اليوم، قديماً كانت تعني ضمن ولايات الاتحاد السوفيتي قديماً. موجود قبره إلى الآن، معروف قبر الإمام البخاري، رحمه الله، فهو من بلاد طشقند، رحمه الله. ولا شك أن هذه المحنة: هم أهل سنة، وهو أهل سنة، كلهم من أهل السنة والجماعة. الإمام ابن القيم له كلمة نقرأها جميلة، قال رحمه الله تعالى في كتابه «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة»: «والبخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب من جميع من خالفه، والبخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب من جميع من خالفه، وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله»، من «أبي عبد الله أحمد بن حنبل». قال رحمه الله: «فالبخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب من جميع من خالفه، وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله»، أي في مسألة اللفظ. قال رحمه الله تعالى: «فإن الإمام أحمد، رحمه الله، سد الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق فيها نفياً وإثباتاً، نفياً وإثباتاً، منع إطلاق لفظ المخلوق فيها نفياً وإثباتاً على اللفظ. وهذا المنع في النفي والإثبات من كمال علمه باللغة وبالسنة، وتحقيقه لهذا الباب، فإنهم امتحنوا بما لم يمتحن به غيره، وصار كلامه قدوة وإماماً لحزب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. والذي قصد أحمد أن اللفظ يراد به أمران: يراد به أحدهما الملفوظ نفسه، وهو غير مقدور للعبد، وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له، والثاني التلفظ به والإداء، وفعل العبد. فأطلق الخلق على اللفظ، إطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني، فمنع رحمه الله تعالى من إطلاق هذين الأمرين، منع رحمه الله من الإطلاقين». قال رحمه الله تعالى: «وأبو عبد الله البخاري ميز وفصل وأشبع الكلام في ذلك، وفرق بين ما قام بالرب وبين ما قام بالعبد، بين ما قام بالرب وبين ما قام بالعبد». قال رحمه الله: «وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم، ونفى المخلوق عن الملفوظ وهو القرآن الذي سمعه جبريل من الله تعالى. وقد شفى في هذه المسألة في كتابه «خلق أفعال العباد»، وأتى فيها من الطرق، من الفرقان والبيان، بما يزيل الشبهة، وأتى فيها من الفرقان والبيان بما يزيل الشبهة ويوضح الحق ويبين محله من الإمامة والدين، ورد على الطائفتين، أحسن الله إليه». هذا كلام ابن القيم، رحمه الله تعالى، في هذه المسألة العظيمة. ونظم، رحمه الله، في منظومته، نونيته التي تسمى بالكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، نظم هذه المسألة فقال: «وتلاوة القرآن أفعال لنا *** وكذا الكتابة فهي خط بناني لكنما المتلو والمكتوب والمحفوظ *** قول الواحد المناني والعبد يقرأه بصوت طيب *** وبضده فهما له صوتان وكذاك يكتبه بخط جيد *** وبضده فهما له خطان أصواتنا ومدادنا وأداؤنا والرق *** ثم كتابة القرآن» ولقد أتى في نظمه، يعني القحطاني محمد بن عبد الله، ولقد أتى في نظمه: «من قال قول الحق فيه وهو غير جبان *** إن الذي هو في المصاحف مثبت بأنامل الأشياخ والشبان *** هو قول ربي آيه وحروفه ومدادنا والرق مخلوقان» فشفى، أي القحطاني، رحمه الله، فشفى وفرق بين متلو ومصنوع، وذاك حقيقة العرفان: «الكل مخلوق وليس كلامه المتلو مخلوقا *** هما شيئان فعليك بالتفصيل والتمييز *** فعليك بالتفصيل والتمييز فالإطلاق والإجمال دون بيان *** فعليك بالتفصيل والتمييز فالإطلاق والإجمال دون بيان *** قد أفسد هذا الوجود وخبط الأذهان والآراء كل زمان» هذان البيتان من بدائع النونية التي فيها بيان سبب من أسباب اختلاف الناس: «فعليك بالتفصيل والتمييز *** فالإطلاق والإجمال دون بيان قد أفسد هذا الوجود وخبط الأذهان والآراء كل زمان» «وتلاوة القرآن في تعريفها بالله *** قد يعنى بها شيئان يعنى بها المتلو فهو كلامه *** هو غير مخلوق كذل أكوان ويراد أفعال العباد وصوتهم *** ويقال أفعال العباد كصوتهم وأدائهم وكلاهما خلقان» هذا الذي نصت عليه، هذا الذي نصت عليه أئمة الإسلام، أهل العلم والعرفان، وهو الذي قصد البخاري، الرضا، لكن تقاصر فهمه، لكن تقاصر قاصر الأذهان، وهو الذي قصد البخاري، الرضا، لكن تقاصر قاصر الأذهان عن فهمه، كتقاصر الأفهام عن قول الإمام الأعظم الشيباني في اللفظ، لما أنفض الدين عنه، قال: «لا تقول لفظي بالقرآن مخلوق ولا غير مخلوق». هنا لم يفهموا مراد الإمام أحمد، ولما أجاب البخاري لم يفهموا مراده، أخذوه بلازم قوله. وهو الذي قصد البخاري، الرضا، لكن تقاصر فهمه، لكن تقاصر قاصر الأذهان عن فهمه، كتقاصر الأفهام عن قول الإمام الأعظم الشيباني في اللفظ، لما أنفض الدين عنه، واهتدى للنفيذ عرفان: «فاللفظ يصلح مصدراً هو فعلنا *** كتلفظ بتلاوة القرآن فكذاك يصلح نفس ملفوظ به *** وهو القرآن فذان محتملان فلذاك أنكر أحمد الإطلاق في *** نفي وإثبات بلا فرقان» هكذا نظم ابن القيم، رحمه الله، هذه المسألة الجليلة. ومن قبل أشار إليها أيضاً الإمام محمد بن عبد الله القحطاني في نونيته. وهذه المحنة فيها فوائد عظيمة: منها أن من أعظم ما يمزق المسلمين التحاسد، التحاسد من أعظم ما يمزق الإسلام وأهله، عياذاً بالله. ومنها أن الألفاظ المجملة سبب عظيم لحصول اللبس حتى على من هم من أهل الفهم، فإن البخاري لم يقل: «اللفظي»، وإنما قال: «أفعال العباد، القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوق»، ففهم منه أنه يقرر اللفظ، وهذا لازم القول، ولازم القول ليس بقول حتى يلتزمه صاحبه، كما هي القاعدة. وفي هذه المسألة الجليلة أيضاً: أن من أكثر أسباب الفتن أخذ الناس بلازم قولهم، أخذ الناس بلازم قولهم. فتسمع كلام مخالف لك فتلتزم، فتستنبط لازماً لكلامه، فتقول: «إن هذا اللازم قوله»، وهذا ليس بقوله، إنما هو فهمك للازم قوله. وكان من العدل أن تقول: «يلزمه كذا»، فإن قال: «لا ألتزمه»، لم يجز لك أن تعيره أو تلزمه بما لا يلتزمه. ففرق بين القول وبين لازم القول. فلازم القول في كلام الناس ليس بلازم، ولازم القول في كلام الله لازم. هكذا قرر أهل العلم في تلك القاعدة المشهورة: «لازم القول في كلام الله لازم، لكن لازم القول في كلام البشر ليس بلازم، ليس بلازم». وفي هذه المحنة أيضاً: أنه ينبغي إصلاح ذات البين بين المختلفين. فكم من أناس يختلفون ويتمزقون، وإذا جمع أصل الخلاف وقعد بين المختلفين، وقيل: «ما تقول في دعواك هذا؟» لظهر أن الخلاف لفظي، أو أن الخلاف غير موجود أصلاً. ومع هذا تقوم سوق الفتن وتعترك المعارك بين الجيشين، بين منتصر ومنتصر له، وبين غالب ومغلوب، وبين قائم وبين قاعد. ولو جلسوا وتحاوروا وتكالموا في رفق ولين، وكونهم جميعاً من أهل السنة والجماعة، لظهر أن كثيراً من الخلاف إنما هو إما سوء فهم، أو سوء نقل، أو أخذ بلازم القوم. قد يكون سوء فهم: سمعت كلاما وفهمته بفهم سيء، قامت نيران الفتن واشتعلت وشبت وأحرقت أخضر البلاد ويابسها. أو سوء نقل: قد ينقل إنسان كلام إنسان على غير وجهه، فيكون في نقله سبباً للفتنة العظيمة. قال: «كيت وكيت وكيت»، فإذا ما التقى هذا عن الصفان، قال: «قلت كذا وكذا وكذا»، قال: «لم أقل والله هذا، ولم أتلفظ به، إنما قلت كذا وكذا وكذا». فحينئذ يظهر أن سوء النقل كان سبباً لفتنة عظيمة جداً. سوء النقل: يذكر الذهبي، رحمه الله، في بعض التراجم في بعض الناس، قال: «يسمع ما لا يقال، ويسمع ما لا يسمع، وينقل ما لا ينقل، ويكتب ما لا ينقل». يعني مثل هذا الصنف كيف يتعامل معه؟ إذا حدثته بحديث سمعك خطأ، وإذا أراد أن يتكلم بما سمعك خطأ نقله عن غير ذلك السمع محرفاً، يا ليته ينقله على وفق ما سمعه من الخطأ، لا ينقله برواية جديدة. وإذا أراد أن يكتبه، هذا الذي تلفظ به تسمعه منه بالكلام مغايراً لما كتبه، مغايراً لما تلفظ به. سبحان الله، في كل وجه الكلام مضطرب. سبحان الله، فسوء النقل سبب لتمزيق كثير من أهل العلم، وإيغال صدور كثير من أهل العلم، نسأل الله العافية والسلام. سوء النقل والأخذ بلازم القول: قال كلمة مثل البخاري: «أفعال العباد مخلوقة»، هذه كلمة حق، لكنه لما سئل عن اللفظ فقال: «أفعال العباد مخلوقة»، فهم أن لفظ العباد مخلوق أيضاً، وهذا لازم قول ليس بقول. ولهذا لما نقل، جلس الإمام الجليل، أعلم الأمة بالخلاف، أو من أعلم الأمة بالخلاف، محمد بن نصر المروزي، قال: «إنهم يقولون عنك إنك تقول: لفظي بالقرآن مخلوق». قال: «من قال عني إني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب». قال: «يا إمام، إنهم ينقلونه وقد أكثروا عليك فيه». قال: «لا أقول لك إلا ما قلته»، يعني أنا مصر أني لم أتلفظ بهذا اللفظ ولا قلت هذه الكلمة، لكني حين سئلت قلت: «القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوق»، هذا جواب فقط. فانظروا إلى مثل هذا الأمر وكيف يحصل مثل هذا الأمر. ولهذا الشيطان حريص على تمزيق أهل السنة والجماعة، وقد يوجد من أهل البدع والأهواء من يريد تمزيق أهل العلم، ويفرح بفرقتهم، بل إن هذا موجود، هذا موجود. فكان شأن العاقل أن لا يكترث بكل كلام ينقل، لا يكترث بكل كلام ينقل، ولا بكل قول يقال. وإذا عرفت عن الرجل السنة فلا تزحزح عنها إلا ببيان واضح، وجلوس، ومناصحة، وإعادة للكلام، وإفهام للحجة. ولهذا قال ابن تيمية، رحمه الله: «أهل السنة أعلم الناس بالحق»، هذه الصفة الأولى أنهم أعلم الناس بالحق. وهناك صفة أخرى أيضاً: وهي أرحم الناس بالخلق. فهما صفتان لأهل السنة والجماعة: أعلم الناس بالحق هم، وأرحم الناس بالخلق هم، أهل رحمة. ولهذا يقول ابن تيمية وابن القيم: «إنه كلما ازداد علم الرجل ازدادت رحمته»، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾. فسبحان الله الذي يوسع الصدور بكثرة العلم، بكثرة العلم وكثرة بيان السنة. فهنيئاً لمن كانوا مفاتيح للخير، مغاليق للشر. كم من أناس ربما تدعمهم دول لأجل تمزيق، تمزيق دعوات، بزرع أناس مهمتهم إشعال فتنة الفرقة، ومن مهماتهم المهمة نقل الكلام على غير وجهه، إيغالاً للصدور. ولهذا نقل الثقة في الفتنة ليس بحجة. بعض الناس يقول: «خبر الثقة، خبر الثقة في غير الفتنة حجة، لكنه في أزمان الفتن خبر الثقة ليس بحجة»، لكثرة سوء الفهم، وكثرة سوء النقل، وكثرة سوء القصد أيضاً. سوء القصد: كم من إنسان يكذب، عياذاً بالله، كم من إنسان يتعمد تحريف الكلام، يعرف الكلام، لكنه إذا أراد أن يحكيه حرفه لهوى في نفسه، لم ينقله كما سمعه، بل يحرف الكلام عن سوء قصد، عياذاً بالله. ولهذا مثل هذه الفتن يجب أن تذكر، ليعلم أن أهل السنة والجماعة أحرص الناس على الخلق، حريصون على هداية الناس. إذا سمعت بأخ لك قد أقبل على السنة فأقبل عليه، إن أقبل ذراعاً فأقبل عليه أمتاراً وكيلومترات، إن صحت التعبير. أما أن تبقى في محلك تنتظر أن يأتي إليك فهذا ليس من الإعانة في شيء، هذا ليس من الإعانة في شيء. الحبال قد تقطعت، والسبل قد تفاصلت، وهنيئاً لمن كان مفتاحاً للخير، معواناً للناس، معواناً للناس. ولهذا تجد أهل الإخلاص والحرص على الدعوة يحرصون على تأليف الناس، ويحرصون على كسبهم. من تقرب إليهم تقربوا إليهم. من قال بمقالات السنة عظموا حسنتهم، وقالوا: «جزاه الله خيراً». هذه الكلمة إذا قلتها واعترفت بالحسنة، قضى الله عز وجل على الشر العظيم. كم من قلوب تتألف إذا قيل: «أحسن فلان ابن فلان في المسألة الفلانية، جزاه الله خيراً على كتابه الفلاني، أحسن الله إليه، وجزاه الله خيراً على موقفه بكذا وكذا». نحن لا نكفر المعروف، ولا ننكر الإحسان والفضل أبداً، بل نعرف الفضل والإحسان حيثما كان. هذا من أعظم أسباب ألفة القلوب وجمع الكلمة، مع التناصح على الحق المبين، والتواصي بالصبر، مع غض الطرف. ليس كل شيء يحاسب عليه، ليس كل شيء يحاسب عليه، بل هناك أمور متغاضى عنها تترك، قد تكون ردة فعل لغضب، فلا تحاسب، ولا يحاسب عليها، ردة فعل لغضب. ولهذا في باب القضاء يُعفى عن ألفاظ السب، قال: «هذا ظالم»، فإذا قال للقاضي: «يا فلان، هذا سبني، وقال عني إني ظالم»، قيل: «ما سياق الكلام؟» قال: «كان لي عنده مظلمة فبخسني، فقلت: ظالم، أو حصل كذا ونقل لي كذا، فقلت: ظالم». متغاضى عن مثل هذه الألفاظ التي تكون بين الخصوم، ويقال: «هاتوا لب المسألة، ما سبب خلافكم، ما سر اختلافكم، في ماذا تختلفون، ماذا تنقمون يا فلان على فلان، ماذا تنقمون على زيد أو عمر من الناس، هاتوا ما عندكم في رؤوس أقلام بألفاظكم مكتوباً». فهذا والله من أعظم ما يقرب القلوب، ذا حرص الإنسان على تقوى الله عز وجل، على تقوى الله سبحانه وتعالى، في جمع كلمة أهل الإسلام، جمع كلمة أهل الإسلام على الحق. لا نقول الجمع على التميع، أو الجمع على الخطأ، لا، المراد الجمع على الحق. ولهذا ذكرنا عند الكلام على الفرق قول الله عز وجل في آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. هذا الأمر الأول الذي يحتاج إليه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ثم ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. من اتقى الله عز وجل، وكان من أهل التقوى في كلامه، في أفعاله، في أقواله، ينظر إلى أنه سيحاسب عند رب العباد، ويسأل عند رب العباد، يحتاج إلى جواب، ويحتاج أن يكون ذلك الجواب هو الصواب، وإلا حاسبه رب العباد حساباً شديداً، يحتاج أن يتحرى في مثل هذا الموضع غاية التحري. هؤلاء يصلح الله بهم، ويصلحون غيرهم، يصلحون غيرهم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. الاعتصام يكون على حبل الله، ليس على الأهواء، ولا على الحزبيات، ولا على الفتن، ولا على غيرها. فمثل هذه الفتن ذكرها مما يعين على أمور عظيمة لأهل الإسلام. فنسأل الله عز وجل، ولا نخوض في أعيان أهل العلم: «فلان قصد كذا»، حكينا ما جرى وفق ما نقل وجرى، وكلهم الآن بين يدي الله سبحانه وتعالى. ونقول كما قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون. نحن علينا كسبنا، ألفاظ وما نكتبه ببناننا، هذا الذي علينا. لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون. نحن لسنا حكماً عند الله بين هؤلاء، الحكم هو الله. ونحن ندعو لهم جميعاً، هم أئمتنا وتيجان رؤوسنا وسادتنا. فنسأل الله أن يرحمهم ويغفر لهم ويتجاوز عنهم، ولا يؤاخذنا بما نتكلم به، ويعفو عنا وعنهم، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.