الدرس في شرح مسائل الجاهلية 125، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث هذا الفصل عن طريقة أهل الجاهلية وأهل الكتاب في الجدال بغير علم، ويبين أن هذا الفعل مذموم وقد ورد الوعيد الشديد في حق من يفعل ذلك. كما يبرز الفرق بين منهج أهل الكتاب ومنهج النبي عليه الصلاة والسلام في التعامل مع الجهل والعلم.
كان السلف الصالح يحذرون من الجدل لأنه آفة ودسيسة تؤدي إلى الضلال، ويبين هذا الفصل صور الجدل المذموم والمشروع، حيث يكون الجدل المذموم بغير علم أو بعد ظهور الحق، بينما يكون الجدل المشروع عند الحاجة لنصرة الحق وإظهار الباطل.
يُشير هذا الفصل إلى أن الجدل والمناظرات كانت تستخدم من قبل السلف عند الضرورة وبإذن من ولي الأمر، وكانت الغلبة فيها واضحة، ويبين أن أهل السنة يستخدمون الجدل كأحد وسائل الدعوة الأخيرة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثامنة عشر بعد المئة، مخاصمتهم فيما ليس لهم به علم. قوله رحمه الله تعالى: مخاصمتهم، أي من طريقة أهل الجاهلية ومن سلوكهم ومن أخلاقهم الخصام والمخاصمة، والخصام بمعنى المجادلة، الخصام بمعنى الجدل كما ذكر ذلك بعض أهل اللغة كصاحب العين، بأن الخصام هو الجدل، إذن يدخل في المخاصمة المجادلة. قال: مخاصمتهم فيما ليس لهم به علم، وهذه إخواني في الله طريقة كان عليها أهل الجاهلية، بل أصبحت سمة من سماتهم أنهم يجادلون في دين الله، وأنهم يخاصمون في دين الله سبحانه وتعالى، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿وَمَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي هذا الفعل وهذا الأمر أصبح سمة لأهل الكفر أنهم يجادلون، أنهم يخاصمون، أنهم كذلك يحاجون في دين الله سبحانه وتعالى. وما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا، والقصد من فعل أهل الجاهلية وأهل الكفر في أنهم يجادلون في دين الله سبحانه وتعالى هم ما أرادوا من هذا الجدال إلا المناصر والنصر لباطلهم، وأن يردوا الحق الذي أتى به ربنا سبحانه وتعالى في كتابه، والذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾، إذن هذا هو السبب في جدالهم. فإذا كان كذلك، فإذا كان الجدل والجدال هو في حد ذاته مذموم، فما ظنك يا عبد الله إذا كان هذا الجدال بغير علم؟ الجدل هو مذموم لأن الجدل في حقيقته هو أنك تريد أن تغلب الخصم، هذا الجدال يدخل واحد ويريد أن يتغلب على خصمه بأي شيء، ألهم يغلبه يريد ماذا؟ أن يترفع عليه، فهذا مذموم. فتخيل أن يكون هذا الجدال بغير علم، بغير برهان، بغير السلطان، بغير أثارة تنفعك في سلك الجدال وفي سلك ذلك إقامة الحجة، فهذا أمره أعظم وأعظم، ولهذا قال المؤلف ورحمه الله تعالى: مخاصمتهم فيما ليس لهم به علم. وذكر ربنا جل وعلا الوعيد الشديد في حق من كان هذا أمره، أنه يجادل وأن مجادلته ليست عليه أثار من حق ولا أثار من علم، قال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. تأمل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾، وقد ذكرنا أن أهل الكفر يجادلون في آيات الله، ليس قصدهم الحق وإنما العكس، قصدهم ضحض الحق، قصدهم رد الحق، قصدهم أن يعلوا الباطل على الحق، فهم يجادلون في آيات الله لهذا الغرض، ثم قال: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾، أي بغير حجة، بغير برهان، بغير علم، أتاهم، إذن هو جدل، ومع هذا الجدل جدل عقيم، جدل خالي، جدل فاضي من العلم ومن البرهان ومن السلطان، إذن ما حكم هذا؟ قال ربنا جل في علاء: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾، مقت أشد الغضب على أمثال هؤلاء، وهذا الغضب الذي سيقع في أمثال هؤلاء هو ليس من عند رب العالمين فقط، بل كذلك أهل الإيمان يبغضون من كان هذا حاله، فمن رأينا من أهل الكفر مما لربما يأتي بما يسمى بالمناظرات أو ما يسمى بالمخاصمات، ويريد ماذا؟ أن يغلب أهل الإسلام في دينهم، ثم يأتي بحجج، بل لا يأتي بشيء، إما حجج باطلة واهية يعرف أنها عارية من الصحة، وإنما يأتي بذلك حتى يشغب على الناس، هذا أمر ممقوط عند الله. وهكذا على أهل الإيمان أن يمقتوه وأن يكرهوه وأن يبغضوه لأن هذا هو الحرمان المبين، ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي هذا حاله، قال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾، قال علماء: نتيجة وثمرت من استمر على هذا المنوال، أنه يجادل في دين الله، وجداله بغير علم، فإن الله يطبع على قلبه، فلا ترجو منه هداية ولا ترجو منه إيمان ولا ترجو منه أي خير يا عبد الله. فقد قال المؤلف رحمه الله تعالى: مخاصمتهم فيما ليس لهم به علم. وكم هي الأشياء التي جادل فيها أهل الكتاب نبينا عليه الصلاة والسلام وهم بغير علم، من ذلكم جدالهم في أمر إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. هذه الآية قيل: إن في سبب نزولها ما رواه الطبري في تفسيره بن جرير الطبري، وهكذا البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن نصارى نجران اجتمعوا مع أحبار من اليهود عند رسول الله عليه الصلاة والسلام وتحاجوا في إبراهيم، الكل يفتخر بانتسابه لإبراهيم عليه السلام، فكانت المفاجأة أن اليهود حكموا على إبراهيم بأنه يهودي، أي على ملتهم، وإذا بالنصارى بالمثل، بل يقولون: بل إن إبراهيم نصراني على ديننا وعلى ملتنا. قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أي: أنتم يا يهود يا من تقولون بأن إبراهيم يهودي، كيف يكون إبراهيم يهودي وما جاءت التوراة وما أُنزلت التوراة على موسى إلا بعد فترة من إبراهيم عليه السلام؟ وأنتم يا نصارى كيف تدعون بأن إبراهيم نصراني وما جاءت الديانة النصرانية إلا بعد دهر بعيد عن إبراهيم عليه السلام؟ إبراهيم هنا، ثم جاءت التوراة اليهودية، ثم جاءت النصرانية، فكيف تنسبون إبراهيم إلى اليهودية ولم تكن هناك ديانة يهودية أصلا؟ وكيف تنسبون إبراهيم إلى النصرانية ولم تكن هناك نصرانية أصلا؟ قال: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فهذه إخواني في الله مسألة واضحة، كيف كان أهل الكتاب على هذا الجدل يدعون الباطل ويردون الحق؟ وإن أردت منهم أثار من علم ما عندهم شيء، عندهم الادعاءات، عندهم الأمنيات، عندهم الشغب. ولهذا إخواني في الله لما كان أهل الكتاب بهذه المثابة، فإن الله سبحانه وتعالى أرسل نبينا عليه الصلاة والسلام على خلاف ذلك، نبينا عليه الصلاة والسلام ما يتكلم إلا بما علمه ربه سبحانه وتعالى، إن كان عنده علم تكلم، وإن لم يكن به علم سكت عليه الصلاة والسلام. وكان يسأل ربه جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، تكون حجته على علم، ولهذا كم في آثار السنة وفي أسباب آيات القرآن، كم من أشياء يقوم النصارى أو اليهود أو الكفار يسردونها على نبينا عليه الصلاة والسلام من إشكالات ومن أشياء، فكان نبينا إن كان عنده جواب أجاب، وإن لم يكن عنده جواب سكت، سكت عليه الصلاة والسلام لأن الله ما أوحى إليه بشيء. فما كان يدخل بغير علم حاشا عليه الصلاة والسلام، سئل عن الروح ما يعلم، فسكت عليه الصلاة والسلام، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، سئل عن أصحاب الكهف، فسكت عليه الصلاة والسلام، ما عنده جواب حتى أنزل ربنا جل وعلا عليه هذه الآيات. فهكذا كان هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك هدي اليهود والنصارى؟ اليهود والنصارى يجادلون، يخاصمون، يحاجون بغير علم وبغير سلطان، وقد ذكرنا ذلكم الأثر وتنبيه كذلك على ذلكم الأثر، أثر ابن عباس في أن نصارى النجران وأن أحبار اليهود اجتمعوا عند نبينا فتناقشوا حول قضية إبراهيم، ثم أنزل ربنا هذه الآيات. والصحيح إخواني في الله أن هذا الأثر بهذا السياق ضعيف، فقد رواه ابن الجريل، طبري والبيهقي، وكله من طريقه محمد بن إسحاق صاحب السيرة، وهو من طريقه عن طريق مولى زيد بن ثابت، وهو محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير عن عكرمة عن ابن عباس، الحديث أو الأثر والحديث مداره على مولى زيد بن ثابت، وهو محمد بن أبي محمد وهو مجهول. فالحاصل: اللقاء هذا وفد نجران وأحبار اليهود عند رسول الله ما صح، لكن الآية واضحة ودالاتها واضحة. نعم، كان أهل الكتاب يدعون، كل يدعي وصلا بليلة، كل يدعي أنه ينتسب لإبراهيم، بل أن إبراهيم ينتسب إليهم، وكان ذلك محض افتراء لأنه كان جدال محاجة بغير علم. فالشاهد إخواني في الله أن رسول الله عليه الصلاة والسلام أتى بما خالف به أهل الجاهلية، فكان لا يتكلم إلا بما أوحاه ربه سبحانه وتعالى إليه، وما كان بغير علم فكان يسكت عليه الصلاة والسلام حتى يوحي له ربه. وهكذا إخواني في الله كان أهل السلف، كان سلفنا الصالح يحذرون الناس من الجدل، يحذرون الناس من الجدل وأنه آفة، وأنها دسيسة، وأن ما ينبغي لأحد من المسلمين يتربى أو يربي نفسه على الجدال على الخصام على الكلام وعلى الغلبة بغير علم وبغير هدى، هذا لا يجوز. بل أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن هذه من أعظم أسباب الضلال، ما ينحرف أناس عن الصراط المستقيم بمثل ابتلائهم بمرض الجدل، قال عليه الصلاة والسلام: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، كان هذا الجدل سبب في ضلالهم بعد هدى، كان هذا الجدل سبب لانحرافهم بعد رشاد، كان هذا الجدل سبب لإضلالهم بعد استقامة. فأحذر يا عبد الله، فلتعلم أن استمرارك على الجدل ولا تستلذ بالجدل، الجدل صحيح لذيذ لأن الذي يعطى جدل يجد من نفسه الغلبة، إن دخل في نقاش سكت هذا، إن دخل في مقال أغلب هذا، وسكت هذا، لو ربما عنده علم لكن عنده لسان يحرك هنا وهنا وهنا، هذه اللذة يا عبد الله لا تفرح بها لأنها ربما كان سببا في ضلالك. فالمرء لا يتكلم إلا بعلم، عندك علم، عندك حجة، اذلي بها يا عبد الله، ما عندك فاسكت، وكفى أن أشرى الناس عنك، وقد تكلم الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى عن الجدل المذموم، وبيَّن رحمه الله تعالى في كتابه، أن الجدل المذموم يكون على صورتين، قال: إما جدل بغير علم، بغير حجة، هذا جدل مذموم. والجدل الثاني: أن يكون الجدل بعد ظهور الحق، وهذا أيضا من أنواع الجدل أو من صوره، الصورة الأولى من صور الجدل المذموم: أن يكون بغير حجة، بغير علم، تدخل في مسألة لو ربما الحق على خلاف ما أنت عليه، لكن مكابرة، تدخل إلا وإلا القول ما أقول، ما عندك طب دليل لك يا عبد الله؟ مسألة واضحة، طب تقول دليل لك يا عبد الله؟ أثار قرآن، حديث نبوي، أجمع من السلف، أقوال من أئمتنا، ما عندي شيء، لكن هذا القول الذي أقول، وهذا الذي أرى فيخاصم ويباطل ويحاج بغير علم، هذا جدل مذموم، أترك يا عبد الله. قال العلماء: من الصور الجدل الجدل بغير حجة بغير علم، والصورة الثانية من صور الجدل: الجدل بعد ظهور الحق، الحق ظهر واستنار، فإذا بصاحبنا يجادل، ما الذي أراد؟ قال علماء: التشويش، أراد الشغب على هذا الحق، هذا جدله مذموم، هذا جدله مذموم. ولهذا إخواني في الله فالمسلم لا يربي نفسه أبدا على الجدل، على أنه يترقب أن يغلب الخصم، لا يا عبد الله، وإنما تكون نيتك إظهار الحق، ولا يكون الحق إلا بعلم، فعندك علم يا عبد الله أدل به، إن لم يكن عندك علم فاكفف عنه حتى يفتح الله عليك بما خفي عليك من علم هذه المسألة. فقد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع، كما قال سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم، لكن مع ذلك إخواني في الله أحيانا الجدل قد يفتح، قد يشرع، لكن هذا عند الحاجة، الجدل أحيانا قد يفسح له المجال في شريعتنا، لكن هذا عند الحاجة، إذا دعت الحاجة لنصرة الحق والإظهار الحق وإلى قمع الباطل، وما يتأتى هذا إلا عن طريق الجدل، فأجاز الشرع الجدل حينها. ولكن انظر: جعل ربنا سبحانه وتعالى الجدل في آخر صور الدعوة، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالْتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فجعل ربنا الجدال في آخر صوره، في آخر صور الدعوة والتبليغ، أن يكون ذلك بجدال مثل إقامة المناظرات، لا يكون من أول وهلا، لكن إذا ألجئت، إذا ألجئت إليه عبد الله فحينها لابد. فإذن إخواني في الله فنعلم الأصل أن الجدال مذموم، وصورة الجدال ما كان فيه ضعض الحق، ومن صوره أن يكون بغير علم، ومن صوره أن يكون بعد ظهور الحق، وأحيانا الجدال يكون مشروعا، وذلك إذا ألجئت إليه عبد الله، وكان فيه نصرة الحق. يقول إمام الشوكاني رحمه الله تعالى، مبينا هذا النوع من الجدل الذي سمحت له الشريعة، قال رحمه الله تعالى: فأما الجدال لاستيضاح الحق ورفع اللبس والبحث عن الراجح والمرجوح، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن، فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون. فهذه قربة عظيمة، لكن كما قال سلفنا الصالح: هذا إذا ألجأ إليها الشخص، وعلى ذلك كانت مناظرات السلف رحمه الله تعالى، والمناظرات نوع من أنواع الجدل، لكن أهل السنة ألجأ إليه عند الحاجة وعند الضرورة الماسة، أو كان ذلك بإذن من ولي أمرهم، وكانت الغلبة فيها واضحة، فإنهم يدخلون، لكن كما قلنا: كآخر دعوة، أو كآخر وسيلة من وسائل الدعوة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.