شرح مسائل الجاهلية  74

شرح مسائل الجاهلية 74

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 74، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

اتهام أهل الجاهلية لأهل الحق بالإفساد

المؤلف يشرح كيف أن أهل الجاهلية يرمون أهل الحق بالفساد في الأرض مستدلين بقول فرعون عن موسى عليه السلام. يُوضح أن الفساد المزعوم كان إما انتقام أو دعوة إلى الله.

استمرار محاربة أهل الباطل لأهل الحق عبر التاريخ

المقطع يبين استمرار محاربة أهل الباطل لأهل الحق عبر التاريخ، واستخدامهم التشويه والطعن في الدين والنيات لإثارة الفتن. يحذر من أن النصر في الدعوة قد يؤدي إلى اشتداد الحرب من قبل أهل الباطل.

خوف أهل الباطل من دعوات الإصلاح ومحاولاتهم التشويهية

يشرح المقطع خوف أهل الباطل من دعوات الإصلاح واستخدامهم التهم والتشويه ضد المصلحين. يُظهر خوف فرعون وأتباعه من دعوة موسى عليه السلام واتهامه بالإفساد.

الدعاء والصلاة على النبي ختاماً للدرس

المقطع يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.

  • 29 جمادى الأولى 1435هـ - 30/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالثة والستون رميهم إياهم بالفساد في الأرض، كما في الآية، ويعني المؤلف رحمه الله تعالى كما في الآية، أي الآية السابقة في قوله تعالى: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. والمؤلف رحمه الله تعالى إذا وجد سبيلا من استخراج أكثر من صفة من آية واحدة فإنه يعرج على ذلك، فستجد أن هذه الآية سيذكرها في هذه الفقرة، وفيما قد مضى ذكرت، وكذلك فيما سيأتي؛ لأنها اجتمعت على عدة صفات من صفات أهل الكفر، ومن صفات أهل الجاهلية. فقوله رحمه الله تعالى: رميهم إياهم، أي ما قام به أهل الجاهلية برمي أهل الحق. والرمي في اللغة بمعنى الإلقاء والقذف، بمعنى الإلقاء والقذف، رمى الشيء أي ألقاه وقذف به، ألقاه وقذف به، ويطلق كذلك في الأمر المعنوي، يقال: رمى فلان بأمر قبيح، رمى فلان بأمر قبيح، أي قذفه به ونسبه إليه. وهنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: رميهم إياهم بالفساد في الأرض، والمقصود بالأرض هنا في ذكر الآية: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي أرض مصر، هذه الأرض المعنية في هذه الآية. وما يتعلق بالفساد رميهم إياهم بالفساد، وهذا من الأعاجيب أن يتجرأ أهل الباطل على رمي أهل الصلاح، وعلى رمي أهل الحق بأن هؤلاء أرادوا الفساد في الأرض. انظر من رمى من بالفساد؟ أتباع فرعون يرمون موسى عليه السلام. وهذا جاء، إخواني في الله، كما قد ذكرنا في درس سابق ما يتعلق بمقام التحدي الذي أقامه فرعون لموسى عليه السلام، فرد ربنا جل وعلا كيده في نحره، وباء بالفشل الذريع، فألقي السحرة ساجدين لما رأوا تلكم الآية والكرامة العظيمة التي لا يدانيها أي آية مما جاء به السحرة. فلما علم فرعون أنه قد وقع في يده، وأن أمره قد انكشف، وأن ما جاء به سوى السحر، فآمن من آمن من بني إسرائيل. هنا جاء المنادى من الأتباع فقالوا: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ معنى أتذر؟ أي أتترك، أتذر بمعنى الترك. وما المقصود بالفساد من أهل العلم؟ قال الذي عناه هؤلاء الملأ من الفساد الذي متوقع من موسى: الانتقام، أي أنه سيفعل كما فعلنا ببني إسرائيل، أنه سيستولى على أرض مصر، وأنه سيقتل أبناء الأمراء والسلاطين وأتباع فرعون، وأنه سيستحيي النساء كما فعلنا بهم. فهذا الذي سموه فساد. والقول الثاني: أن الفساد الذي رموا به موسى ليفسدوا في الأرض ما يكون من الدعوة إلى الله جل وعلا. وهذا هو الذي عليه أهل التفسير أن ما سيقوم به موسى عليه السلام من الدعوة إلى الله جل وعلا، وهذا سيكون من ثماره المخالفة لأمر فرعون، هذا من الضرورة الذي سيتبع موسى عليه السلام وما جاء به من دين وملة ونحلة، بالضرورة سيفارق دين فرعون، فجعلوا مخالفة فرعون يجعلونه عين الفساد، عين الفساد، كما ذكر ذلك السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: أن معد مكارم الأخلاق والدعوة إلى الله جل وعلا والتمسك بمحاسن الشريعة جعلوا هذا من الفساد في الأرض. وهذا، إخواني في الله، إنما يكون في حق من طمس الله جل وعلا بصيرته، من أهل النفاق والشقاق، ومن أهل الكفر والإلحاد؛ فإن الأمور تنعكس عليه وتضطرب إليه، فيرى الحق باطلا، ويرى الباطل حقا، والحق باطلا، ويرى السنة بدعة والبدعة سنة. وكما نرى في هذا الأزمان من تشربت قلوبهم الفتن، فإن ذلك ينعكس في آرائهم، وينعكس في أفكارهم. عندما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام كما في حديث حذيفة: «أن القلوب تكون على قلبين: على أبيض مثل الصفا، وآخر كالكوز مجخية». إنما كانت هذه القلوب بهذه المثابة على قدر إيمانها، وعلى قدر تعاملها مع الفتن. فالذي يبتعد عن الفتن، والذي يدرأ الفتن، فإن الله جل وعلا يصف قلبه، ويجعل على بصيرة من أمره، بخلاف الذي يستشرب الفتن: فتن الشهوات، فتن الشبهات، الذي يستشربها ويستشرفها، فإن الله جل وعلا يطمس على بصيرته، يطمس على بصيرته. ومن ذلك أنه يرى الحق باطلا والباطل حقا، لا يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا، تنطرب عليه الأمور. من هنا لا عجب أن تسمع من قول أقوام حكى ربنا جل وعلا عنهم: «أخرجوا آل لوط من قريتكم؛ إنهم أناس يتطهرون». سبحان الله! أصبحت الطهارة والعفة تهمة في أي قوم؟ هؤلاء هؤلاء الذين قد بلغوا من الانحلال والانحراف مبلغا عظيما. أمروا بإخراج أهل الصلاح، ما علة هؤلاء؟ ما تهمتهم؟ التعفف، ما يريدون زنا، ما يريدون خمور. أيش هذا التزمت؟ هذا ما نريد. هؤلاء أخرجوهم من قريتنا. وهذا الذي ينادي به كثير ممن ينتمي إلى لا دين، أو من أهل النفاق ممن يبغض أهل الصلاح، يبغض أهل الصلاح، أو أن الشوكة قد ظهرت لهم، يخاف على شهواتهم. هؤلاء إذا آلت إليهم الأمور: أين الشهوات؟ أين الملذات؟ أين المسارح؟ أين؟ أين؟ فلا يريد هؤلاء. فأعوذ بالله من الحور بعد الكور. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: رميهم إياهم بالفساد في الأرض كما في الآية، أي في قوله تعالى: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. ومن هنا، أخواني في الله، عدة فوائد. من هذه الفوائد أن نعلم أن محاربة أهل الباطل لأهل الحق أمر قضاه الله جل وعلا، المحاربة مستمرة منذ القدم، منذ الأزل إلى أن تقوم الساعة، والحرب سجال بين أهل الحق وبين أهل الباطل. لا تظن يا عبد الله أنك في دعوتك تدعو الله جل وعلا، أنك تقوم بجهد مقابل أن الخصم لا جهد له. لا، الخصم يبذل، يبذل جهودا. انظر الأتباع موسى ذهبوا إلى شكاية إلى فرعون، يؤلبون فرعون على أهل الصلاح، فهم يعملون، يشتغلون إما بالسر وإما بالظهور. فلنا عبرة يا عبد الله: عبرة على أن أهل الصلاح لا يستكينوا، أنهم عليك العمل، عليك أن تبذل يا عبد الله. إذا كان هؤلاء يبذلون ما يستطيعون على بذل في سبيل باطلهم، فالحق ينبغي أن يبذلوا، وخاصة أن المحاربة كما في هذه الآية تظهر بقوة متى؟ إذا ظهرت الشوكة، إذا ظهرت الشوكة. وانظر متى جاءت هذه المطالبة من أتباع فرعون على فرعون لكي يقضي على موسى؟ عندما أصبحت وآلت الأمور إلى موسى عليه السلام، وانتصر في ذاك المحفل العظيم، وأظهر الله جل وعلا آيته في موسى، وظهر وساد على الناس. هنا جاءت الوشاية، وهنا جاءت الحرب، وقيمت الحرب. إذا تعلم يا عبد الله أنك لو انتصرت في دعوتك، لا تعلم أن الأمور ستهدأ، بل اعلم أن الأمور ستشتعل، أن الأمور ستشتعل. فبعض الناس لربما يجعل له حدا معينا يدعو ويدعو، إذا بلغ إلى حد يقف. لا يا عبد الله، بل إذا وقفت إلى حد، وهذا الحد ترى أنه قد متعك الله بدعوة، اعلم أن الحرب ستشتعل عليك الآن. كلما انتصرت في موطن، كلما جاءك الأعداء الكثر. ولنا عبرة بنبينا عليه الصلاة والسلام، عندما كان في مكة من كان أعداؤه؟ لكن لما كان له النصر والظفر في المدينة من كان أعداؤه؟ كان أعداؤه كثر: كفار فارس، روم، يهود، المنافقون من الداخل، كثر أعداؤه. لما تكون الظفر في نصيبك ومن حقك. وهكذا، إخواني في الله، مما يستفاد من هذا المقطع الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى: أن من أعظم ما يتكى عليه أهل الباطل في حملتهم على أهل الحق مسألة التشويه، التشويه إما الطعن في الدين، الطعن في النيات. وأعظم مسألة التشويه التناقض، الرمي بالتناقض. فانظروا إلى فرعون أتباع فرعون كيف رموا موسى عليه السلام بالفساد، أنه مفسد من المفسدين. سبحان الله! موسى موسى مفسد. فماذا عسى أن نقول في فرعون؟ فرعون هو الذي قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. فرعون يخاف على قومه، أخاف. انظر إلى محبة الرعية، أنه يخاف على قومه أن موسى يغير دينكم. وما هو الدين الذي عند أتباع فرعون حتى يسمى دين؟ ومع ذلك أو أن يظهر في الأرض الفساد، فيسمي مكارم الأخلاق، يسمي ما جاء به موسى عليه السلام فسادا. وكذلك، كما قلنا، يستغل ضعاف الإيمان الرمي أهل الصلاح بالألقاب المنفرة. وقد مر ذلك معنا، لو تذكرون، في فقرات سبقت وخلت: كيف أن أهل الشرك، وكذلك من كان على منوالهم من أهل البدع، يسلكون هذا المسلك برمي أهل الصلاح بالألقاب المنفرة: كالحشوية والصابئة والصبا. وقد مر ذلك معنا كذلك. يا عبد الله، أن تعلم أن أهل الباطل إذا أرادوا أن يشنوا يشنوا هجوما على أهل الصلاح، فإنهم يلبسونهم بالتهم، يلبسونهم بالتهم. وهذه مسألة قديمة، ولا زال أهل الإفك على هذه المسألة. إذا أرادوا أن يشوهوا سمعة داعية، لربما لصقوا عليه تهمة، إما طعن في نياته: إن هذا الداعية ما أراد بدعوته إلا المال، ما أراد بدعوته إلا السلطة، ما أراد بدعوته إلا مصالح خفية. وهكذا هم. فهم عندما أرادوا أن يشوهوا صورة موسى عليه السلام عند قومه، رغم أنه أراد الفساد في الأرض، حتى تكون له الغلبة وتكون له كذلك الملكة. وكذلك، إخواني في الله، ومن أعظم ما يستفاد من هذه المسألة والفقرة في دعاء أتباع فرعون على موسى: أن نعلم أن من أعظم ما يقض مضاجع أهل الباطل مسألة الإصلاح، مسألة الإصلاح. متى ما كنت يا عبد الله مصلحا من المصلحين، فإنك أصبت الكفار في مصابهم. فما من شيء يرق أو يتعب أو ينكد عيش الكفار بمثل ما يرون من فعل أهل الصلاح، الإصلاح. أن الذي نعنيه بالصلاح والإصلاح: إصلاح العقائد، إصلاح الأعمال. هذا الذي يخافه الكفار من أي دعوة، من أي دعوة تدعو إلى الإصلاح. انظر كيف تتعامل دول الكفر، ومن كان على منوالها من الحكومات اللادينية، عندما تشن العداوة على جماعة من الجماعات. أين تكون عداوتها؟ وأين تكون قوتها وبطشها؟ ما تكون إلا في الدعوات التي تدعو إلى الإصلاح، إلى إصلاح الأفراد، إلى إصلاح العقائد، إلى إصلاح الأعمال. انظر كيف كان أتباع موسى مع موسى، أتباع فرعون مع موسى عليه السلام، عندما قام موسى عليه السلام بالإصلاح الفعلي الذي أراده الله جل وعلا: إصلاح العقائد، إصلاح عقائد الناس، إزاحة ما في نفوس الناس من هيمنة فرعون، أزاحها وربط الناس بالله جل وعلا. كان هذا عندهم فسادا عظيما، فسادا عريضا. ولهذا شن فرعون بعد ذلك هجوما شرسا: قتل الأبناء، واستحيا النساء، واستعبد بني إسرائيل. لماذا؟ لهذه المسألة العظيمة. ولا زال الكفار من تلكم الأزمان إلى هذه الأزمان ما يخافون من دعوة بمثل ما تحمل هذه الدعوة راية الإصلاح الذي يريده الله جل وعلا، ليس الإصلاح المدعى، ليس الإصلاح الذي يكون في شيء من جوانب الحياة: في الناحية السياسية أو الناحية الوعظية أو في الناحية الأخلاقية. لا يا عبد الله، متى ما كان الإصلاح في الأفراد، وفي المجتمعات، في دينهم واعتقادهم وأعمالهم، هنا تقوم القائمة لأهل الكفر، تقوم القائمة لأهل الكفر. لهذا تجد ويدلك على ذلك: أن الكفار لربما بسطوا لبعض من ينتسب للدعوة، ينبسطون إليه. لماذا؟ لعلمهم أن دعوة هؤلاء غير مخيفة، ما هي مخيفة، ما يخافونها، بل ربما سيطروا عليها، لربما تحكموا بها، لربما بل جعلوا بينهم وبينهم جسورا، جسور تمتد على حسب المصالح. لكن بعض الدعوات ما يمكنهم أن يبنوا عليها جسورا، بل يحاربون من أول وهلة، إما بحرب ظاهرة، حرب علنية، وإما حرب بخفاء. وهذا، أخواني في الله، واضح في هذا الدعاء: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أعظم الفساد عند أهل الكفر إذا رأوا من المصلحين من يصلح في عقائد الناس، وفي أعمال الناس، ويربط الناس بربهم سبحانه وتعالى. هذا، أخواني في الله، ما يتعلق بهذه الفقرة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.