المحاضرة بعنوان أحكام الزيارة وبدعها، وكانت بعد أذان العشاء من يوم الجمعة ١٤ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها
يبيّن هذا المحور مشروعية زيارة المسجد النبوي وفضل الصلاة فيه مع توضيح أنها ليست من واجبات الحج، ويستعرض آداب الدخول والصلاة في الروضة الشريفة. كما يوضح كيفية السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، محذراً من تخصيص السفر لزيارة القبر وحده.
يتناول هذا المحور استحباب أداء الفرائض في المسجد النبوي والنوافل في الروضة، وزيارة مسجد قباء للصلاة فيه ركعتين، ومقبرة البقيع للدعاء لأهلها. ويحذر تفصيلاً من البدع المنتشرة كمسح الحجرة النبوية والطواف بها، وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم قضاء الحاجات أو الشفاعة، ورفع الصوت عند القبر الشريف.
يركز هذا المحور على آداب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من رفع الصوت والدعاء عنده وإطالة الوقوف ووضع اليدين كهيئة الصلاة. وينكر البدع كزيارة المساجد السبعة ومسجد القبلتين، ويرد الأحاديث الموضوعة في فضل الزيارة، ويوضح شبهة وجود القبر في المسجد والقبة عليه بأنها حدثت بعد عصر الصحابة ولا حجة فيها.
يختتم المتحدث حديثه عن أحكام زيارة القبور وبدعها محذراً من الشبهات التي قد تثار حولها، ومزوداً المستمعين بالردود المناسبة عليها. ثم يدعو الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، مختتماً الجلسة بالحمد والشكر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فأولًا كانت الكلمة عند شيخنا أبي الحسين حفظه الله تعالى، ولكن بسبب ألم في حلقه اعتذر عن الكلمة، فبسبب هذا المرض كان الاعتذار عن كلمته. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يشفيه بالعافية، وأن يعجل له الشفاء. فادعوا له حفظكم الله تعالى. وهذه الكلمة كما قد أعلن عنها هي تتعلق بأحكام الزيارة وبدعها. والمراد بالزيارة هي زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن زيارة المسجد النبوي مشروعة لكل آتٍ إلى مدينة النبي عليه الصلاة والسلام، ففي ذلك الفضل الكبير والمضاعفة في الأجور. فقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين: قال عليه الصلاة والسلام: «الصلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره سوى المسجد الحرام، سوى المسجد الحرام». بل قد رخص لنا ذلكم الشرع الحكيم عن شد الرحل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في حديث أبي هريرة أيضًا في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: إلى مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، والمسجد الأقصى». فالزيارة مشروعة مطلقة. وبما أن حجاج بيت الله الحرام تتيسر لهم هذه الزيارة لذهابهم إلى تلكم البقاع المباركة، فإنه يشرع لهم زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع التنبيه على أن هذه الزيارة ليست من واجبات الحج ولا من مستحباته، وإنما هو أمر منفصل عن الحج. فمن حج ولم يتيسر له زيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فلا حرج عليه، فلا حرج عليه، وليس في حجه نقص ولا خدش. فليعلم هذا. فكما تقدم: بما أن حجاج بيت الله الحرام تتيسر لهم الزيارة، سواء كانت هذه الزيارة زيارة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام قبل الحج أو بعده، فإن الحاج وإن الزائر إذا تيسر له هذا الأمر ووصل إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستحب له أن يزور مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأول ما يقبل على مسجده عليه الصلاة والسلام يقدم رجله اليمنى، لأن ذلك من آداب دخول المسجد. فهذه الآداب عامة في دخول أي مسجد من المساجد، ومن ذلك مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيقدم رجله اليمنى، ويأتي بالدعاء الوارد من أدعية الدخول إلى المسجد، بقوله: «بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك». وإن زاد: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم»، فهذا أيضًا ثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فبعد ذلك يسن له أن يصلي ركعتين، أن يصلي ركعتين تحية المسجد، كما هي آداب المساجد. والأفضل في هاتين الركعتين أن يصليها في الروضة، لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، روضة من رياض الجنة». فيستحب إن تيسر له ذلك أن يصلي في الروضة. وإن لم يتيسر له ذلك لزحام أو غير ذلك، فيصلي في أي موضع من المسجد، فيصلي في أي موضع من المسجد. ثم بعد أن ينتهي من الصلاة، ويستحب في هذه الصلاة أن يدعو الله عز وجل، وأن يستغفر الله سبحانه وتعالى، وأن يذكر الله ذكرًا كثيرًا. ثم بعد ذلك يستحب له أن يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقبر صاحبيه، وقبر صاحبيه. مع التنبيه على أنه ينبغي على الزائر أن لا يقصد في أول زيارته أن يزور قبره صلى الله عليه وعلاه وسلم، فإن ذلك لا يجوز، لا يجوز أن ينشأ السفر من أجل زيارة القبر، وإنما ينشأ السفر من أجل زيارة المسجد. وإنما زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام تكون تبعًا، تكون تبعًا للسلام عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». والحديث ثابت، يصححه جماعة من أهل العلم، وهو عند أبي داود رحمه الله تعالى. فلذلك، ولفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم كابن عمر وغيره، فإنهم كانوا يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى صاحبه. وكيفية السلام: أن تدخل متوجهًا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتقول: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ورحمة الله وبركاته». هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومنهم ابن عمر رضي الله تعالى عنه. فقد ثبت عنه أنه إذا دخل إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته». ثم يسلم على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ويقول: «السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته». ثم يقول: «السلام عليك يا أبتاه ورحمة الله وبركاته». فتسلم بهذا السلام الوارد عن ذلكم الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله تعالى عنه. وبعضهم استحبه الزيادة في بعض الأوصاف الواردة في حقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فبعضهم قال: لا بأس أن تقول: «السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا خير الخلق، السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين، السلام عليك». كذلك يقال: «قد أديت الأمانة، بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده». مثل هذه الأوصاف كذلك لا بأس أحيانًا أن يقولها، أن يقولها المسلم، لأنها أوصاف للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإن اقتصر على السلام الوارد في سلام ابن عمر فهذا هو الأفضل، والله تعالى أعلم. ثم بعد ما يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام يميل قليلًا أو يتجه قليلًا إلى يمينه فيسلم على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ثم هكذا يتجه يمينه ويسلم على عمر رضي الله تعالى عنه، ويدعو لهما ويرضى عليهما رضي الله تعالى عنهما وعن الصحابة أجمعين، وعن الصحابة أجمعين. وبعد ذلك ينصرف، ولا يزيد على هذا، ولا يطيل المكوث، ولا كذلك غير ذلك مما سيأتي من البدع والمخالفات والمحدثات، محدثات الزيارة، كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في ختام هذه الكلمة. ثم بعد ذلك يستحب للزائر لمسجد النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي الفروض الخمس في المسجد النبوي للفضيلة الواردة في ذلك، كما سمعت في حديث أبي هريرة، كما سمعت في حديث أبي هريرة. فإن الصلاة في المسجد النبوي أفضل، في رواية: «خير»، وفي رواية: «أفضل». وهذا الحديث جاء عن جمع من الصحابة، ليس عن أبي هريرة فحسب، بل عن جماعة آخرين من صحابة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى آله وسلم. وكذلك ذكر أهل العلم أن الزائر لمسجد النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من النوافل، يكثر من النوافل. والأفضل في النوافل أن يصليها في الروضة، أن يصليها في الروضة، للحديث المتقدم أيضًا، حديث أبي هريرة في الصحيحين: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة». أما الفريضة، فأهل العلم ذكروا أن الأفضل أن لا يصليها في الروضة، لأنه لو صلاها في الروضة لفاته فضل الحرص، وكذلك المسابقة إلى الصفوف الأول. وقد وردت الأدلة الكثيرة في فضل الصف الأول. فلو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لأتوهما ولو حبوا. لأن المصلي في الروضة يفوته هذا الفضل لبعد الروضة عن الصفوف الأول من مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هكذا نبه بعض أهل العلم. ولكن النوافل: لو استطاع أن يصليها في الروضة فهذا هو الأفضل للحديث المتقدم، للحديث المتقدم. ثم بعد ذلك: هل يشرع زيارة شيء من المساجد الأخرى في المدينة؟ نعم، ورد أيضًا استحباب زيارة، استحباب زيارة مسجد قباء. فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يذهب إلى مسجد قباء راكبًا وماشيًا، يصلي فيه ركعتين، يصلي فيه ركعتين. وجاء حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من تطهر في بيته، من تطهر في بيته، ثم خرج إلى مسجد قباء فصلى ركعتين، كان له كأجر عمرة، كان له كأجر عمرة». والحديث يصححه بعض أهل العلم، فهو حديث ثابت إن شاء الله تعالى. فلذلك يحرص الزائر أن يصلي ركعتين في مسجد قباء، في مسجد قباء. وكذلك لا بأس أن يزور مقبرة، مقبرة البقيع، مقبرة أو مقبرة البقيع. لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يزور الصحابة والشهداء المدفونين في هذه المقبرة، ويدعو لهم، ويدعو لهم، ويدعو لهم. وهذه الزيارة تدخل في عموم، في عموم كذلك الزيارة المشروعة في زيارة القبور. فإن النبي صلى الله عليه وعلى عليه وسلم قال: «إني قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة، فإنها تذكركم الآخرة». فتأتي إلى هذه المقبرة وتدعو لأهلها: «السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإن، إن شاء الله بكم لاحقون، وإن، إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية». وتدعو لهم بالمغفرة والرحمة. فهذه هي صفة الزيارة المشروعة في زيارة القبور، ولا تزيد على هذا من دعائهم من دون الله، أو من التمسح بأتربتهم. وسيأتي التنبيه على ذلك في المخالفات، مخالفات الزيارة، مخالفات الزيارة. فهذا هو ما جاء في صفة زيارة المدينة، ومن ذلك زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وما يتبع ذلك كما سمعنا، وما يتبع ذلك كما سمعنا. وهناك مخالفات كثيرة يقع فيها بعض الزائرين، نبه عليها أهل العلم، ويقع فيها من يقع بسبب جهله، وبسبب بعده عن التفقه في دين الله سبحانه وتعالى. فمن تلك الأخطاء والبدع والمحدثات التي تقع في الزيارة: التمسح بالحجرة، أو بتقبيلها، أو الطواف بها، أو كذلك بالتمسح بالشباك، أو إلى غير ذلك. فهذه كلها من البدع المنكرة التي لم ترد عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك من البدع والمحدثات التي تقع في زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام: سؤال النبي قضاء الحاجات وتفريج الكربات، كما يفعله كذلك بعض الجهلة من أهل الإسلام. فهذا أمر ربما يخرجهم من الإسلام، لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وهكذا من تلك الأخطاء: طلب الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لأن الشفاعة هي ملك لله عز وجل، فلا تطلب إلا منه، فلا تطلب إلا منه سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. ولكن تدعو أن الله عز وجل يشفع فيك نبيك. لا بأس أن تقول في دعائك، وليس في هذا الموضع عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما تدعو في صلاتك، في سجودك، في مواضع الاستجابة، تقول: «اللهم شفع في نبيك، اللهم شفع في ملائكتك، اللهم شفع في عبادك الصالحين». نعم، فلا يجوز طلب الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن حياته في القبر عليه الصلاة والسلام حياة برزخية، حياة برزخية، لا نعلم حقيقتها ولا نعلم كيفيتها، لا يعلم ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. مع اعتقادنا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حي في قبره حياة برزخية هي أكمل من حياة الشهداء، ولكنها ليست من جنس حياته قبل موته، أو من جنس حياته في يوم القيامة. فإن في حياته قبل موته تُطلب منه الشفاعة بمعنى الدعاء، كما جاءت في أحاديث كثيرة: الصحابة رضي الله تعالى عنهم طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يشفع لهم، أي أن يدعو لهم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو لهم، لأنه عليه الصلاة والسلام قادر على ذلك في الحياة قبل الموت. وأما بعد الموت فلا تطلب منه الشفاعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نعم. وكذلك من تلك البدع والمحدثات في الزيارة: رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن ذلك من سوء الأدب، من سوء الأدب مع نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد قال الله عز وجل: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُم لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. فذكر أهل العلم أن هذه الآية عامة في حياته وبعد مماته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا ترفع صوتك، ولا كذلك تدعو عند قبره. فإن الدعاء عند قبره صلى الله عليه وعلى آله وسلم من البدع، سواء كان رفع اليدين والدعاء، لأن هذا يعد دعاء عند قبر، والدعاء عند القبور يعني دعاء الشخص لنفسه أو لغيره، لا للميت بالمغفرة وكذلك بالرحمة، وإنما يدعو لنفسه عند القبر. فهذه من البدع المحدثة. فلا يشرع عند الزيارة، زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، أن تدعو عند القبر، بل ولا أن تطيل القيام عند القبر. وقد جاء في الأثر عن الإمام مالك رحمه الله تعالى عندما سئل عن أناس يطيلون القيام عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام يدعون، فنهاهم رحمه الله تعالى عن ذلك، نهاهم عن ذلك، وذكر تلك المقولة المشهورة التي تناقلها أهل العلم، وهي قوله رحمه الله تعالى: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، إلا ما أصلح أولها». فانظر، استدل بهذا الأثر على الإنكار على هذا الفعل، لأنه لم يكن عليه فعل السلف، لم يكن عليه فعل السلف رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله، ورحمهم الله. وهكذا من تلك البدع عند زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام: وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى فوق الصدر أو تحته، كهيئة المصلي. بعضهم ربما إذا زار القبر هكذا يفعل، أو يضع يديه هكذا كما يصنع بعض الناس لملوكهم. فهذا قال أهل العلم فيه: هيئة ذل وخضوع وعبادة، فلا يصلح ذلك إلا لله سبحانه وتعالى، إلا لله، إلا لله سبحانه وتعالى. فليحذر الزائر من أن يفعل هذه الهيئة، بل يكون طبيعيًا كزيارته لقبور المسلمين، لقبور المسلمين. وإنما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسلم عليه بهذه الكيفية التي ذكرنا في هذه الكلمة، أو في أول هذه الكلمة. وكذلك من البدع والمحدثات التي ارتكبها بعض، أو يرتكبها بعض الزائرين: زيارة المساجد السبعة، أو زيارة مسجد القبلتين. فإن زيارة مثل هذه المواضع لم يرد فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عن صحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فكما ذكرنا: الزيارة لمسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الأصل، وهذا هو الأصل في الزيارة. ثم يتبع ذلك زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، كذلك الصلاة في مسجد قباء، كذلك زيارة مقبرة البقيع. أما غير ذلك مما أحدثه الناس وتوسع فيه، فقد عده أهل العلم من البدع والمحدثات، من البدع والمحدثات. وكذلك انتشرت أحاديث موضوعة وخطيرة، ويعمل بها بعض الجهلة، ويعتقدها. فناسب في مثل هذا المقام أن ننبه عليها. فمن تلك الأحاديث الموضوعة التي يتناقلها بعض الناس، بل وربما يعتقدونها ويحدثون بها: قولهم في أنه ورد هذا الحديث: «من حج فلم يزرني فقد جفاني، من حج فلم يزرني فقد جفاني». فهذا حديث موضوع، هذا حديث موضوع. وقد تقدم أن المستحب والمشروع للحاج أن يزور مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، أن يزور المسجد، وذلك للفضيلة الموجودة في الأحاديث الثابتة في الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. وأما زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فكما تقدم إنما ذلك تبعًا، وذكرنا ذلك في هذه الكلمة. وكذلك من تلك الأحاديث الموضوعة التي ربما يتناقلها بعض الناس ويعتقدونها: قولهم أنه حديث: «من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي». فلذلك تجدهم يحرصون على زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، حتى وكأن هذا الأمر واجب، بل ركن من أركان الحج. فلذلك ينبغي أن يحذر المسلم من مثل هذه الأحاديث التي لم تثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك من تلك الأحاديث الموضوعة التي يتناقلها بعض الناس فيما جاءت في الزيارة: حديث: «من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة، ضمنت له على الله الجنة». وهذا أيضًا حديث موضوع. وكذلك من الأحاديث الموضوعة: قولهم فيما يزعمون أنه حديث: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». فهذا أيضًا الحديث موضوع، وليس من أسباب الشفاعة زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام. فالشفاعة لها أسباب كثيرة، ومن أسبابها: الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، والإكثار من ذلك. أما الزيارة فلم يثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك ربما بعض الناس يلتبس عليه أمر يشاهده أو يلاحظه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأحببنا في هذا المقام أيضًا أن ننبه عليه. وهذا الأمر هو: أنه ربما يقول: «كيف أنتم يا أهل السنة تمنعون من دخول القبور إلى المساجد، وها هو وقد زرت مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وقد رأيت قبره في المسجد، وقد رأيت قبره في المسجد، فكيف أنتم تمنعون ذلك، وها هو قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المسجد؟». فالجواب على هذا، وقد أجاب أهل العلم بأجوبة كثيرة، فمن أهم هذه الأجوبة أن يقال لهؤلاء: هل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أمر بإدخال قبره إلى المسجد، هل كان وقت إدخال القبر إلى المسجد أحد من الصحابة موجود ولم ينكر ذلك أبدًا؟ إنما أدخل هذا القبر في عهد أحد ولاة الدولة الأموية، ولم يكن أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد أنكر بعض أهل العلم ذلك، ولكن لم يستجب لهم. وكما قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في القبة، وسيأتي الكلام على ذلك: فالمسألة دولية لا دليلية، دولية لا دليلية. فكيف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو الصحابة يأمرون بذلك ويسكتون عن ذلك، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وفي حديث آخر: «قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». فأنت ارجع إلى كتب أهل العلم، وممن فند هذه الشبهة العلامة الألباني في مؤخرة كتابه «تحذير الساجد في اتخاذ القبور مساجد»، فترجع إلى هذا يتبين لك الأمر جليًا واضحًا. وهكذا ربما يقول: «كيف أنتم تمنعون من بناء القباب على القبور، وها هي القبة قد نصبت على غرفة، أو على قبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟». فيقال لهم كذلك: في عهد من بنيت هذه القبة؟ هل بنيت في القرون المفضلة؟ لا، لم تبن في القرون الثلاثة المفضلة، إنما بنيت في عهد الدولة الصلاحية، من قبل أحد ملوكهم، من قبل أحد ملوكهم. فإذا نحذر من مثل هذه الشبه، فلعلك تجد مثل هذا، أو سترى مثل ذلك، فيكن عندك هذا الجواب لمن ربما أورد عليك مثل هذه الشبه، مثل هذه الشبه. فهذا ما تيسر ذكره في مسألة الزيارة وأحكامها وبدعها. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين شكرًا.