الدرس في شرح مسائل الجاهلية 30، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المؤلف كيف يحاول أهل الجاهلية الانتقاص من أهل الصلاح والدعوة الحقة، إما بطعنهم في الرؤوس أو في الأتباع. يوضح أن الانتساب لا يكون إلا لما دل عليه الشرع.
يتناول انتقاد أهل الجاهلية للإسلام بذريعة الأخطاء التي يرتكبها أتباعه، مستدلين بأخطاء وقعت من أصحاب النبي محمد. يُبين أن هذا النهج يتعارض مع الشرع والعقل.
يناقش مسألة تحميل المتبوع أخطاء الأتباع، ويستدل بقول الله تعالى 'لا تزر وازرة وزر أخرى'. يفرق بين من كان سببا في الخطأ ومن لم يكن سببا فيه.
يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى المستمعين بما سمعوه ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: التاسعة عشرة، قدحهم في بعض الصالحين بفعل بعض المنتسبين إليهم، كقدح اليهود في عيسى، وقدح اليهود والنصارى في محمد صلى الله عليه وسلم. أهل الجاهلية، إخواني في الله، من بعث إليهم نبينا عليه الصلاة والسلام، أو من كانوا قبلهم من اليهود والنصارى، كانوا ولا زالوا يحاولون الإزراء والانتقاص من أهل الصلاح ومن الدعوة الحقة. وكم هي الذرائع التي تذرعوا بها في توهين الحق؟ فتارة كما مر، ذلك معنى أنهم يسلطون سهامهم إلى الرؤوس، إلى المكبوعين، إلى ذات الأنبياء وإلى ذات الرسل عليهم الصلاة والسلام، علَّ وعسى من خلال هذا الطعن والغمز واللمز فيهم، وفي عقولهم، وفي علمهم، أنهم يزحزحوا من مكانتهم عند أقوامهم. فإن لم يفلح ذلك، فلأقل أنهم يطعنوا في الأتباع، يطعنوا في الأتباع، ويغمزونهم وينسبونهم إما بما ليس فيهم، أو بما فيهم، وهو حق من الأخطاء التي لربما قد وقعوا فيها. وهذا الثاني الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: قدحهم. والقدح هنا بمعنى العيب، بمعنى الطعن، قدحهم أي أهل الجاهلية في بعض الصالحين بفعل بعض المنتسبين إليهم. أي تجد صالحًا هناك من ينتسب إليه فئان من الناس وطوائف من الناس. وقد مر معنا إخواني في الله ما يتعلق بالانتساب، وأن الانتساب لا يكون إلا لما دل عليه الشرع. فعندنا تابع وعندنا متبوع، الذي يتبع وهم المتبوعون هم الأنبياء والرسل، ومن سواهم يكون تابعًا لهم. فالتابع لا يكون متبوعًا إلا إذا كان هذا التابع يتبع لأنه تبع الدليل، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ على قول كثير من العلماء بأن أولي الأمر هنا هم العلماء. فإن أنظر كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وابن القيم، وكثير من العلماء في استنباط هذه الآية، أن هذه الآية جعلت الطاعة خاصة بالله، وكذلك كررت الطاعة في حق نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن عند ولي الأمر، وهم أهل العلم، لم تعط لهم طاعة وإنما طاعتهم تبع لطاعة الله ولطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام. فهؤلاء لا يتبعون لذواتهم ولا لأشخاصهم، وإنما يتبعون باتباعهم للدليل الذي جاء في الشرع. قال رحمه الله تعالى: قدحهم في بعض الصالحين بفعل بعض المنتسبين إليهم. قد ينتسب بعض الناس إلى بعض أهل الصلاح. وقد ذكر العلماء ما يتعلق بقضية الانتساب. وقد مر ذلك معنا في درس أمس، لكن كذلك مما تكمن الحاجة بتكراره أن الانتساب قد يكون انتسابًا إلى أشخاص، انتسابًا إلى أفكار، وهذا لا يجوز، لا يجوز كفعل أهل البدع، كالخوارج والمعتزلة والأشاعرة والماتوردية والكلابية، أناس ينتسبون إلى أشخاص أو ينتسبون إلى أفكار أو ينتسبون إلى صفات. لكن قد يأتي إشكال هنا، وهو إذا كان الانتساب إلى الأشخاص والذوات مذموم شرعًا، فما تقولون بالانتساب إلى أصحاب المذاهب؟ هذا من المالكية، وهذا من الشافعية، وهذا من الحنابلة، أليس هذا انتسابًا للأشخاص؟ بل هو انتساب للأشخاص، يقال فيهم كما يقال في الذي انتسب إلى من أمثال الأشعرية، انتسب إلى أبي الحسن الأشعري أو إلى الكلابية. لهذا العلماء اختلفوا، أو ذكروا تقاسيم لهذا الانتساب. فذكر العلماء أن الانتساب ينقسم إلى قسمين: انتساب عقدي، وانتساب فقهي. فأما الانتساب العقدي، فكونك تنتسب إلى مذهب معين من المذاهب، لا تخرج عن آرائه ولا عن أقواله، وتجعله في كل أمور الدين كما عليه هؤلاء الفرق الضالة كالمعتزلة. هذا حرام، وهذا من البدع المحدثة. ووصلها العلماء أن الانتساب إلى أمثال هؤلاء بدعة مذمومة، وهذا يسمى بالانتساب العقدي. لكن إذا كان انتسابًا فقهيًا، وذلك في المسائل العملية، الانتساب إلى إمام من الأئمة في مسائل فقهية، هل يجوز الانتساب إليه؟ كنت تقول: أنا مالكي، أنا شافعي، أنا حنبلي. هنا الخلاف، لكن ينبغي أن نحرر وجه الخلاف. والفارق بين هذا وبين ذاك، أن ذاك انتساب عقيدة، انتساب عقدي. أنا أشعري، أي على عقيدة الإمام الأشعري، لا أخرج عن عقيدته. هذا انتساب لأشخاص عقائديًا، هذا حرام لا يجوز. أما إذا كان انتسابًا لشخص ليس في العقيدة، وإنما في المعاملة، في التعامل، في الفقهيات، فهنا من أهل العلم من يرى جواز ذلك. وقد صرح بذلك ابن قدامة رحمه الله تعالى في "لمعة الاعتقاد"، وهكذا ذكر ذلك عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. هنا لا بأس أن ينتسب الرجل إلى أصحاب المذاهب. ومن أهل العلم من يرى المنع من ذلك، أن كذلك حتى ولو أن تنتسب إليهم، فلا ينبغي الانتساب إليهم، وإنما الانتساب إلى اسم شرعي وإلى مصطلح شرعي. فالحاصل، إخواني في الله، أنه لربما يوجد رجل من أهل الصلاح، والمؤلف هنا رحمه الله تعالى أراد بأهل الصلاح الأنبياء والرسل، لأنه مثل بهذه الأمثلة التي تعنيهم. فماذا يفعل المبطل؟ المبطل يبحث عن أي حجة كما يقال يدلي بها حتى يهون من دعوة الحق. فإن لم يعثر على خطأ في المتبوع، بحث في الأتباع. فإذا ضفر بالتابع، هنا البلية، أن أهل الضلال إذا عثروا على أخطاء وزلات وهنات، وهذا لا شك سيجدونه، الأتباع ما هم إلا بشر، الأتباع ما هم إلا بشر، يعتريهم ما يعتري البشر من الأخطاء ومن الزلات ومن الهنات. هذا قد يوجد، ولا أحد يخلو، ولا يقال أن أحدًا من الأفراد معصوم. لكن كيف الإشكال؟ كيف التعامل مع هذه الزلة؟ يأتيك أهل الجاهلية كما بين مؤلف رحمه الله تعالى أنهم يستدلون بالأخطاء التي وقع فيها الأتباع، أن ذلك سلم في الطعن في المتبوع، في الطعن في المتبوع. كيف توصلوا بذلك؟ توصلوا بذلك بأن الخطأ صدر من أتباعهم، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: كقدح اليهود في عيسى. اليهود قدحوا في عيسى من أي وجه؟ أنت لو تراجع ما ذكر عن عيسى عليه السلام وما كان مع قومه، كان على أكمل الأخلاق وأعلاها. كيف هو نبي الله وهو كليم الله؟ طيب كيف استطاع اليهود أن يقدحوا في عيسى من هذا الباب؟ أنهم لم يغفروا بشيء في حياة عيسى عليه السلام، لكنهم ظفروا في أتباعه، وجدوا أن أتباع عيسى وقعوا في شرك، أن أتباع عيسى قاموا بعد فترة من الزمن وردحًا من الزمن، أنهم ألهوا عيسى عليه السلام وجعله معبودًا يعبد من دون الله جل وعلا. فأصبح يعبد، أصبح يستغاث به، أصبح إلهًا من دون الله مع أمه. فلما وقعت اليهود على هذا الخطأ من أتباع عيسى، قالوا: إذن هذا ما صدر إلا من أمر من عيسى، ما صدر إلا من أمر من عيسى عليه السلام. فاستطاعوا أن ينالوا من عيسى بأي باب من باب من أخطاء وقعت في الذي ينتسبون إليه. وهكذا قال مؤلف رحمه الله تعالى: وقدح اليهود والنصارى في محمد صلى الله عليه وسلم. أهل اليهود والنصارى قدحوا في نبينا من أي وجه؟ من الممكن لأحد من أمثال هؤلاء أن يغفر بخطأ وقع من نبينا عليه الصلاة والسلام في جنب الله ما استطاعوا. لكن كيف قدحوا؟ قدحوا من هذا الطريق، أنهم نظروا في أتباعه ونظروا في أصحابه، فوجدوا أن هؤلاء قد وقعت منهم أخطاء. وقلنا هذا أمر بديهي، الخطأ صادر من كل بشر، ولو كان من الصحابة، يقع منهم أخطاء. لكن حنانيك، بعض الخطأ أهون من بعض، ومن حيث المقدار ومن حيث العدد. لكنهم عثروا على بعض الأخطاء وقعت من الصحابة، كما جرى الذي وقع بين الصحابة من تراكم للحروب والمقاتل، وهي تسمى أيام الفتن التي وقعت بينهم. فلما رأى اليهود ورأى النصارى أن أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام وقع فيما وقع من هذه القتال والمقاتل والحروب، قالوا: هذا من أتباع محمد، وقع فيما بينهم، إذن دعوة محمد ليست بصحيحة، ليست بصحيحة. فأخذوا ينسبون ينسبون الأخطاء التي وقعت في الأتباع ينسبونها للمتبوع، فأصبحوا يقدحون بأهل الصلاح بحجة أن بعض أتباعهم وقعوا في خطأ. قال رحمه الله تعالى: قدحهم أي أهل الجاهلية ومن كان على فلكهم، قدحهم في بعض الصالحين بفعل بعض المنتسبين إليهم، كقدح اليهود في عيسى، وقدح اليهود والنصارى في محمد صلى الله عليه وسلم. هذه العقيدة التي كانت عند أهل الجاهلية ولا زالت، النصارى في هذه الأزمان واليهود كذلك. إذا أرادوا أن يطعنوا وأن يغمزوا الإسلام بشيء، ما استطاعوا أن يغمزوه إلا من هذه الطريق. قليل منهم من يتجرع الإسلام، لكن بعضهم يذعن، يرى أن الإسلام هو الدين الحق، من تأمل في شرائعه، من تأمل في خصائصه، من تأمل في تشريعاته، يسلم أن هذا هو دين أراده الله أن يبقى على الأرض ويبقى في الأرض. لكن ما الذي فعلوا؟ يذهبون إلى ماذا؟ إلى أتباع هذا الدين من أهل الإسلام، وينظرون في الأخطاء والزلات، وما هم عليه من فساد ومن رذيلة. وهذا لا يغفى على أحد. فيقولون: أنظروا. إذا أراد أحد مثلًا إذا أراد أحد أن يدخل في الإسلام أو اطمأن، فيأتي من أمثال القسيسين والرهبان والكاثوليك وأمثال هؤلاء، إذا أردوا أن يطعنوا أن يبعدوا هذا الذي يريد الإسلام، يقولون: أنظر، تتبع من؟ أنظر لهؤلاء. فأول ما يصلون إلى ماذا؟ من مشار إليه، ليس إلى الإسلام، لكن إلى أتباعه. أنظر إلى هؤلاء، عندهم فساد، عندهم البخل، عندهم الشح، عندهم الآنانية، عندهم القتال بينهم، يتقاتلون هنا ويتقاتلون هنا. إيش من هذا الدين؟ إيش من دين هذا؟ هذا لو كان دين، لو كان محمد على حق، لم تضيع هذه الأخطاء في أتباعه، في أصحابه. وهكذا لا زال القوم على هذا الحال. وهذا يا عبد الله من فعل أهل الجاهلية، من فعل أهل الجاهلية. ثم جاء نبينا عليه الصلاة والسلام وخالف أهل الجاهلية في هذا. وأنزل ربنا جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. هذا الذي جاء به الدين، الذي يخطأ يتحمل تبعات خطأه. أما أنك يا عبد الله تأتي إلى خطأ صدر من أحد، ثم تحمل الغير هذا الخطأ، هذا من يقول بهذا؟ لا يصلح هذا إلى شرعًا، ولا كذلك عقلًا، ولا حتى واقعًا، ما يمكن هذا، ما يمكن هذا أبدًا. قال ربنا جل وعلا: ﴿من اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾. الذي يقع في ضلال، يقع في انحراف، إنما ضلاله وانحرافه وزلاته لنفسه، لا يتحملها أحد عن أحد. فنبي لا يتحمل مثل هذه الأشياء، حتى يقدح في دعوته ويقدح كذلك في دينه، وتدي نهل ربه سبحانه وتعالى. فهذا أمر عباد الله ينبغي أن يتأمل فيه. والأسف نجد أن بعض الناس من لربما يتحاكم لا أقول على هذه القاعدة الربانية، بل يتحاكم إلى هذه القاعدة الجاهلية. إذا أراد أن يغمز على بعض الصالحين، لربما غمزهم بفعل بعض الأفعال التي فعلها الأتباع. تجد مثل ما يقع في المذاهب، المذاهب الموجودة، لربما إذا أحد من الناس بلغ به الحنق وأراد أن يخطئ إمام الأمة، أراد أن يخطئ الشافعي رحمه الله تعالى أو إمام أحمد، فما الذي يفعل؟ أول ما يبحث يبحث في أتباعه، فيقول: أنظر لهذا فلان، فلان، فلان الحنبلي، وآخر الحنبلي، والآخر الحنبلي، ما الذي يفعله؟ كيف اعتقادهم؟ فيأتي على بعض الأخطاء أو قل بعض الشذوذات التي صدرت منهم. وماذا عسى يريد من هذه الأخطاء؟ هل يريد أن يوبخ هؤلاء؟ لا، ما يريد أن يوبخ هؤلاء، بل يقول: بهذه الأخطاء الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ويطعن في عقيدته، ويتنقص ويقدح فيه، بحجة أن هذا صدر من بعض من ينتسب إليه. وهكذا يقول في سائر المذاهب. وعلى هذا الحال، فلا يجوز يا عبد الله أن تسلك هذا المسلك، لا ينبغي أنك تأتي إلى الأخطاء الموجودة عند بعض الأتباع، ثم ترمي بها الرؤوس، بحجة أن هؤلاء ينتسبون إليهم. بل هذا يا عبد الله من فعل أهل الجاهلية. وإنما المتبوع، أخطاء إنك تنظر في خطأه، ثم بعد ذلك، وهذا مسألة أخرى، التعامل مع الأخطاء، بابه آخر، وأمرها آخر. لكن عليك أن تعلم يا عبد الله هذه القاعدة: ﴿لا تزر وازرة وزر أخرى﴾. فلا يجوز أن نستخدم هذه القاعدة حتى كذلك. بل قد يقع من بعض أهل الخير أن يقع في هذه القاعدة من غير أن يشعر. نسمع كذلك عن بعض أهل الفضل، من بعض العباد، من بعض الزهاد، كعبد القادر الجيلاني، وبغيره من هؤلاء، ممن عرفوا بالخيرية، وأنهم من أهل العبادة وأهل تعبد وزهد. يوجد من بعض من ينتسب إليهم أنه يخرج عما كانوا عليهم من الزهد، يخرج عما كانوا عليهم، وذلك بالإتيان بالبدع، أم بالضلالة التي لم يعرف هذا الإمام أو ذاك الإمام. فليس من الإنصاف ولا من العدل أن تأتي إلى الأخطاء التي صدرت من أمثال هؤلاء، ثم تنسب هذه الأخطاء إلى هذا الإمام، وتقول: هذا الرجل ما أرشد إلا على ضلال، انظر ماذا فعل أتباعه. ولو يا عبد الله الإنصاف عزيز. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى كان يمدح هؤلاء كثيرًا، بل يسدي بأقوالهم، لأنهم ما عرفوا إلا بالخيرية. فكون أن من كان ينتسب إليهم وقع في التصوف الذي لم يعرفه الأوائل، بإدخال البدع في العقائد والتعامل والمعاملات ونحو ذلك، فهذا لا يوجب الطعن في رؤوسهم. وإنما كل يتحمل خطأه، فهذا المتبوع ينظر، فإن كان على خير حال، فحكمه أن يحسن به الظن، إلا إن صدر خطأ منه، أمر آخر. لكن عندك متبوع ما علم إلا عنه الخير، ثم يأتي من ينتسب إليه وقع في أخطاء، فلا تجعل هذه الأخطاء من الأتباع تؤول إلى هذا الرأس، سواء كان من أهل العبادة أو من أهل الزهد أو كان من أهل المذاهب المعروفة أو غيرها، أو لا، فهذا ليس من الأمر الذي أمرنا به ربنا جل وعلا. لكن أحيانًا يا عبد الله، أحيانًا، وهذا موجود، قد يشرع عند بعض الناس أن الشرع دل على أن لربما المتبوع يتحمل أخطاء التابع، يتحمل أخطاء التابع. هذا وجد في قرآن، في كتاب الله جل وعلا، أخبر ربنا سبحانه وتعالى أن من الذين كفروا يحملون أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم. وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: "من دعا إلى ضلالة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها". إذن هذا الرجل فعل فعلًا، ومع ذلك يأتي يوم القيامة بأوزاره وأوزار من تبعه. إذن كيف نحمل؟ كيف نجمع بين ما قد ذكرنا من كلام الله أنه: ﴿لا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وبين الآيات أن من الناس من يتحمل تبعات الغير؟ قال علماء الفرق بين هذا وذاك: أن الذي يتحمل تبعات الغير إذا كان هو السبب، إذا كان هو السبب في ظهور هذه المخالفات، فالذي يدعو إلى ضلاله، وأدخل الناس في ضلاله، هو الذي دعا إليها، فمن فعل هذه الضلالة هو يتحملها، لأنه دعا إليها، وكان سببًا من أسبابها. وعلى هذا تجتمع الأدلة، ولا نزاع. أما شخص لم يكن سببًا أصلا، لم يكن سببًا لهذا الخطأ أو لذاك الزلل، فوقع من وقع فيه، فلا يتحمل هذا المتبوع الأخطاء التي وقعت، وقع من الأتباع، لأنه لم يكن سببًا، بخلاف من كان سببًا من أسباب فعلها وانتشارها بين الناس، وهو يتحمل تبعات هذا النشر، وهذا الاتباع للصدر من غيره. فهذه إخواني في الله ما يتعلق في هذه المسألة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه لذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.