شرح مسائل الجاهلية  42

شرح مسائل الجاهلية 42

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 42، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معادات أهل الجاهلية لدينهم ومحبتهم لدين الكفار

أهل الجاهلية خالفوا الأصل في تعصبهم لدينهم وعادوا دينهم الذي انتسبوا إليه وأحبوا دين الكفار. هذا التناقض يعد من أعجب الآيات حيث كفروا بنبينا عليه الصلاة والسلام.

كفر اليهود بنبينا ودين موسى وتأثيره على الأمة

كفر اليهود بنبينا هو كفرهم بدين موسى لأن نبينا جاء بما جاءت به شريعة موسى، وهذه الظاهرة موجودة في الأمة الإسلامية أيضًا. بعض المسلمين يتركون الانتساب لدينهم وينتسبون إلى دين أعدائهم.

عقوبة ترك الحق واتباع الباطل ومعاداة أهل الحق

ترك الحق واتباع الباطل يؤدي إلى العداوة لدين الله وهذه عقوبة من الله، ويؤدي إلى ضياع الدين والدنيا. يجب على المسلمين الولاء لدين الله والبراءة من دين الكفار وأهل البدع.

تحذير من عداوة اليهود والنصارى ودعوة الله للنجاة منهم

النبي جاء اليهود والنصارى بما في أصل دينهم ولكنهم أعرضوا واتخذوا العداوة، فيجب الحذر من عداوتهم. المؤلف يحذر من عداوة الطوائف المختلفة لدين الله ودعوة الله للنجاة منهم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحادية والثلاثون، أي من المسائل التي خالف فيها نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أهل الجاهلية، قال: وهي من أعجب الآيات أيضًا معاداتهم الدين الذي انتسبوا إليه غاية العداوة، ومحبتهم دين الكفار الذين عادوهم وعادوا نبيهم وفئتهم غاية المحبة، كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاهم بدين موسى عليه السلام، واتبعوا كتب السحر، وهي من دين آل فرعون. في هذه الفقرة، إخواني في الله، ذكر المؤلف رحمه الله تعالى هذه الفقرة، وهي كما عبر عنها رحمه الله تعالى أنها من أعجب الآيات. وقول رحمه الله تعالى: من أعجب الآيات، الآيات جمع آية، والآية تطلق على عدة اعتبارات، تارة تطلق الآية بمعنى العلامة، وتارة تطلق على المقطع من القرآن. لكن في هذه الإطلاقات مسائل، فإذا أطلقت الآية بمعنى العلامة، فيقول العلماء رحمه الله تعالى: بأنه من شرط الآية التي بمعنى العلامة أن تكون هذه الآية دالة على مدلولها بحيث لا يشاركه شيء آخر. ليس كل علامة آية، فالآية فيها معنى العلامة والزيادة، إذن الآية ينبغي أن تختص هي بمدلولها من غير مشاركة. قال رحمه الله تعالى: وهي من أعجب الآيات أيضًا معاداتهم الدين الذي انتسب إليه غاية العداوة، ومحبتهم دين الكفار الذين عادوهم وعادوا نبيهم وفئتهم غاية المحبة. وجه العجب من قبل المؤلف رحمه الله تعالى لما في ذلك من التناقض العظيم والتناقض العجيب، إذ الأصل أن الإنسان يتعصب أو يدافع وينافع عن دينه الذي ينتسب إليه، وبالمقابل أنه يبغض كل دين خالف دينه. لكن في هذه الفقرة، بيّن المؤلف رحمه الله تعالى أن من فعل أهل الجاهلية ما هو على خلاف ذلك، إذ أنهم يعادون دينهم الذي قد انتسبوا إليه، وبالمقابل أنهم يكنون المحبة لمن خالفهم ولمن عاداهم وعادا نبيهم عليه الصلاة والسلام. قال: كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاهم بدين موسى عليه السلام واتبعوا كتب السحر. استدل المؤلف رحمه الله تعالى بما وقع من اليهود، اليهود من بني إسرائيل، تسلط عليهم فرعون فسامهم سوء العذاب، يقتل الرجال ويستحيي النساء، وأوقع عليهم النكال والعذاب. فأصبح معلومًا أن موسى هو نبيهم، وأن فرعون هو عدوهم، فأخبر المؤلف رحمه الله تعالى أن نبينا عليه الصلاة والسلام أتى اليهود بما في شريعة موسى، لأن الأنبياء دعوتهم واحدة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «الأنبياء أخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم متفرقة»، فما جاءهم به نبينا عليه الصلاة والسلام هو في الحقيقة قد جاء به موسى. فلنفهم هذه المسألة: كفر اليهود بنبينا هو كفرهم بدين موسى، لأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما جاء بما جاءت به شريعة موسى أو بما في التوراة، لم يقرم منها شيئًا من حيث الأصول، أصول الديانة. قال رحمه الله تعالى: كما فعلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاهم بدين موسى عليه السلام واتبعوا كتب السحر، وهي من دين آل فرعون. فكان بحق مقال مؤلف رحمه الله تعالى أن ذلك من الآيات العجاب. وهنا مسألة، إخواني في الله، متعلقة بهذا الفقر، من ذلك أن نعلم طبيعة أهل الجاهلية، أنهم يتبرمون ويتبرؤون من دينهم وينتسبون إلى دين غيرهم. وهذه مسألة، إخواني في الله، قد لا تكون قاعدة مضطردة في كل كافر، فقد تجد من الكفار من ربما يدافع وينافع عن دينه، لكن بالمقابل قد تجد من يخالف ذلك. كما أشار المؤلف رحمه الله تعالى، وكما دلل، أن يوجد طائفة من الكفار أنهم يكونوا على خلاف الأصل، فتجد أنهم لا يفتخرون بدينهم ولا ينتسبون بدينهم، وإنما يعادونه بحيث أنهم ينتسبون إلى ما يخالفه. الثاني: كذلك من مسائل هذه الفقرة أنه يستفاد أن هذا الأمر بمنه قد حدث في أهل الجاهلية وفي الملل الكافر السابق السالفة، فهذا لا شك أنه يوجد في هذه الأمة، فتتبعون سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة. وقد وقع ذلك أن يوجد من المسلمين من لربما ترك الانتساب لهذا الدين أو لشرائع هذا الدين وانتسب إلى دين عدوه. ومثال ذلك ما يتأمل من كثير من أهل إسلام من اتبع الشيطان، ربنا جل وعلا أمر أهل إسلام بأن يتخذوا الشيطان عدوًا، وإن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا هذا الأصل. فماذا الذي جرى من أهل إسلام؟ تجد أن كثيرًا منهم قد تسللوا وتمصَّل وتنصَّل من شرائع الدين ورضي بالتبعية للشيطان، منهم من رضي بالتبعية الكاملة بحيث أن جعل الشيطان معبوده، وهم عباد الشيطان، ومنهم من هو دون ذلك، رضي بالدنية في تبعية الشيطان باقتراف الذنوب والمعاصي. فالرب سبحانه وتعالى أمرهم باتخاذ الشيطان أعداء، لكن تجد فئة من الناس من اتخذوا حميما وصديقا يتبعه في كل صغيرة وكبيرة. وكذلك قسي عبد الله: إن الله جل وعلا أمر أهل الإسلام باتخاذ أهل النفاق أعداء، ومن كان على شاكلتهم من كل عدو لهذا الدين هم العدو فاحذرهم. فكان ينبغي لأهل الإسلام أن يكون له الولاء والبراء، الولاء لدين الله جل وعلا، والبراء والبراءة من دين الكفار، من دين أهل البدع والأحداث، لكن تجد أن الواقع على خلاف ذلك، تجد أن من المسلمين من أخذ بذنب أهل البدع، وامتطى كذلك ما عليه اليهود وما عليه النصارى. وثم صب غضبه وجام غضبه على دين الإسلام، فأصبح من يستهزئ، من يستهتر بدين الله وبشرائع الدين، كما تفعل الكثير من الأحزاب أو الأفكار اللادينية من العلمانية والقومية، استبدلوا هذا الدين بما يناقضه، تركوا الانتساب لدين الله جل وعلا وأقبلوا على دين الأعداء من اليهودية والنصرانية. فهذه أمارة وهذه تعتبر من أعجب الآيات التي أوضحها ربنا جل وعلا بين العباد. وكذلك إخواني في الله في هذه الفائدة في هذا المقطع: عقوبة من الله جل وعلا أن من ترك الحق فإن الله جل وعلا يبتليه بالباطل، اليهود كانوا على شريعة موسى، لو أنهم آمنوا بما فيها وحققوا حكم الله فيها لكانوا من أهل الإيمان. لأن القرآن، لأن التوراة وموسى قد دلوا على وجود نبينا، على بعثته عليه الصلاة والسلام، لكن لما تركوا الحق الذي في التوراة ابتلاهم الله بالسحر، ابتلاهم الله بالسحر، فخسروا الدنيا والآخرة. وهكذا وهذه عبرة يا عبد الله لكل من أعرض عن الحق عمدًا وقصدًا لهوى واستكبار، فإن الله جل وعلا يبتليه بما فيه ضياع لدينه ودنياه. وأخرى كذلك يا عبد الله: فيه أن زيادة على ذلك أن من اتبع الباطل فإنه سيكون العداوة لدين الله جل وعلا، من اتبع الباطل فإنه سيكون العداوة لدين الله، خروجك عن الحق يا عبد الله واقتحامك واتباعك للباطل هي رزية، لكن لا يقتصر الأمر على اتباع الباطل، بل ربما وصل بك الأمر أنك تعادي أهل الحق، تعادي أهل الحق، وهذه رزية ما بعدها رزية. فانظر اليهود عندما تركوا شريعة موسى عليه السلام وأقبلوا على دين فرعون وهو السحر، هل اقتصروا على السحر؟ وإنما رجعوا إلى نبينا وإلى دينه بالعداوة وإظهار المكائد والمكر بدين الله جل وعلا. وهكذا كل من كان على الصراط المستقيم ثم ترك هذا الصراط عن عمد وعن قصد، فإن الله جل وعلا يبتليه بالباطل، ولا يقتصر على الباطل فقط، بل ربما رجع على دين الحق، رجع على دين الإسلام وإلى دين السنة بالتشويه والمعارضة، وهكذا بالرد كما يفعل كثير من الزنادق والمرتزقة. أنهم صلَّطوا وعمروا أوقاتهم في دحض دين الله جل وعلا، ويريدون أن يطفئوا نور الله بأفواهم، والله متم نوره ولو كره الكافرون ولو كره المشركون. وكذلك إخوانا في الله في ذلك بيان لشدة عداوة أهل الكفر لأن الإسلام، إخوانا في الله، قد جاء لجميع الناس بما في أصل دينهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء اليهود بما في أصل دينهم، وجاء النصارى بما في أصل دينهم، وكل هؤلاء قد أعرضوا عن ذلك، فعلى قول المؤلف رحمه الله تعالى أنهم مع الإعراض أخذوا العداوة، فإذن كل هؤلاء هم أعداء لدين الله جل وعلا. فالتعلم يا عبد الله أنك أمام طوائف عظيمة من الناس من السواد الأعظم، كلهم قد شهروا السلاح إلى ضربك، وكذلك إلى عداوتك. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.