كتاب الجنايات 1

الدرس في كتاب الجنايات 1، ألقاها

تعريف الجنايات وأحكام القتل العمد

يتناول تعريف الجنايات في اللغة والشرع، ويبين حكم القتل بغير حق وأنه محرم بالإجماع. يصنف القاتل عمدًا إلى كونه فاسقًا وليس كافرًا.

أقسام القتل والعقوبات المترتبة عليها

يشرح أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: العمد، شبه العمد، والخطأ، مع توضيح العقوبات والكفارات المترتبة على كل نوع. يبين خطورة قتل النفس بغير حق ووعيد الله تعالى للقاتل.

حقيقة القتل العمد وشروط تحققه

يحدد حقيقة القتل العمد كونه قصد القاتل آدمًا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته، ويشرح الشروط الثلاثة للقتل العمد: وجود القصد، كون المقتول معصوم الدم، وكون الآلة مما يصلح للقتل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: عاشرًا: أي الكتاب العاشر من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، كتاب الجنايات، ويجتمل -أي هذا الكتاب- على ثلاثة أبواب: الباب الأول في الجنايات، الباب الثاني في أديات، الباب الثالث في القسامة، وسيئة الكلام عليها بإذن الله جل وعلا مفصلة تحت الأبواب المذكورة بإذن الله رب العالمين جل وعلا. الباب الأول في الجنايات، وفيه مسائل. ومعنى الباب الأول -أي المدخل الأول لهذا الكتاب- في الجنايات، أي في أحكام ومسائل الجنايات، لذا قيل: وفيه مسائل -أي تضمن هذا الباب مسائل-. المسألة الأولى: أولى أولى أولى، جمعها جنايات، جُعَلَتْ التعدي على بدن أو مال أو عرض. وقد جعل الفقهاء كتاب الجنايات خاصًا بالتعدي على البدن، وكتاب الحدود خاصًا بالتعدي على المال والعرض. طيب، أولًا كما ذكر معنى الجنايات في اللغة، ذكر هاهنا أنه بمعنى التعدي، التعدي على بدن أو مال أو عرض. هذا في الحقيقة معنى معناه الشرع، كما سيأتي معنى بإذن الله جل وعلا. وذكر علماء اللغة رحمهم الله تعالى أن الجنايات مأخوذة من الجني، أي مما يجنيه الإنسان على نفسه، أي يرجع عليه أمر تلك الجناية. فهو بمعنى ما يرجع على الإنسان، حصاد عمله. ومنه يقال: جنى الثمر، أي جمعه. وذكر هاهنا أنه بمعنى التعدي على بدن أو مال أو عرض. وكما سمعت أن هذا من حيث المعنى هو معناه العام الشرعي. لأن الجناية في الشرع هو بمعنى التعدي على البدن أو المال أو العرض. لكن كما ذكر من ذكر من لئمة رحمهم الله تعالى، كالإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني، ذكر أن هذا المعنى وإن كان يشمل ذلك كله -أي أن معنى الجناية يشمل الجناية على المال، يشمل الجناية على البدن، يشمل الجناية على الأعراض- إلا أنه خاص، إلا أن العلماء رحمهم الله تعالى اصطلحوا على تخصيص الجناية بالاعتداء على الأبدان، أو قل على النفس، بالاعتداء على البدن والنفس. وأن الاعتداء على المال يطلق عليه إما نهب، إما سرقة، إما غصب، إما كذلك إتلاف. فالجناية في عرف الفقهاء رحمهم الله تعالى خصت بالتعدي على البدن، كما أن التعدي على العرض خص بباب الحدود، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. لذا قيل: وقد جعل الفقهاء -أي صار في عرف الفقهاء- كتاب الجنايات خاصًا بالتعدي على البدن. فإذا قال أو رأيت في كتب الفقهاء الجنايات، فيقصدون به التعدي على البدن، إما بإتلافه أو بإتلاف بعضه. هذا يسمى باب أو كتاب الجنايات في كتب الفقهاء رحمهم الله تعالى. وإن كان معناهم أشمل وأعم من ذلك. قالوا: الجنايات، وقد جعل الفقهاء كتاب الجنايات خاصًا بالتعدي على البدن، وكتاب الحدود خاصًا بالتعدي على المال والعرض. لذا في كتاب الجنايات -كما سمعتم- يخصص الكلام فيه على الكلام على التعدي على الأبدان. وأما التعدي على الأموال والأعراض، فإما أن يبوب عليه بباب الحدود، وإما أن يعبر عنه بكتاب، على اختلاف الفقهاء في تصانيفهم. فالجناية شرعًا، في عرف الفقهاء، التعدي على البدن بما يوجب قصاصًا أو مالًا أو كفارة. فخرج التعدي على غير البدن من المال، وكذلك من العرض. وقولهم: بما يوجب قصاصًا أو مالًا أو كفارة، يدل على أن الجناية إما أن تستوجب قصاصًا، وإما أن تستوجب مالًا، وإما أن تستوجب كفارة، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا بيان ذلك. بأنواع الجناية تنقسم الجناية إلى قسمين -أي عند العلماء رحمهم الله تعالى والفقهاء- وفي كتبهم يقسمون الجناية إلى قسمين: جناية على النفس، وجناية على ما دون النفس -أي على بعض الأعضاء-. المسألة الثانية: الجناية على النفس، وهي كل فعل يؤدي إلى زهوق النفس، وهي القاتل. وأجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ولحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ...». فدل على أن الأصل حرمة دم المسلم، إلا أن يفعل شيئًا يستوجب إزهاق تلك النفس. قالوا: فتحرم القتل بغير حق، ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. بالكتاب كما تقدم، والسنة كما تقدم، والإجماع كذلك كما تقدم. فالأمة مجمعة على حرمة قتل المسلم بغير حق. حكم قاتل النفس بغير حق، قالوا: إذا قتل شخص شخصًا متعمدًا بغير حق، فحكمه أنه فاسق -أي في الدنيا-، يحكم عليه بأنه فاسق، ليس بكافر، أنه فاسق وليس بكافر، خلافًا للخوارج. وليس كذلك بمؤمن كامل الإيمان، خلافًا للمرجئة. بل هو مؤمن بإيمانه، وفاسق بمعصيته، على مذهب السنة والجماعة. فحكم القاتل عمدًا لغيره بغير حق أنه فاسق، أنه فاسق، فهو من الفساق المليين من أهل الملة. فحكمه أنه فاسق، لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب. وقد عظم الله شأن القتل، فقال سبحانه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾. وذكر ذلك كما قال العلماء رحمهم الله تعالى -أي في قول الله جل وعلا: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾- قالوا: ووجه ذلك أنه إذا قتل النفس المعصوم بغير حق، إلا اتباعًا لهوى النفس، دل ذلك على أن ذلك الإنسان لا يمنعه رادع من قتل غير تلك النفس، لهوى النفس. لذا من قتل نفسًا، فكأنما قتل الناس جميعًا. لماذا؟ لاستهانته بأمر القتل، وأمر الدماء. وهذا كما ترون فيه وعيد شديد من قتل نفسًا بغير حق، أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعًا. ففيه وعيد شديد للقاتل لغيره بغير الحق. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا». وهذا كذلك الحديث الأول، أخرجه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وقوله: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ»، في فسحة من دينه في فعل الطاعات والخيرات، فإذا قتل النفس المؤمن بغير حق، ضيق عليه ذلك، فلم يكن في فسحة من دينه. قال: وقد توعده الله سبحانه، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا إِلَى قَوْلِهِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. قال: وأمره إلى الله تعالى، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال: فهو داخل تحت المشيئة، لأن ذنبه دون الشرك. هذا إن لم يتب. ومعنى هذا أن هذا الوعيد الشديد في حقه من قتل مؤمنًا متعمدًا بغير حق، ولم يتب، فهو معرض لوعيد الله جل وعلا. لكن هل يكفر بذلك؟ الجواب: لا. هل يخلد في النار إن عذب؟ الجواب: لا. هل يجب أن يعذب في النار؟ الجواب: لا. ولكنه تحت مشيئة الله جل وعلا، إن شاء عذبه، وإن عذبه لم يخلد أبد الآباد كتخليد الكفار، بل يعذب على قدر معصيته، ثم مآله إلى الجنة، لأنها مأوى المؤمنين، والنار مأوى الكافرين. وهذا ليس بكافر. وإما أن يعفو الله تبارك وتعالى عنه، فيدخله الجنة بفضله ورحمته سبحانه وتعالى. فهو تحت مشيئة الله، كغيره من أصحاب الذنوب. هذا إذا لم يكن تاب. أما إذا تاب، إذا قتل مؤمنًا متعمدًا، ثم تاب إلى الله تبارك وتعالى -مثلا- عرض نفسه على أهله: «أنا قتلت ولدكم ظلمًا وعدوانًا، وأريد أن أتطهر بالقصاص، عفوا عنه». فتاب إلى الله تبارك وتعالى توبة نصوحًا، فمثل هذا يرجى له أن يغفر الله تبارك وتعالى له ذنبه. قالوا: لقوله عز وجل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ * إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وأيضًا لقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ وَيُخْلَدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. فدل هذا على أن من تاب توبة النصوح، فإن الله تبارك وتعالى بفضله ورحمته وكرمه ومنته يغفر لذلك القاتل بتوبته الناصحة أو النصوح في ذلك. ولكن لا يسقط حق المقتول في الآخرة بمجرد توبة القاتل. لماذا؟ لأنه كما قال علماء رحمهم الله تعالى: القاتل إذا تاب، سقط ما بينه وبين الله تبارك وتعالى، باعتبار أن التوبة تسقط عنه العقوبة من الله تبارك وتعالى. لكن بقي حق المقتول، وحق الأولياء. بقي حق المقتول، وحق الأولياء. فحق الأولياء إما أن يؤخذ بالقصاص، أو بالدية، أو بالعفو. وحق المقتول أن الله تبارك وتعالى -كما قال العلماء رحمهم الله تعالى- يكرمه، أو يعطيه من الحسنات، أو يكفر عنه من السيئات، حتى يرضى -أي المقتول- يوم القيامة. المسألة الثالثة: أنواع القتل. يعني تقدم معنا أن الأصل أن القتل العمد محرم، وبشكل عام قتل المؤمن محرم. لكن كما سيأتي معنا أن القتل أنواع. والأدلة المذكورة في من قتل مؤمنًا متعمدًا، أما الخطأ فسأتي معنا الكلام عليه، وكذلك الشبه العمد. قالوا: المسألة الثالثة: أنواع القتل. قالوا: ينقسم القتل إلى ثلاثة أقسام: القتل العمد، وشبه العمد، والخطأ. فهذه أقسام ثلاثة: القتل العمد، وسأتي معنا بيانه. وشبه العمد، وسأتي معنا كذلك بيانه. وكذلك الخطأ، وسأتي معنا بيانه بإذن الله تبارك وتعالى. قالوا: الخطأ والعمد، ورد ذكرهما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾. هذه الآية فيها دلالة على القتل الخطأ، وما هي العقوبة والكفارات المترتبة على ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾، هذا في حق من قتل مؤمنًا متعمدًا. رتب ربنا تبارك وتعالى عليه -أي على ذلك الفعل- خمس عقوبات: فجزاؤه جهنم، الثانية: خالدًا فيها، الثالثة: غضب الله عليه، الرابعة: ولعنه، والخامسة: وأعد له عذابًا عظيمًا. وهذه -كما سمعتم- من أدلة الوعيد. ولكن القاتل العمد كغيره من أصحاب الذنوب، داخل تحت مشيئة الله جل وعلا، إما أن يعفو عنه بفضله ورحمته وكرمه، وإما أن يعذبه بعدله جل وعلا. وإذا عذبه بعدله، فإنه لا يخلد أبد الآباد كتخليد الكافرين. وأما شبه العمد، فثبت في السنة المطهرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ». فسمى هذا النوع من القتل شبه العمد. فدل على أن الشريعة جاءت بذكر ثلاثة أنواع من أنواع القتل: القتل العمد، والقتل شبه العمد، والقتل الخطأ. ثلاثة أنواع. ولكل نوع منها أحكام مترتبة عليه، سيأتي ذكرها بإذن الله تبارك وتعالى. القسم الأول: قتل العمد. حقيقته: أن يقصد القاتل آدميًا معصومًا، فيقتله بما يغلب على الظن موته. هذا لابد من توافر ثلاثة شروط، حتى يكون القتل عمدًا. أولًا: وجود القصد من القاتل، وهو إرادة القتل. لابد أن يكون القاتل أراد قتل ذلك الإنسان. وهو معنى التعمد. وقولهم: وجود القصد، خرج ماذا؟ ما لم يكن بقصد، أو من ليس له قصد. قولهم: بقصد، خرج ما ليس بقصد، أو من ليس له قصد أصلًا. ما ليس بقصد، كإنسان مثلًا: إنسان مثلًا رمى على صيد، فبرز إنسان، فوقع ذلك الرمي في ذلك الإنسان، فقتل. هذا هل يكون عامدًا؟ الجواب: ليس بعامد، لأنه لم يقصد قتل ذلك الإنسان. أو يكون ممن ليس له قصد أصلًا، مثل المجنون أو الطفل الصغير. فهؤلاء ليس لهم قصد أصلًا. لو أن إنسان مثلًا وضع مسدس مثلًا على طاولة، وقد عمر وجهز ذلك المسدس، فأخذ مجنون، فأطلق النار، فقتل إنسان. هل يكون ذلك من قتل عمد؟ الجواب: لا. لماذا؟ لأن المجنون لا قصد له. وكذلك الطفل، لو أن طفل أخذ مسدس، فضرب بذلك المسدس، فقتل إنسان. كذلك لا يسمى، أو لا يدخل في باب القاتل عمد. لماذا؟ لأن الطفل لا قصد له، لأن الطفل لا قصد له صحيح أو معتبر. إذن الشرط الأول في قاتل عمد: أن يكون -كما ذكر- وجود القصد من القاتل. ما هو القصد؟ قالوا: هو إرادة القتل. فلو أن إنسان لم يرد القتل -كما ذكر- في حال المجنون، في حال الصغير، أو أن إنسان أراد أن يقتل صيدًا، فقتل إنسان. فإن هذا لا يكون قاتلًا عمدًا، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا. ولكن يدخل في القاتل شبه العمد. الثاني: أن يعلم أن الشخص الذي قصد قتله آدم معصوم الدم. قول: أن يعلم أن الشخص الذي قصد قتله آدم، خرج ما ليس بآدم. فلو أن إنسان قتل بهيمة لإنسان، ولو كانت ثمينة، فإنه لا يكون من باب القاتل العمد الذي يترتب عليه أحكام العمد. وكذلك: أن يكون معصوم الدم. أن يكون معصوم الدم، فخرج من ليس بمعصوم الدم، كالحربي. لو أن إنسان رأى إنسانًا حربيًا، فقتل. قصدًا وعمدًا، لا يقال فيه بأنه قاتل غيره عمدًا، وترتب عليه أحكام القاتل العمد. لماذا؟ لأن هذا حربي، ولسيما عند عدم العهود والمواثيق، يحل قتله، بشروط ذلك وضوابطه. فإذا لابد أن يكون القاتل غيره أن يكون آدم، ومعصوم. وسأتي معنا بإذن الله جل وعلا: أن العصمة هاهنا التي تبيح أن يكون القاتل نفسًا بنفس، أن يكون ذلك المقتول كفءًا لذلك القاتل، من حيث الحرية، ومن حيث الإسلام. وسأتي معنا بإذن الله تبارك وتعالى بيان ذلك. يعني معنى هذا: لو أن إنسان قتل معاهدًا أو ذميًا، الأصل أن المعاهد أو الذمي دخل بعهد أو ذمة أو ما شابه ذلك، فالأصل في أنه معصوم الدم. لو قتله إنسان، يكون قاتلًا لغيره عامدًا. لكن هل تترتب عليه أحكام القصاص بالنفس؟ الجواب: لا. كما سيأتي معنى بيان ذلك. وكذلك: لو أن إنسانًا حرا قتل إنسانًا عبدًا عمدًا، هل كذلك تترتب عليه أحكام القصاص؟ الجواب: سيأتي معنى كذلك بأنه لا يكون كذلك. لعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، إلى آخر الآية. كما سيأتي معنى بإذن الله جل وعلا. وقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾. فالحر بالحر، والعبد بماذا؟ بالعبد. كما سيأتي معنى بيان ذلك بإذن الله تبارك وتعالى. الأمر الثالث، أو الشرط الثالث: أن تكون الآلة التي قتله بها مما تصلح أن تكون للقتل عادة، سواء كانت محددة أم غير محددة. محددة كالسيف، كالسهم، كالرمح. وفي أيامنا هذه كذلك كالرصاص، ومن باب أولى القنابل، ومن باب أولى القذائف، وما شابه ذلك التي تقتل غالبًا في العرف، سواء أكانت محددة أم غير محددة. العبرة بالقاتل. بل قد ذكر علماء رحمهم الله تعالى: ولو أنه ضربه بغير آلة، لكن في مكان يقتل غالبًا، عالمًا بذلك، عازمًا بذلك. يعني الآن تعرفون أن بعض الناس عندهم بعض التدريبات القتالية، تدريبات قتالية، يعني ضربة واحدة يستطيع أن يقتل فيها إنسان، يستطيع أن يعرف أين المكان الذي إذا ضرب الغير في ذلك المكان، أنه بهذه الضربة يقتل ذلك الغير. فكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: لو أنه ضربهم في مكان يقتل غالبًا، عالمًا بذلك الأمر، قاصدًا لذلك القتل، فإنه يكون قاتلًا له. سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجل تضارب مع رجل آخر، تقاتل مع رجل آخر، فضرب أحدهما الآخر في أنفه حتى أخرج الدم من أنفه، فوقع ذلك الإنسان، ثم قام، فخنق ذلك الآخر، ضربه وضربه بخصيته، بركبته، حتى مات. فسئل عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال: هذا من قتل عمد. لماذا؟ قال: لأن الأصل في الخانق أنه قرين على أنه يريد أن يقتله، لأنه من أنواع القتل العمد أن يحبس عنه نفسه حتى يموت. قال: فهذا حبس عنه نفسه، وضربه في مكان يقتل غالبًا، وضرب الخصيتين. قال: فهذا من قتل العمد. إذن يعلم من هذا أنه ضربه بآلة محددة أو غير، أو ضربه بيده، أو برأسه، أو برجله، لكن في مكان قد علم بأنه يقتل غالبًا، وتعمد ذلك الأمر، فإنه يكون قاتلًا لغيره عمدًا. قالوا: فإن اختل شرط من هذه الشروط، لم يكن القتل عمدًا، وصار من أنواع القتل الأخرى، كما سيأتي معنى بيانها بإذن الله تبارك وتعالى في الدروس اللاحقة. نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم، إلى هنا. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على