كتاب الحدود 9

الدرس في كتاب الحدود 9، ألقاها

شروط إقامة حد الخمر وإثباته

تطرق الدرس إلى شروط إقامة حد الخمر وكيفية إثباته بالإقرار أو بشهادة عدلين. وتناول تفاصيل الشروط كالإسلام والبلوغ والعقل.

تحريم المخدرات وآثارها

المخدرات حرام لما ورد في الأحاديث من تحريم المسكر ولما تسببه من ضرر على العقل والدين والعرض والمال والبدن. وتضررت الضروريات الخمس منها.

تحريم الاتجار بالمخدرات وأحكامها

الاتجار بالمخدرات حرام لما فيه من ضرر وأذى، وهو أشد إثمًا من بيع الخمر لما يترتب عليه من أضرار جسيمة. ويستند التحريم إلى أحاديث نبوية وقواعد فقهية.

ختام الدرس بالتوبة والاستغفار

المقطع الأخير يتضمن الدعاء لله بالتسبيح والاستغفار، ويعبر عن التوبة والاعتراف بذنوب العبد، ويطلب العفو والمغفرة من الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. توقفنا في الدرس الماضي عند الكلام على شروط إقامة حد الخمر، وقد ذكر منها ما ذكر، أي ذكرنا أنه من شروط أن يكون مسلمًا، أن يكون بالغًا، عاقلاً، مختارًا، عالمًا بالتحريم. توقفنا ها هنا، ومر معنا في الدرس الماضي أن المقصود بقول العلماء -رحمهم الله تعالى- أن يكون عالمًا بالتحريم، أي عالمًا بتحريم شرب الخمر. ولو لم يكن عالمًا بما يترتب عليه من الحد، فالعبرة بالعلم بالتحريم. وأيضًا من الشروط، قالوا: أن يعلم شارب الخمر أن هذا الشراب خمر، فإن شربه على أنه شراب آخر فلا حد عليه. وهذا كذلك من الشروط، وهو داخل في شرط العلم؛ لأن العلم إما أن يكون علمًا بالحكم، وإما أن يكون علمًا بالحال، كما هو الحال عندنا ها هنا. فلو أن إنسانًا شرب شيئًا وجد قرورة فشربها، أو شرب ما فيها يظنها عصيرًا، فإذا بها خمر، أو شرب من إناء يظنه نبيدًا ما زال لم يتخمر، فإذا به أصبح خمرًا، أو ما شابه ذلك، فمثل هذا لا يحد؛ لماذا؟ لأنه جاهل بالحال، أي بحال ذلك المشروب أنه خمر، فلا يحد لأجل ذلك؛ لأن حكمه يكون حكم المخطئ، وكذا الجاهل كما تقدم، لا يقام عليه حد لجهله بالحال، فهو لم يدري ولم يشعر بأنه شراب قد أسكر أو صار خمرًا، فشربه على أنه عصير، فإذا به خمر، فمثل هذا لا يحد لجهله بذلك المشروب. فهذه شروط إقامة الحد. الثالث: ما يثبت به حد الخمر، أي بماذا يثبت حد الخمر، ويقال في الشارب أنه شرب الخمر ويستحق الحد؟ يثبت بأمرين: الأمر الأول: الإقرار بشرب الخمر، كأن يقر ويعترف بأنه شرب الخمر مختارًا، أي غير مكرَه. فمثل هذا إذا كان الأمر كذلك، فإنه يقام عليه الحد؛ لأنه بينة ظاهرة، الإقرار من البينات الظاهرات. الأمر الثاني: البينة، وهي شهادة رجلين عدلين مسلمين عليه بالشهادة، إن لم يكن إقرار. ولكن كانت هناك بينة بشهادة رجلين عدلين بأنه قد شرب الخمر، فإنه يقام عليه الحد بذلك؛ لعمومات الأدلة في ذلك، من أن الحدود في شرب الخمر، وفي السرقة، وغيرها من الحقوق، تثبت بشهادة عدلين، إلا ما استثني من ذلك بدليل، كحد الزنا. والبينة أو شهادة رجلين عدلين، ولو كان أحدهما رآه يشرب، والآخر رآه يتقيأ ذلك الشرب، لا يشترط في شرب الخمر أن يجتمع الاثنان في رؤيته وهو يشرب الخمر، بل لو رآه أحدهما يشرب، ورآه الآخر يتقيأ ذلك الخمر، فإن هذه شهادة يثبت بها الحد. يدل على هذا ما جاء في صحيح مسلم، أن عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه- أتي له بالوليد بن عقبة، وكان قد شرب الخمر، فشهد عليه حمران مولى عثمان بأنه رآه وهو يشربها، وشهد عليه رجل آخر من المسلمين بأنه رآه وهو يتقيأها. فقال عثمان: ما تقيأها إلا بعد أن شربها. وأمر علي -رضي الله عنه وأرضاه- بأن يحده. وهذه قضية اشتهرت وانتشرت بين الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-، ولا يعلم لهما مخالفًا، أي لعلي ولعثمان. فالشاهد أن البينة في شرب الخمر تثبت، إما بشهادة كلاهما بأنهما رأياه يشرب الخمر، أو أن أحدهما رآه يشربها، والآخر رآه يتقيأها، أو ما شابه ذلك من الشهادات الواضحات البينات الدالة على أنه قد شرب الخمر واستحق الحد. المسألة الثالثة: حكم المخدرات والاتجار بها. حكم المخدرات سوى الخمر، أي الكلام عليها، يعني يقولون: المخدرات غير ما تقدم معنا في الخمر، وإلا فإنها داخل في جملة الخمر، لكن أرادوا تبيينها وتعريفها. بقولهم حكم المخدرات سوى الخمر، وكأنهم يقولون بأن الخمر من المخدرات، أو أن المخدرات تدخل ضمنًا في معنى الخمر. قالوا: ويقصد بالمخدرات ما يغشى العقل والفكر، ويصيب متعاطيها بالكسل والثقل والفتور، مثل البنج والأفيون والحشيش ونحوها. وهذه كلها من أنواع المخدرات. البنج والأفيون والحشيش ونحوها، مما عرف بأنه من المخدرات. ما حكمه؟ المخدرات حرام، كيفما كان تعاطيها، أي سواء كان مشروبًا أو كان مطعومًا مأكولاً، فكيفما تناولها، وسواء كان عبر الشرب أو الأكل أو الشم أو الحقن، أو غير ذلك من الأساليب التي يستخدمها من يستخدمها في تعاطي المخدرات. لحديث عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كل شراب أسكر فهو حرام». ولحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». وهذا كما ترون، لفظ عام: «كل مسكر خمر»، والمخدر لا شك ولا ريب بأنه مسكر؛ لأنه يغطي على العقل، فوق ما يغطي عليه شرب الخمر. بل قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بأن شرب هذه الأنواع من المخدرات، وكانت في زمنه الحشيشة ونحوها، قال -رحمه الله تعالى- كلامًا معناه أن شربها من حيث تغطية العقل وإفساد العقل أشد من الخمر، وإن كانت داخل في معنى الخمر. قال: إلا أنها أشد. بل قال: بل إنها تورث متعاطيها دياثة، أي يصير ديوثًا لا يغار على أهله، بل يرضى بهم وعليهم بالفاحشة. وهذا كما ترون أشد بكثير من معنى الخمر. فهو لو قلنا بأنه خمر، فالأمر فيه واضح؛ فهو خمر بجامع الإسكار، وضرره أشد من ضرر الخمر على العقل والبدن، بل والدين والخلق. فهو من حيث الحرمة أشد حرمة من الخمر، وإن كان داخلاً في عموم الإسكار. فذكر شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- للعلماء -رحمهم الله تعالى- فيه قولين. قال: ولا ريب أنه في الحد أو كما قال: أنه شرب الخمر يجب الحد، ويدخل في شرب الخمر تعاطي المخدرات؛ لأنه في معنى الخمر بجامع العلة، بل وبنص حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعموم المذكور بين أيدينا: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». وهذا مسكر بلا شك ولا ريب. قال: ولعظم خطر هذه المواد المخدرة وشدة إفسادها وفتكها بشباب الأمة ورجالها، وشغلهم عن طاعة ربهم وجهادهم لأعدائهم. ومعاني الأمور، أي هذا من حيث التعليل للتحريم، كما أن الأول من حيث الدليل على التحريم. فاجتمع الأثر والنظر في الدلالة على تحريم المخدرات. الأثر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كل شراب أسكر فهو حرام»، وفي قوله: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام». والنظر هو ما تقدم مما يورثه المخدر أو المخدرات على الفرد والمجتمع من الفساد العريض الذي لا يقدر قدره إلا رب العالمين -جل وعلا-. فهو محرم بلا شك ولا ريب، محرم بلا شك ولا ريب. لو لم يكن عندنا النص الصريح في كونه محرمًا في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «كل مسكر خمر»، لدلت الأدلة العامة والقواعد الشرعية على تحريمه؛ لأنه كما مر معنا أن الشريعة جاءت بالحفاظ على الضروريات الخمس، وهذا فيه إفساد لإحدى أو لأحد تلك الضروريات، هو إفساد للعقل، بل وإفساد للدين، بل وإفساد للعرض. ففيه إفساد للدين؛ كما تقدم، لا يصير المسلم له همه بعد ذلك في طاعة ربه -جل وعلا-، بل يكون في أوحال الرذيلة وأوساخ المعاصي، تقلب فيها ليلاً ونهارًا. وهي كذلك فساد على العرض؛ لما تقدم ذكره من كلام شيخ الإسلام أنه يورث الدياثة. وكذلك فساد للعقل؛ لأنه يغطي على العقل، فلا يصير بسببها عاقلاً، بل يكون أشبه ما يكون بالمجنون المعتوه. بل وفيه كذلك إضرار بالمال، وفيه كذلك إضرار بالبدن. إذن دخل ضرره على الضروريات الخمس: على العقل، على الدين، على العرض، على المال، وعلى البدن. فهو من حيث الحرمة لا شك ولا ريب أنه محرم، بل حرمته قطعية؛ لما تقدم ذكره من أنه مفسد للضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بالحفاظ عليها. أيضًا عمومات الأدلة تدل على هذا. قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار». هذا عام، وهذا من أعظم الضرر: ضرر على دينه، ضرر على عقله، ضرر على ماله، على عرضه، على بدنه، على مجتمعه، على أهله، إلى غير ذلك. «لا ضرر ولا ضرار»، نهي عن الضرر ونهي عن الإضرار. وهذا فيه أعظم الضرر وأعظم الإضرار. حكم الاتجار بالمواد المخدرة أو المخدرات، ورد النهي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تحريم الخمر. فقد روى جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إن الله حرم الخمر والميتة والخنزير والأصنام». والحديث في صحيح، والحديث في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح. ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه». الأمر كذلك هنا، إن الله إذا حرم شيئًا -الخمر- حرم ثمنه. فهذا دليل على تحريم الاتجار والبيع والشراء في المخدرات؛ لما تقدم من الأحاديث المذكورة، بل كذلك لأنه كما تقدم معنا يتناوله معنى الخمر، والخمر قد لعن نبينا -صلى الله عليه وسلم- بائعه ومشتريه، كما في صحيح مسلم، الحديث عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الخمر عشرة، وذكر منهم بائعه ومشتريه». إلى جانب أنه يدخل في التعاون على الإثم والعدوان، والله -جل وعلا- يقول: «ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». وهذا ناه عن التعاون على الإثم والعدوان. فهو محرم بالنصوص الواضحة، سواء كانت النصوص العامة أو النصوص الخاصة. وأيضًا من حيث المعنى، كما تقدم. ولذا قال العلماء: إن الله إنما حرم الانتفاع به، يحرم بيعه وأكل ثمنه. والأمر كذلك يعني: إنما حرم الله الانتفاع به، يحرم بيعه وأكل ثمنه. وقولهم: إنما حرم الله الانتفاع به، أوسع من الأكل والشرب؛ بمعنى أن قاعدة: «إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه»، الذي جاء فيها أو بها نص الحديث، أخص؛ لأن باب المنافع أوسع من باب الأكل والشرب. فرب شيء يكون محرمًا بيعه وشراءه، ومحرمًا أكله وشربه، لكن لا يحرم الانتفاع به. هذا ممكن. شيء لا يجوز أكله ولا شربه، وإذا حرم الله شيئًا حرم ثمنه، لكن مع هذا يجوز الانتفاع به؛ لأن باب الانتفاع أوسع من باب البيع والشراء، ومن باب الأكل والثرب. ممكن هذا. جلود الميتة مثلاً، جلود الميتة يجوز الانتفاع بها بعد دبغها، أكله، شربه، لا يجوز. مثال آخر: الذهب للرجال، لا نريد أكلاً، شربًا. مثال الميتة، هل يجوز بيعها وشراؤها؟ الميتة لا يجوز بيعها وشراؤها؛ لأنه نجس. لكن هل يجوز الانتفاع بها؟ يجوز الانتفاع بها في الزرع ونحوه، ولا سيما إذا قد حصل له معنى من معاني التغيير والاستحالة. فلذا ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- قاعدة في هذا الباب، وهو أن باب الانتفاع أوسع من باب الأكل والشرب، وأوسع من باب البيع والشراء. فرب شيء يجوز الانتفاع به، ولا يجوز أكله ولا شربه، ولا يجوز بيعه ولا شراؤه، ولكن يجوز الانتفاع به. فقلنا: لو ذكرت القاعدة الخاصة بها لكان أولى. يعني لو قيل: «إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه»، كما هو نص الحديث، وهو قاعدة أيضًا من القواعد الفقهية. لماذا؟ لأن هذه الأشياء المخدرة أحيانًا قد يجوز الانتفاع بها في غير أكل ولا شرب؛ ولا سيما إذا كان لضرورة، قد يقول قائل: الضرورة تبيح المحظورات، فهي باقية على أصلها، وخرجت عن الأصل لضرورة. مثال ذلك الآن: البنج الذي يستخدم في العمليات الجراحية، وما شابه ذلك، هو نوع من المخدر، هو نوع من المخدر، لكن أبيح لضرورة، أبيح لضرورة. وأحيانًا قد يتوسع في ذلك، فيباح للحاجة. لكن على قاعدة فقهية: تنزل الحاجة منزلة الضرورة، أي إنسان مثلاً في أصبع جرح، الجرح لا يستطاع أن يجرح من غير أن يحتاج إلى بنج، مثلاً، لكن هذا الإنسان فيه ضعف، يقول للطبيب: لو أنك تعمل مخدرًا، هل يجوز أم لا؟ يقال: هذه حاجة، وهذه الحاجة تنزل منزلة الضرورة. والضرورة تقدر بقدرها، أي لا يتعدى قدر الضرورة، إذا تعدى قدر الضرورة يكون معتدِيًا، آثمًا. يكون معتدِيًا، آثمًا. ولما كانت المخدرات يتناولها اسم الخمر، فإن النهي عن بيع الخمر يتناول هذه المخدرات شرعًا، فلا يجوز بيعها. إذن يكون المال المكتسب من الاتجار بها حرامًا، كبيع الخمر، بل وأشد؛ باعتبار أن الفساد المترتب على بيع المخدرات والاتجار بها أشد ضررًا من بيع الخمر. الخمر كبير من الكبائر، ومعصية من المعاصي، وبيعها ومشتريها ملعون، لعنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له. ومع هذا، هذا أشد إثمًا من بيع الخمر وشرائه؛ لما تقدم ذكره من أن ضرره أشد؛ لأن ضرره يتعدى إلى الضروريات الخمس. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على