شرح مسائل الجاهلية  47

شرح مسائل الجاهلية 47

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 47، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في التعبد بتحريم الحلال

يبدأ الكلام بتوضيح مفهوم التعبد بتحريم الحلال وتاريخه عند أهل الجاهلية. يُبين أن ليس كل تعبداتهم مقبولة عند الله.

شرح معاني التحريم والحلال في الإسلام

يشرح معنى التحريم والحلال في الشريعة الإسلامية، حيث يشير إلى أن التحريم يعني المنع، والحلال يشمل الواجب والمندوب والمباح.

تحريم التحليل والتحريم بغير شرع الله وتأثير الشبهات والشهوات

يُبين أن تحريم أو تحليل شيء بغير شرع الله تعالى هو اعتداء وتقصير، وأن اتخاذ مظاهر الشرك كعبادة لله هو من خصائص أهل الجاهلية.

تحريم الحلال واستحلال الحرام ووجوب اتباع الشريعة

يُوضح أن التعبد بتحريم الحلال واستحلال الحرام لا يجوز، ويجب اتباع أحسن الأقوال وطاعة الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة والثلاثون: التعبد بتحريم الحلال كما تعبدوا بالشرك. وهذا الفقر، إخواني في الله، ومما يناسب ذكره في هذا المقام ما يتعلق بترتيب الفقرات، فقد يكون هناك تقديم وتأخير لبعض الفقرات، ففي هذه الطبعة التي بين أيدينا الترتيب على ما ذكر، وفي بعض الطبعات ما كانت هذه - وهي المعدودة بالسادسة والثلاثين - جعلت الخامسة، وما كانت الخامسة جعلت السادسة، فالطبعات تختلف أحيانًا، وهذا في بعض المواضع القليل جدًا، ومنها هذا الموضع، فنسير على ما في طبعتنا وهو المشهور. قال المؤلف رحمه الله تعالى: السادسة والثلاثون: التعبد بتحريم الحلال كما تعبدوا بالشرك، وفي نسخة: كما تعبد بالشرك، كما تعبدوا بالشرك أو كما تعبد بالشرك، والمعنى واحد. هذه الفقرة وهي قريبة من الفقرة التي مضت، لكن ما كان فيما قبل كان بمعنى خاص، وهذه الفقرة بمعنى العام، وهو التعبد بتحريم الحلال. أما التعبد فهو بمعنى التقرب إلى الله جل في علاه، التقرب إلى الله جل في علاه، وهذه الألفاظ، إخواني في الله، ألفاظ التعبد تفيدنا فائدة على أن أهل الجاهلية كانت عندهم عبادات، وكان عندهم تدين، بغض النظر عن ما هي التدين، وعن ما هي العبادة التي تعبدوا بها، وهذا فيه رد على من ظن واعتقد أن أهل الجاهلية، وأن كفار العرب، وأن مشركي قريش كانوا أهل إلحاد وأهل مجون وفجور، هم نعم هم على هذه الحال، لكن كذلك لهم تعبد أحيانًا تعبد لأصنامهم وآلهتهم، وأحيانًا تعبد كذلك لله سبحانه وتعالى، فلهذا كلمة التعبد هذه تحتاج إلى انتباه، وأن نعلم أن أهل الجاهلية كان عندهم التعبد، وليس كل تعبد مقبول عند الله سبحانه وتعالى، فإن من التعبدات ومن التدينات ما يكون مردودًا على صاحبها. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: التعبد بتحريم الحلال، التحريم والحرام والمحرم، هذه الألفاظ وهذه المصطلحات الشرعية وما يتعلق تصريفاتها تأتي بمعنى المنع، وهذا في لغة العرب تأتي بمعنى المنع، التحريم والحرام والمحرم وحرمنا عليه المراضع، حرمنا عليه بمعنى منعنا عنه المراضع، فإنها محرمة عليهم، أربعين سنة محرمة عليهم، أي ممنوعة عليهم. فالحرام والتحريم والمحرم وما يتعلق من تصريفاتها وفي أصولها واشتقاقاتها، فإنها تأتي في لغة العرب بمعنى المنع. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: التعبد بتحريم الحلال، الحلال إخواني في الله في أصل خطاب الشرع يطلق على ما أحله الله سبحانه وتعالى عباده، فقد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون جائزًا. وهنا يراعى في هذا الباب المصطلحات المتعلقة بهذه الكلمة، لأن الحلال يطلق في لسان فن الأصول بما هو أخص من ذلك، الحلال عند أهل الأصول يطلق ويرد به المباح، يطلق الحلال ويرد به المباح خاصة، فيطلقون الحلال على المندوب، ولا على الواجب، ومن درس الأصول وبلغ عند باب المباح ويتعلق ما يسمى بمسميات هذا الفن، يقال عنه المباح، ويقال عنه الحلال، ويقال عنه الجائز، فعند الأصوليين أن الحلال هو بمعنى المباح، لكن في خطاب الشريعة الحلال هو أعم من ذلك، الحلال يطلق على الواجب، ويطلق على المندوب، ويطلق على الجائز والمباح. ومن هنا نعرف معنى عبارة المؤلف رحمه الله تعالى: التعبد بتحريم الحلال، أي التعبد بتحريم الواجب، التعبد بتحريم المندوب، والتعبد بتحريم المباح، كل ما أباحه الله وأحله لعباده، سواء كان من واجباته، من واجبات الشريعة، أو من مندوباتها، أو مما أباحه الله، فهذه كانت من ميزة أهل الجاهلية أنهم يحرمون ما أباحه الله وأحله الله في شريعته. قال رحمه الله تعالى: التعبد بتحريم الحلال كما تعبدوا بالشرك، أو كما قلنا: كما تعبد بالشرك، أهل الجاهلية كانوا فتحوا باب التحليل والتحريم على مصراعيه، فما كان ذلك مرده إلى الشريعة، وإنما كان هذا الباب مرده إلى أنفسهم وإلى أهوائهم، فكانوا يحرمون الحلال ويحللون الحرام. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن ذلك مرده إلى الشبهات والشهوات، مرده إلى الشبهات والشهوات، وثم بيَّن رحمه الله تعالى أن هذا من باب التقصير والاعتداء، من باب التقصير في باب المنهيات أو الاعتداء في باب الأوامر. قال رحمه الله تعالى: كما تعبدوا بالشرك، أهل الجاهلية وقعوا في الشرك، وقعوا في الكفر، لكن الأعظم من ذلك والأخزى أنهم جعلوا هذا الكفر وهذا الشرك دينًا يتعبدون به لله سبحانه وتعالى، كما مر معنا في أوائل هذه الرسالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾. أي هذه العبادة التي صدرت منا لهذه الأصنام والأوثان، ما هي إلا عبادة لله، ما هي إلا عبادة لله جل وعلا، وهي تدين لله سبحانه وتعالى، لماذا نعبد هذه الأصنام والأوثان؟ قالوا: يقربون إلى الله زلفى، زلفى بمعنى قربًا، وزنا ومعنى زلفى بمعنى قربًا، أي نتقرب بهذه العبادات للأوثان والأصنام إلى الله سبحانه وتعالى. فكان هذا من خصائص أهل جاهلية، ولازالت من العار والشنار الذي نرى في هذه الأمة أن نرى من يتتبع حذو أهل الجاهلية إلى هذا المستوى الرديء، إذ أننا نجد أقوامًا من الناس لو ربما وقعوا في الشرك ووقعوا في الكفر، ولو أنهم فعلوا ذلك مع القول بالجواز والإباحة، لقلنا: هان الأمر، ولخفف بعض الشر أهون من بعض. لكن الأدهى أن يتخذ هذا المظهر من مظاهر الشرك عبادة لله، عبادة لله يتعبدون به إلى الله سبحانه وتعالى، كمن يذبح لغير الله، يذبح لغير الله عين الشرك، ويجعل هذه الذبح لغير الله عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. فالحاصل، إخواني في الله، أن مسألة التحريم والتحليل ما ردها الشرع، ما ردها الشرع، لا يجوز لأحد من الناس أن يحرم أو أن يحل الأمر من ذات نفسه، إما لطبيعة رأاها أو لأمر سلوكي اختلقه لنفسه، هذا لا يجوز، وإنما التحريم والتحليل كله بشرع الله سبحانه وتعالى. قال مؤلفنا رحمه الله تعالى: التعبد بتحريم الحلال، وهكذا ما يتعلق باستحلال الحرام، وكذلك لا يجوز استحلال الحرام، أنك تأتي إلى بعض المحرمات التي حرمها ربنا جل وعلا فتستحلها، فهذا لا يجوز. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.