الدرس في كتاب الحدود 7، ألقاها
حد القذف لا يقام إلا إذا توفرت شروط في القاذف مثل البلوغ والعقل. الصغير والمجنون لا يقام عليهما الحد لرفع القلم عنهما.
تطرق النص إلى شروط وجوب حد القذف على القاذف والمقذوف، مثل البلوغ والعقل والإسلام. وذكر أن هناك خلافًا في بعض الشروط.
حد القذف لا يقام إلا بشروط أربعة: مطالبة المقذوف، عدم إتيان القاذف ببينة، عدم إقرار المقذوف، وعدم ملاعنة القاذف للمقذوف.
المقطع الأخير يتضمن الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته، والاستغفار والتوبة إليه. هذه العبارة تشير إلى تواضع العبد ورغبته في التوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. المسألة الثالثة من الباب الثالث في حد القذف. المسألة الثالثة: شروط إيجاب حد القذف، أي ما هي الشروط التي إذا توفرت في من قذف إنسانًا أقيم عليه الحد؟ أي لا بد من شروط تتوفر في القذف حتى يقام عليه حد القذف. لا يجب حد القذف إلا إذا توفرت شروط في القذف وشروط في المقذوف، حتى يصبح جريمة تستحق عقوبة الجلد، أي حتى يصير ذلك القذف قذفًا معتبرًا شرعًا يستحق صاحبه الحد الشرعي المترتب على القذف. أولاً: شروط القذف، وهي خمسة. أولها: أن يكون بالغًا، فلا حد على الصغير. هذا أول هذه الشروط، بمعنى أن الصغير إذا قذف إنسانًا فإنه لا يجلد، ولكن كما قال العلماء -رحمهم الله تعالى- يؤدب؛ لأجل أن ينزجر عن تعويض مثل هذه المقالات، لكن الحد لا يقام عليه. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم». وأيضًا من حيث المعنى: أن الصغير ليس له قصد أو قاصر القصد، فلا يعتبر في القذف. وقوله كذلك: ليس له التأثير أو الذي يكون بصدوره أثر أو طعن أو تقليل من عفة ذلك الإنسان الذي رمي به؛ لأنه صغير. أي: ذلك الصغير غير معتبر قوله. وأيضًا متفرع عن مسألة سيأتي معنا: أنه قد يكون أصلاً ليس بعالم بحرمة القذف أصلاً. ثانيًا: أن يكون عاقلاً، فلا حد على المجنون والمعتوه أيضًا؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم المجنون حتى يفيق. فالمجنون، وفي معناه المعتوه كذلك، إذا رمى إنسانًا فإنه لا يقام عليه الحد؛ للحديث المذكور، وكذلك للمعنى: أن المجنون مجنون، قوله غير معتبر، ولا يؤبه به، وليس له قصد أصلاً فيما يخرج من فيه، أو أن قصده قاصر. الأمر الثالث: ألا يكون أصلاً للمقذوف كالأب والجد والأم والجد، فلا حد على الوالد -الأب أو الأم- إن قذف ولده -الإبن أو البنت- وإن سفل. وهذا كذلك شرط من الشروط، وهو شرط صحيح معتبر، ذهب إليه جماهير الفقهاء -رحمهم الله تعالى- وإن خالف فيه البعض، لكن ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب؛ وذلك لأمور منها: أن مطالبة الولد -ذكرًا كان أو أنثى- بحد الأب إن قذفه الأب أو الأم، هذا من العقوق، بل هو عين العقوق؛ لأنه كما سيأتي معنا: حد القذف لا يقام إلا إذا طالب به من قذف. الأمر الرابع: أن يكون مختارًا، فلا حد على النائم والمكره. وهذا كذلك شرط معتبر، فلو أن إنسانًا رمى إنسانًا وهو نائم، هل يقال بأنه قذف ذلك الإنسان ويستحق عليه حد القذف؟ فالجواب: لا؛ لأنه نائم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «رفع القلم عن ثلاثة» وذكر منهم «وعن النائم حتى يستيقظ». فمما رفع عنهم القلم. وكذلك المكره، الذي يكره على قول تلك المقالة إكراهًا معتبرًا، فمثل هذا لا يقال بأنه قذف فلان؛ لأن من شرطه أن يكون مختارًا. الأمر الخامس: أن يكون عالما بالتحريم، فلا حد على الجاهل. وهذا كذلك من الشروط الذي وقع فيها شيء من الخلاف، والصحيح المعتبر الذي دلت عليه الأدلة الشرعية: القول بأن هذا الشرط معتبر كغيره من الشروط. لكن ما المراد بأن يكون عالما بالتحريم؟ هل معناه أنه يكون عالما بأن من قذف إنسانًا بأنه يحد، أم دون ذلك؟ بمعنى أنه يكتفي في ذلك أن يكون عالما بأن قذف الإنسان لغيره محرم، ولو لم يعلم الحد؟ الجواب المعتبر في ذلك: أن يعلم التحريم مطلقًا مجملاً، ولا يشترط فيه أن يعلم تفاصيل ذلك. ثانيًا: شروط المقذوف، وهي خمسة أيضًا. أولاً: أن يكون المقذوف مسلمًا، فلا حد على من قذف كافرًا؛ لأن حرمته ناقصة. يعني هذا الشرط الأول: أن يكون المقذوف مسلمًا. فلو أن مسلمًا قذف كافرًا، هل يقام عليه حد القذف؟ الجواب: لا. وهذا الذي عليه جماهير الفقهاء أيضًا. ثانيًا: أن يكون عاقلاً، فلا حد على من قذف المجنون. وهذا أيضًا على قول جمهور الفقهاء؛ لأن المجنون أصلا لو وقع منه ذلك لم يكن منقصًا كما يقال في عرضه، ويؤثر في سمعته؛ لأنه مجنون. ثالثًا: أن يكون بالغًا، طبعًا على قول جمهور الفقهاء. وإلا ذهب طائفة من العلماء في الشرط الأول والثاني: أنهما غير معتبرين. أن يكون بالغًا أو يكون ممن يطأ ويوطأ مثله، ممن يطأ أي إذا كان ذكرًا، ويوطأ أي إن كانت أنثى. مثله: وهو ابن عشر أي من الذكور، وبنت تسع فأكثر من الإناث. رابعًا: أن يكون عفيفًا عن الزنا في الظاهر، فلا حد على من قذف الفاجر. هذا معتبر، إن هذا الشرط: أن يكون عفيفًا عن الزنا في الظاهر فيما يظهر للناس. أما في الباطن، الله أعلم به. لم نوكل بالسرائر، وإنما نأخذ بالظاهر، والله يتولى السرائر. خامسًا: أن يكون المقذوف حرًا، فلا حد على من قذف مملوكًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة» إلا أن يكون كما قال. والحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. المسألة الرابعة: شروط حد القذف إذا وجب حد القذف، فإنه لا بد من شروط أربعة لإقامته. وهي أولاً: مطالبة المقذوف للقاذف، واستدامة الطلب حتى إقامة الحد؛ لأن حد القذف حق للمقذوف، لا يقام إلا بطلبه، ويسقط بعفوه. فإذا عفا المقذوف سقط الحد عنه، لكنه يعزر بما يردعه عن التمادي في القذف المحرم. ثانيًا: أن لا يأتي القاذف ببينة على ثبوت ما قذف به، وهي أربعة شهداء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾. ثالثًا: ألا يصدقه المقذوف فيما قذفه به، ويقر به. فإن أقر به المقذوف وصدق القاذف، لا حد؛ لأن ذلك أبلغ في إقامة البينة. رابعًا: ألا يلاعن القاذف المقذوف إن كان القاذف زوجًا، فإنه يسقط الحد كما مضى في اللعان. ألا يلاعن القاذف المقذوف إن كان القاذف زوجًا بمعنى أن هذا مما ستناول من أحكام القاذف، ولو لم يأتي بأربعة شهداء، ولو لم يكن هناك إقرار من المقذوف. وهذا في حق الزوج مع زوجه. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.