الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 76، ألقاها
أهل السنة والجماعة يبغضون أهل البدع ولا يخالطونهم استدلالاً بالقرآن والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. يُشدّدون على مقاطعتهم وعدم حضور مجالسهم.
السلف الصالح كانوا يحذرون من أهل الأهواء والبدع ويبغضونهم، مثل قول ابن عباس وأبي قلابة والإمام أحمد. نقل الإجماع على هجرانهم وبغضهم، وكانوا يصنفون الناس بمجالساتهم.
عقيدة أهل السنة تقتضي بغض أهل البدع والابتعاد عنهم، مستدلين بالقرآن والسنة وآثار السلف. الهجر لأجل الدين لا يتقيد بمدة، ويُنصح بمقاطعتهم وعدم مخالطتهم.
علماء مثل ابن تيمية وابن القيم حذروا من مجالسة أهل البدع، مشيرين إلى أن العبرة بمودتهم وولائهم وليس بمظهرهم الخارجي. يُنصح بالابتعاد عنهم وعدم الاغترار بمظاهرهم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابونى رحمه الله: «ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت». وفيه -أي في أهل الأهواء والبدع- في النسخة الأخرى: «وفيهم» -نسخة أخرى- «ما فيه» -نسخة أخرى- «فيهم»، طيب، أن إذا جاء فيهم سيكون على معنى «وفيهم» -أي في أهل الأهواء- وعلى قوله رحمه الله تعالى: «وفيه» -أي أنهم إذا سمعوا ما يسمعونه من أباطيلهم إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت، وفيهم -أي ما يحدث من سماع كلامهم- فيه أنزل الله عز وجل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ حتى يخوضوا في حديث غيره. قوله رحمه الله تعالى: «ويبغضون أهل البدع»، هذا كذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن منهجهم الذي يسيرون عليه، وهو مأخوذ من كتاب الله جل وعلا، كما في الآية المذكورة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، والإعراض عنهم يكون إعراضًا عنهم بعدم سماع كلامهم، سواء من دروس، من مواعظ، ولا قراءة كتبهم، ولا مجالستهم، ولا الإصغاء إليهم، ولا حصول شيء من أنواع المقاربة والمخالطة بهم -المقاربة والمخالطة بهم- أي بأهل الأهواء والبدع، دل على هذا -كما سمعتم- هذه الآية، وآيات أخرى من كتاب الله جل وعلا. وكما مر معنا في درس مضى، في حديث عائشة في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم»، أي سمى الله في قوله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ابتغاء تأويله -أي تأويل القرآن على غير مراد الله جل وعلا-، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاحذروهم»، فهذا أمر النبوي منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالحذر منهم، ومن الحذر منهم أن لا يجالسوا، ولا يخالطوا، ولا يحضروا لمجالسهم، سواء كانت مجالس دعوية، مجالس علمية، مجالس عادية، لا يخالطون بأي نوع من أنواع المخالطات، بأي نوع من أنواع المخالطات، يبتعد عنهم وينأى عنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومما يستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على هجران المبتدعة والابتعاد عنهم وعدم مخالطتهم، يستدلون كذلك بما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم مع الثلاثة الذين خلفوا رضي الله عنهم وأرضاهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هجرهم خمسين يومًا، هجرهم خمسين يومًا، فدل هذا الحديث -كما قال علماء رحمهم الله تعالى- أن الهجر لأجل الدين، لأجل الدين ليس محدودًا بمدة محصورة، بمدة محصورة، بخلاف الهجر لأجل النفس، لأجل حظ النفس، فإنه لا يجوز أن يكون فوق ثلاث، كما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». المقصود بالهجر هاهنا المذموم المحرم، الهجر لأجل حظ النفس، الهجر لأجل حظ النفس، فهذا لا يجوز فوق ثلاث، يعني إنسان لو أغضب إنسانًا في ذاته، سبه في ذاته، حصل منه شيء في ذاته، لو أن يهجره اليوم واليومين والثلاث ولا يزيد على ذلك، فإن زاد على ذلك أثم، إن كان في أمر من حظوظ النفس، من أمور الدنيا. أما إذا كان في أمر ديني، في أمر ديني كان يحصل منه مخالفة شرعية لآية، لحديث، فينبه ويذكر ويوعظ، ولا يرجع عن ذلك، فهذا يهجر، والآثار في ذلك كثيرة، الآثار في ذلك كثيرة. جاء في حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه وأرضاه أنه رأى ابن عم له يخذف بالحصى -يضع الحصى في طرف أصبعه ثم يرمي بها- فقال له: لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الخذف، ويقول: «بأنها لا تقتل عدوا، ولا تنكأ عدوا -أو كما قال- ولكن تكسر سنا، أو تفقأ عينا»، قال: فرآه مرة ثانية يخذف، فقال: أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفعل؟ والله لا أكلمك بعد اليوم أبدًا، هذا هجر لأجل ماذا؟ لأجل أمر من حظوظ النفس؟ أم لأجل أنه خالف مخالفة شرعية؟ مخالفة شرعية. جاء كذلك في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن أحد أبنائه نهى امرأته أن تذهب إلى المسجد لأجل الصلاة، فقال له عبد الله بن عمر: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فقال ابن عمر: والله لنمنعهن، فقال له: أقول لك: قال رسول الله، وتقول: لنمنعهن؟ والله لا أكلمك أبدًا، والله لا أكلمك أبدًا، مع أنه ولده، ابنه، ولكن لما حصل منه ما حصل، حصل التباعد والتهاجر، أو الهجر من عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لولده، لأجل مخالفة، لأجل مخالفة. وكما قال علماء رحمهم الله تعالى: هو في نظر نفسه متأول فيها؛ لأنه رأى ما رأى من الفساد الذي بسببه منع امرأته لأجله، لكن ابن عمر أنكر عليه أن يرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، فهجره لأجل الله، لأجل الله جل وعلا. هذا في بعض أو حوادث أعيان، أو حوادث، هذه حوادث في معاصي، وأما البدع فهو أشد، البدع فهو أشد، لذا كانت صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أشد الناس نفورًا عن البدع وأهلها، وأشد تحذيرًا عن البدع وأهلها، والبراءة من أهلها. جاء في صحيح مسلم أن ابن عمر رضي الله عنهما لما سمع بمقالة القدرية في القدر، وأنهم زعموا أن الأمر أنف... ماذا قال؟ قال للسائل: «أخبرهم بأني منهم براء، قال: أخبرهم بأني منهم براء، وأنهم مني براء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لا يؤمنوا حتى يؤمنوا بالقدر»، وذكر حديث عمر المشهور بحديث جبريل عليه السلام، وحوادث أخرى كثيرة. عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كذلك تبرأ من قدرية، بل ثبت عنه -كما في «السنة» لابن أبي عاصم رحمه الله- أنه سمع برجل يتكلم في القدر، وقد عمي ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، قد عمي في آخر عمره، فكان يقول: «دلوني عليه، دلوني عليه، لئن مسكت عنقه لأدقنها -أو كما قال- رضي الله عنه وأرضاه». فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الطريقة، من البغض لأهل الأهواء والبدع، والمنافرة لأهل الأهواء والبدع، والحذر من أهل البدع والأهواء، جاءت عن ابن عباس آثار كثيرة في هذا المعنى: «لا تجالس أهل الأهواء، لا تجالس أهل الأهواء»، ثبت ذلك عن ابن عباس أنه قال ذلك، كما في «السنة» لابن أبي عاصم، و«الإبانة» لابن بطة، وغيرها من المصادر. جاء كذلك عن أبي قلابة رضي الله عنه ورحمه الله، أحد أئمة التابعين، أنه قال: «لا تجالس أهل الأهواء، ولا تخالطوهم، فإني أخاف أن يلبس عليكم دينكم، إني أخاف عليكم أن يلبس عليكم دينكم»، وغيرهم من السلف كذلك في أمرهم بالبعد والنهي والنأي عن أهل الأهواء والبدع كثير، كثير. الإمام أحمد رحمه الله تعالى جاءت عنه آثار كثيرة كذلك في هذا المعنى: «لا تخالط أهل الأهواء، ولا تجالسوهم، ولا تستمعوا إليهم، ولا تناظروهم، ولا تجادلوهم»، آثار كثيرة، ونقل غير واحد الإجماع، نقل غير واحد الإجماع على هجران أهل البدع، وعلى مباعدتهم، وعلى بغضهم، وعلى منافرتهم، والتنفير منهم، ومن أولئك الإمام البغوي رحمه الله تعالى في كتابه «شرح السنة»، ومن أولئك كذلك الإمام ابن منده رحمه الله تعالى، ومن أولئك الإمام ابن بطة رحمه الله تعالى، ومن أولئك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، في آخرين من أهل العلم، ينصون على هجران أهل الأهواء والبدع، ومنافرتهم، والبعد عنهم، والتحذير منهم. قال رحمه الله: «ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه»، وهذا هو حال أهل الأهواء والبدع، وكما قال من قال من الأئمة رحمهم الله تعالى: «ما ابتدع قوم بدعة إلا كان سببًا في خفاء سنة، ما تظهر بدعة إلا وأخفيت في مقابلها سنة»، قال: «وليحبونهم وليصحبونهم»، بل كان الأئمة رحمهم الله تعالى يصنفون الناس بمجالساتهم، فمن كان مجالسًا لأهل السنة والجماعة فهو منهم، ومن كان مجالسًا لأهل الأهواء والبدع صنف منهم. لذا كان بعض الأئمة رحمهم الله تعالى يسأل عن بعض الناس، فيقول: «انظر إلى من يؤويه، وإلى من يجلس، وإلى من مودته، فإن كان إلى أهل السنة والجماعة فهو منهم، وإن كان إلى أهل الأهواء والبدع فإنه منهم»، وهذا المعنى وهذه الآثار دليلها ما جاء في الصحيحين من حديث أنس، وما جاء في الصحيحين كذلك من حديث عبد الله بن مسعود، في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في ذلك الأعراب: «يا رسول الله، الرجل يحب القوم وليس منهم؟ فقال: أنت مع من أحببت»، هذا حكم النبوي، هذا حكم النبوي، أن المرأة مع من أحب، «أنت مع من أحببت»، فمن أحب أهل السنة والجماعة، وكان منهم مخالطًا لهم، راضيًا بمنهجهم وطريقتهم وعقيدتهم وسلوكهم، فهو منهم، ومن كان مخالطًا له الأهواء والبدع، راض بما هم عليه، فهو منهم، فهو منهم. لذا كذلك ثبتت الآثار كثيرة عن السلف أنهم كانوا يقولون: «من خفيت علينا بدعته، لم تخفى علينا مودته»، من خفيت علينا بدعته -أخفاها- لم تخفى علينا مودته، أي مودته ستظهر، هل مودة إلى أهل السنة والجماعة؟ فإن كان كذلك فهو منهم، وإن كانت مودته إلى أهل الأهواء والبدع فإنه منهم، ولو تلبس بلباس أهل السنة والجماعة، فالعبرة بالحقائق لا بالمظاهر، العبرة بالحقائق لا بما يظهر الإنسان ويقول: «أنا معكم، وأنا مع أهل السنة والجماعة»، وأقوالهم وتصرفاتهم وولاؤه وبراءه مخالفًا لأهل السنة والجماعة، بل موالاته لغيرهم، ومعاداتهم لأجل غير أهل السنة والجماعة، هذا من أهل الأهواء، وإن زعم أنه من أهل السنة والجماعة. قال رحمه الله تعالى: «ولا يناظرونهم»، تقدم، «ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم»، لماذا؟ قال: «التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب»، إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب، لماذا؟ لأن القلوب أوعية، ولها منافذ، ومن منافذها السمع، القلب وعاء، وعاء له منفذ، كأنك تملأ ذلك الوعاء، فإذا أملأته بسماع كلام أهل الأهواء والبدع، كيف سيكون قلبك؟ مليئًا بالشبهات، مليئًا بالشكوك، مليئًا بالريب، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، لماذا؟ قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، يمتلئ قلب العبد بذلك. وكما قال من قال من السلف: «الشبه خطافة تخطف القلب»، والقلوب ضعيفة، القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، قال: «وَجَرَتْ إِلَيْهَا الْوَسَاوِسُ وَالْخَطَرَاتُ»، الإنسان، وهذا حال كثيرين، تجده يقول: «أنا على معتقد صحيح، أنا على عقيدة، أنا درست العقيدة، بل وحققت كتب العقائد»، وإذا جالست أهل الأهواء والبدع لا يضرني، لا يضرني، لماذا؟ لأنه على عقيدة، فإذا به يتغير، فإذا به تدخله الشكوك والوساوس، فإذا به غدا يكون بوقًا لأولئك من أهل الأهواء والبدع، يصحح مذهبهم، يصحح مذهبهم، ويدافع عن مذهبهم، ويناظر لأجل مذهبهم، إلى غير ذلك، ما سبب ذلك؟ اعتماده على علمه، وعدم سلوكه لطريق العلماء والأئمة رحمهم الله تعالى في معاملة أهل الأهواء والبدع، من البعد والنأي عنهم، وعدم مخالطتهم، ولا الإصغاء إلى كلامهم. وقد مر معنا قبل أيام أن ذكرنا ما جاء عن عبد الله بن طاوس، أنه قال: «مررنا أنا وأبي على قوم -أو على قاص- فقال لي: يا بني، ضع أصبعيك في أذنيك، واجنح عليهما -أيوب بن أبي تميم السيختياني- وقولا له: رجل من أهل الأهوى، أقرأ عليك آية»، يقول له: «ولا نصف آية»، لماذا؟ لأجل أن لا يدخل عليه منها ما يدخل من الشكوك والشبهات. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر... (النص الإضافي في النهاية يبدو أنه ليس جزءًا من النص الأصلي وسيتم حذفه في النسخة المصححة) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابونى رحمه الله: «ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت». وفيه -أي في أهل الأهواء والبدع- في النسخة الأخرى: «وفيهم» -نسخة أخرى- «ما فيه» -نسخة أخرى- «فيهم»، طيب، أن إذا جاء فيهم سيكون على معنى «وفيهم» -أي في أهل الأهواء- وعلى قوله رحمه الله تعالى: «وفيه» -أي أنهم إذا سمعوا ما يسمعونه من أباطيلهم إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب وجرت إليها الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت، وفيهم -أي ما يحدث من سماع كلامهم- فيه أنزل الله عز وجل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ حتى يخوضوا في حديث غيره. قوله رحمه الله تعالى: «ويبغضون أهل البدع»، هذا كذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن منهجهم الذي يسيرون عليه، وهو مأخوذ من كتاب الله جل وعلا، كما في الآية المذكورة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، والإعراض عنهم يكون إعراضًا عنهم بعدم سماع كلامهم، سواء من دروس، من مواعظ، ولا قراءة كتبهم، ولا مجالستهم، ولا الإصغاء إليهم، ولا حصول شيء من أنواع المقاربة والمخالطة بهم -المقاربة والمخالطة بهم- أي بأهل الأهواء والبدع، دل على هذا -كما سمعتم- هذه الآية، وآيات أخرى من كتاب الله جل وعلا. وكما مر معنا في درس مضى، في حديث عائشة في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم»، أي سمى الله في قوله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ابتغاء تأويله -أي تأويل القرآن على غير مراد الله جل وعلا-، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاحذروهم»، فهذا أمر النبوي منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالحذر منهم، ومن الحذر منهم أن لا يجالسوا، ولا يخالطوا، ولا يحضروا لمجالسهم، سواء كانت مجالس دعوية، مجالس علمية، مجالس عادية، لا يخالطون بأي نوع من أنواع المخالطات، بأي نوع من أنواع المخالطات، يبتعد عنهم وينأى عنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومما يستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على هجران المبتدعة والابتعاد عنهم وعدم مخالطتهم، يستدلون كذلك بما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم مع الثلاثة الذين خلفوا رضي الله عنهم وأرضاهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم هجرهم خمسين يومًا، هجرهم خمسين يومًا، فدل هذا الحديث -كما قال علماء رحمهم الله تعالى- أن الهجر لأجل الدين، لأجل الدين ليس محدودًا بمدة محصورة، بمدة محصورة، بخلاف الهجر لأجل النفس، لأجل حظ النفس، فإنه لا يجوز أن يكون فوق ثلاث، كما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يهجر المسلم أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». المقصود بالهجر هاهنا المذموم المحرم، الهجر لأجل حظ النفس، الهجر لأجل حظ النفس، فهذا لا يجوز فوق ثلاث، يعني إنسان لو أغضب إنسانًا في ذاته، سبه في ذاته، حصل منه شيء في ذاته، لو أن يهجره اليوم واليومين والثلاث ولا يزيد على ذلك، فإن زاد على ذلك أثم، إن كان في أمر من حظوظ النفس، من أمور الدنيا. أما إذا كان في أمر ديني، في أمر ديني كان يحصل منه مخالفة شرعية لآية، لحديث، فينبه ويذكر ويوعظ، ولا يرجع عن ذلك، فهذا يهجر، والآثار في ذلك كثيرة، الآثار في ذلك كثيرة. جاء في حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه وأرضاه أنه رأى ابن عم له يخذف بالحصى -يضع الحصى في طرف أصبعه ثم يرمي بها- فقال له: لا تفعل، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الخذف، ويقول: «بأنها لا تقتل عدوا، ولا تنكأ عدوا -أو كما قال- ولكن تكسر سنا، أو تفقأ عينا»، قال: فرآه مرة ثانية يخذف، فقال: أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفعل؟ والله لا أكلمك بعد اليوم أبدًا، هذا هجر لأجل ماذا؟ لأجل أمر من حظوظ النفس؟ أم لأجل أنه خالف مخالفة شرعية؟ مخالفة شرعية. جاء كذلك في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن أحد أبنائه نهى امرأته أن تذهب إلى المسجد لأجل الصلاة، فقال له عبد الله بن عمر: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فقال ابن عمر: والله لنمنعهن، فقال له: أقول لك: قال رسول الله، وتقول: لنمنعهن؟ والله لا أكلمك أبدًا، والله لا أكلمك أبدًا، مع أنه ولده، ابنه، ولكن لما حصل منه ما حصل، حصل التباعد والتهاجر، أو الهجر من عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لولده، لأجل مخالفة، لأجل مخالفة. وكما قال علماء رحمهم الله تعالى: هو في نظر نفسه متأول فيها؛ لأنه رأى ما رأى من الفساد الذي بسببه منع امرأته لأجله، لكن ابن عمر أنكر عليه أن يرد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب، فهجره لأجل الله، لأجل الله جل وعلا. هذا في بعض أو حوادث أعيان، أو حوادث، هذه حوادث في معاصي، وأما البدع فهو أشد، البدع فهو أشد، لذا كانت صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أشد الناس نفورًا عن البدع وأهلها، وأشد تحذيرًا عن البدع وأهلها، والبراءة من أهلها. جاء في صحيح مسلم أن ابن عمر رضي الله عنهما لما سمع بمقالة القدرية في القدر، وأنهم زعموا أن الأمر أنف... ماذا قال؟ قال للسائل: «أخبرهم بأني منهم براء، قال: أخبرهم بأني منهم براء، وأنهم مني براء، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لا يؤمنوا حتى يؤمنوا بالقدر»، وذكر حديث عمر المشهور بحديث جبريل عليه السلام، وحوادث أخرى كثيرة. عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كذلك تبرأ من قدرية، بل ثبت عنه -كما في «السنة» لابن أبي عاصم رحمه الله- أنه سمع برجل يتكلم في القدر، وقد عمي ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، قد عمي في آخر عمره، فكان يقول: «دلوني عليه، دلوني عليه، لئن مسكت عنقه لأدقنها -أو كما قال- رضي الله عنه وأرضاه». فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الطريقة، من البغض لأهل الأهواء والبدع، والمنافرة لأهل الأهواء والبدع، والحذر من أهل البدع والأهواء، جاءت عن ابن عباس آثار كثيرة في هذا المعنى: «لا تجالس أهل الأهواء، لا تجالس أهل الأهواء»، ثبت ذلك عن ابن عباس أنه قال ذلك، كما في «السنة» لابن أبي عاصم، و«الإبانة» لابن بطة، وغيرها من المصادر. جاء كذلك عن أبي قلابة رضي الله عنه ورحمه الله، أحد أئمة التابعين، أنه قال: «لا تجالس أهل الأهواء، ولا تخالطوهم، فإني أخاف أن يلبس عليكم دينكم، إني أخاف عليكم أن يلبس عليكم دينكم»، وغيرهم من السلف كذلك في أمرهم بالبعد والنهي والنأي عن أهل الأهواء والبدع كثير، كثير. الإمام أحمد رحمه الله تعالى جاءت عنه آثار كثيرة كذلك في هذا المعنى: «لا تخالط أهل الأهواء، ولا تجالسوهم، ولا تستمعوا إليهم، ولا تناظروهم، ولا تجادلوهم»، آثار كثيرة، ونقل غير واحد الإجماع، نقل غير واحد الإجماع على هجران أهل البدع، وعلى مباعدتهم، وعلى بغضهم، وعلى منافرتهم، والتنفير منهم، ومن أولئك الإمام البغوي رحمه الله تعالى في كتابه «شرح السنة»، ومن أولئك كذلك الإمام ابن منده رحمه الله تعالى، ومن أولئك الإمام ابن بطة رحمه الله تعالى، ومن أولئك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، في آخرين من أهل العلم، ينصون على هجران أهل الأهواء والبدع، ومنافرتهم، والبعد عنهم، والتحذير منهم. قال رحمه الله: «ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه»، وهذا هو حال أهل الأهواء والبدع، وكما قال من قال من الأئمة رحمهم الله تعالى: «ما ابتدع قوم بدعة إلا كان سببًا في خفاء سنة، ما تظهر بدعة إلا وأخفيت في مقابلها سنة»، قال: «وليحبونهم وليصحبونهم»، بل كان الأئمة رحمهم الله تعالى يصنفون الناس بمجالساتهم، فمن كان مجالسًا لأهل السنة والجماعة فهو منهم، ومن كان مجالسًا لأهل الأهواء والبدع صنف منهم. لذا كان بعض الأئمة رحمهم الله تعالى يسأل عن بعض الناس، فيقول: «انظر إلى من يؤويه، وإلى من يجلس، وإلى من مودته، فإن كان إلى أهل السنة والجماعة فهو منهم، وإن كان إلى أهل الأهواء والبدع فإنه منهم»، وهذا المعنى وهذه الآثار دليلها ما جاء في الصحيحين من حديث أنس، وما جاء في الصحيحين كذلك من حديث عبد الله بن مسعود، في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في ذلك الأعراب: «يا رسول الله، الرجل يحب القوم وليس منهم؟ فقال: أنت مع من أحببت»، هذا حكم النبوي، هذا حكم النبوي، أن المرأة مع من أحب، «أنت مع من أحببت»، فمن أحب أهل السنة والجماعة، وكان منهم مخالطًا لهم، راضيًا بمنهجهم وطريقتهم وعقيدتهم وسلوكهم، فهو منهم، ومن كان مخالطًا له الأهواء والبدع، راض بما هم عليه، فهو منهم، فهو منهم. لذا كذلك ثبتت الآثار كثيرة عن السلف أنهم كانوا يقولون: «من خفيت علينا بدعته، لم تخفى علينا مودته»، من خفيت علينا بدعته -أخفاها- لم تخفى علينا مودته، أي مودته ستظهر، هل مودة إلى أهل السنة والجماعة؟ فإن كان كذلك فهو منهم، وإن كانت مودته إلى أهل الأهواء والبدع فإنه منهم، ولو تلبس بلباس أهل السنة والجماعة، فالعبرة بالحقائق لا بالمظاهر، العبرة بالحقائق لا بما يظهر الإنسان ويقول: «أنا معكم، وأنا مع أهل السنة والجماعة»، وأقوالهم وتصرفاتهم وولاؤه وبراءه مخالفًا لأهل السنة والجماعة، بل موالاته لغيرهم، ومعاداتهم لأجل غير أهل السنة والجماعة، هذا من أهل الأهواء، وإن زعم أنه من أهل السنة والجماعة. قال رحمه الله تعالى: «ولا يناظرونهم»، تقدم، «ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم»، لماذا؟ قال: «التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب»، إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب، لماذا؟ لأن القلوب أوعية، ولها منافذ، ومن منافذها السمع، القلب وعاء، وعاء له منفذ، كأنك تملأ ذلك الوعاء، فإذا أملأته بسماع كلام أهل الأهواء والبدع، كيف سيكون قلبك؟ مليئًا بالشبهات، مليئًا بالشكوك، مليئًا بالريب، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، لماذا؟ قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، يمتلئ قلب العبد بذلك. وكما قال من قال من السلف: «الشبه خطافة تخطف القلب»، والقلوب ضعيفة، القلوب ضعيفة، والشبه خطافة، قال: «وَجَرَتْ إِلَيْهَا الْوَسَاوِسُ وَالْخَطَرَاتُ»، الإنسان، وهذا حال كثيرين، تجده يقول: «أنا على معتقد صحيح، أنا على عقيدة، أنا درست العقيدة، بل وحققت كتب العقائد»، وإذا جالست أهل الأهواء والبدع لا يضرني، لا يضرني، لماذا؟ لأنه على عقيدة، فإذا به يتغير، فإذا به تدخله الشكوك والوساوس، فإذا به غدا يكون بوقًا لأولئك من أهل الأهواء والبدع، يصحح مذهبهم، يصحح مذهبهم، ويدافع عن مذهبهم، ويناظر لأجل مذهبهم، إلى غير ذلك، ما سبب ذلك؟ اعتماده على علمه، وعدم سلوكه لطريق العلماء والأئمة رحمهم الله تعالى في معاملة أهل الأهواء والبدع، من البعد والنأي عنهم، وعدم مخالطتهم، ولا الإصغاء إلى كلامهم. وقد مر معنا قبل أيام أن ذكرنا ما جاء عن عبد الله بن طاوس، أنه قال: «مررنا أنا وأبي على قوم -أو على قاص- فقال لي: يا بني، ضع أصبعيك في أذنيك، واجنح عليهما -أيوب بن أبي تميم السيختياني- وقولا له: رجل من أهل الأهواء، أقرأ عليك آية»، يقول له: «ولا نصف آية»، لماذا؟ لأجل أن لا يدخل عليه منها ما يدخل من الشكوك والشبهات. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.