شرح مسائل الجاهلية  50

شرح مسائل الجاهلية 50

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 50، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الإلحاد في أسماء الله تعالى

يتناول هذا الفصل تعريف الإلحاد في أسماء الله تعالى وشرح كيفية حدوثه، حيث يبين أن أسماء الله مشتقة وتدل على الذات والصفات المرتبطة بها. كما يشير إلى أمثلة من الإلحاد في أسماء الله من قبل أهل الجاهلية وغيرهم.

دلالة الدعاء بأسماء الله الحسنى وتحليل الإلحاد فيها

يناقش هذا الفصل أهمية الدعاء بأسماء الله الحسنى كما ورد في الآية الكريمة "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها". كما يوضح خطورة الإلحاد في أسماء الله ويستشهد بمثال "وهم يكفرون بالرحمن" لبيان أن الإلحاد قد يصل إلى حد الكفر.

أمثلة وتطبيقات على الإلحاد في أسماء الله تعالى والتحذير منه

يستعرض هذا الفصل أمثلة متنوعة على الإلحاد في أسماء الله من مختلف الطوائف مثل الكفار والمشركين واليهود والنصارى والفلاسفة، ويشدد على أهمية عدم الإلحاد في أسماء الله تعالى ويطلب من الله التوفيق والهداية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: التاسعة والثلاثون، الإلحاد في الأسماء، كقوله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾. هذه الفقرة، كما أسلفنا إخواني في الله، لها تعلق بالفقرة السابقة، إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى تكلم عن الإلحاد في أسماء الله وفي صفاته، فكانت الفقرة السابقة متعلقة بالإلحاد في الصفات، وهذه الفقرة، وهي التاسعة والثلاثون، الإلحاد في الأسماء. ومر معنا إخواني في الله ما يتعلق بذكر تعاريف هذه الفقرة، ما هو الإلحاد، وأنه من ألحاد يلحد إلحاد، والإلحاد لغةً بمعنى الميل والعدول عن الشيء. وذكرنا ما الفرق بين الأسماء والصفات، وهناك عدة فروق، لكن ذكرنا بعضًا من هذه الفروق، أن الأسماء هي ما دلت على ذات وما تتضمنه من صفات، بخلاف الصفة، فإنها تدل على نعوت الكمال. المؤلف رحمه الله تعالى في قوله "الإلحاد في الأسماء" أي أن ذلك من خصائص أهل الجاهلية، ومما كان عليه أهل الجاهلية، ويدخل في ذلك كذلك اليهود والنصارى، فإنهم أيضًا ألحدوا في أسماء الله. قال "كقوله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾". وقول المؤلف رحمه الله تعالى "الإلحاد في الأسماء" الأسماء، أي الأسماء المعهودة، وهي لله جل وعلا، الثابتة لله جل وعلا، فكان أهل الجاهلية يلحدون في أسماء الله. وذكرنا أن الإلحاد في اصطلاح العلماء هو العدول بالأسماء والصفات عن الحق الثابت، العدول بالأسماء والصفات عن الحق الثابت، هذا هو الإلحاد. فهناك حق ثابت لأسماء الله ولصفاته، فمن أخرجها عن حقها وعن طريقتها التي أرادها الله جل وعلا، فقد ألحد فيها، سواء كان في اللفظ أو كان في المعنى أو كان في الجميع، في الألفاظ والمعاني. وأسماء الله إخواني في الله تتضمن دلالة على الذات ودلالة على الصفة المتعلقة بهذه الذات. ولهذا يقول العلماء بأن أسماء الله جل وعلا أعلام وأوصاف، أسماء الله أعلام لأنها تدل على الذات، وكذلك أوصاف لأن من أسماء الله جل وعلا أنك تؤمن بالصفة التي تضمنتها هذه الذات، لأن أسماء الله جل وعلا مشتقة. أسماء الله جل وعلا مشتقة، ليست هي كأسماء البشر، أسماء البشر جامدة، إنما اسم يدل على ذات ولا يشتق منها صفة ولا منها وصف. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أسماءه أوصاف، أصف مدح، كلها مشتقة، قد حملت لمعاني". قوله رحمه الله تعالى "أسماءه" أي أسماء الله جل وعلا. قال "أسماءه أوصاف مدح، كلها مشتقة، قد حملت لمعاني". فأسماء الله مشتقة، والإسم المشتق في باب اللغة إخواني في الله، الإسم المشتق يدل على أمرين اثنين، يدل على الذات ويدل على حدث. هذا الأسماء المشتقة في اللغة مثل "الضارب"، "الضارب" اسم مشتق، فهو يدل على ماذا؟ يدل على حدث وهو الضرب، ويدل كذلك على فاعل الحدث، على ذاته "الضارب". ولله المثل الأعلى، فأسماء الله جل وعلا مشتقة. لا إشكال في هذا عند أهل السنة، إلا ما جاء عند المتأخرين عندما استشكلوا لفظة "الله" جل في علاه، "الله" هل هو مشتق أم جامد؟ وعلى قول الكثير من العلماء على أن "الله" من أسماء الله جل وعلا، وهو الإسم الأعظم لله، ومشتق. وأنا مشتق من "الإله"، مشتق من "الإله"، "فعال" بمعنى "مألوه"، "إله" بمعنى "مألوف". فـ "الله" مشتق. حتى أن ابن القيم رحمه الله تعالى أنكر من ينسب لسيبويه أنه يقول بأن "الله" جل وعلا غير مشتق، بأنه جامد، أنكر هذا ابن القيم رحمه الله تعالى. فقال: "يستبعد أن يقول سيبويه بهذا الكلام"، بل أسماء الله جل وعلا مشتقة، لأنها تدل على ذات وتدل كذلك على وصف وعلى صفة التي تضمنته هذا اللفظ. فأسماء الله جل وعلا إذن فيها دلالة على الذات ودلالة على معنى هذه الذات، يسمى بالأوصاف. فأسماء الله جل وعلا أعلام وأوصاف. ولهذا ينبغي أن يثبت هذا لله سبحانه وتعالى. فقول رحمه الله تعالى "الإلحاد في الأسماء"، وعلى هذا إخواني في الله، فلا يجوز أن يقع منك إلحاد في أسماء الله، وأن تخرج أسماء الله جل وعلا عن مسماها التي سماها وسمى بها نفسه جل في علاه. وقد منع ربنا وحرم ربنا الإلحاد في أسمائه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾. ففي قول جل في علاه: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، قال العلماء: "فادعوه بها" تحمل على معنيين اثنين. ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ يحمل هذا الدعاء على أمرين اثنين، إما يحمل هنا "فادعوه" بمعنى التسمية، بمعنى التسمية، كقولك "دعوته بزيد"، "دعوته بزيد" أي سميته بزيد. فهنا الدعوة تأتي بمعنى التسمية، وتأتي كذلك الدعوة بمعنى الدعاء، بمعنى النداء، "دعوت زيدًا"، معنى "دعوت زيدًا" أي ناديت زيدًا. فإذا فالدعاء "فادعوه بها" يحمل إما على التسمية، ويحمل كذلك على النداء، واللفظ يحتمل هذا وذاك. فيكون معنى الآية: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، إما "فادعوه" أي سموه بها، سموا الله جل وعلا بأسمائه التي تسمى بها الرب جل وعلا، فهو الله الرحمن الرحيم العليم القدير الخبير الحكيم، يسمى ربنا بما سمى به نفسه. "فادعوه بها" أي الدعاء هنا بمعنى الدعوة، بمعنى التسمية، أو أن يكون الدعاء هنا بمعنى النداء، فينادى الله جل وعلا بأسمائه: "يا الله"، "يا رحمن"، "يا رحيم"، "يا غفور"، "يا تواب"، "يا كريم"، وكل ذلك يدخل في هذا الأمر. ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون﴾، قال العلماء: وهذا فيه تهديد من رب العالمين، أنه أطلق الجزاء، "سيجزون"، ما الذي سيجزون؟ الله أعلم بما سيجازيهم به من رب جل وعلا، لما ألحدوا في أسماء الله سبحانه وتعالى. قال مؤلف رحمه الله تعالى: "كقوله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾"، هذه الآية يستدل بها المؤلف رحمه الله تعالى مما يستدل به على أن الكفار كانوا يلحدون في أسماء الله. ففي قوله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾، "وهم" أي كفار قريش، "وهم يكفرون بالرحمن"، يكفرون بالرحمن، هنا قال العلماء: أن "يكفرون" باسم الرحمن، يكفرون باسم الرحمن، ليس كفرهم بالمسمى، بل هم يؤمنون بالله، يقرون بوجود الله، وإنما هنا كفرهم وإنكارهم لإسم الرحمن. وهذا موطن الشاهد، الإلحاد في إسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، يلحدون في إسم من أسماء الله. وهنا فائدة، قال العلماء: في قوله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾، فيه دلالة على أن الله جل وعلا أطلق عليهم لفظ الكفر، بأنهم فعلوا ما يستوجب لهم الكفر، وهم عندما ألحدوا في إسم من أسماء الله. فاستفاد العلماء أن الإلحاد في إسم من أسماء الله يوجب الكفر، كهذه الآية: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾، عندما أنكروا اسم الرحمن، فاستحقوا بذلك الكفر. فقال العلماء: إذن إطلاق لفظ التكفير والكفر في حق الذين يلحدون في أسماء الله ليس أمرًا اجتهاديًا، ليس أمرًا اجتهاديًا، بل هو نص قرآني، نص قرآني يُحكم به على من ألحد في إسم من أسماء الله، فإنه يكون من عداد الكفار، لأنه مكذب لخبر الله جل وعلا. وهذه الآية إخواني في الله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾، اختلف العلماء أصحاب التفاسير، هل هي آية مكية ولها تنزيل متعلق بها، أم أنها آية مدنية، فيكون لها كذلك سبب آخر للنزول. وهذا يرجع إلى المطولات حول معرفة الآية، هل هي مكية مدنية؟ لكن على القول المشهور، ويذكر هذا عن قتادة وعن جماعة من التابعين، على أن الآية مدنية، قالوا: أنها نزلت في صلح الحديبية، نزلت في صلح الحديبية، عندما جاء سهيل بن عمر وأراد أن يبرم مع نبينا عليه الصلاة والسلام عقد صلح الحديبية وبنود الصلح. فلما أرادوا أن يذكروا ويسطروا بنود الصلح، أمر نبينا عليه الصلاة والسلام عليًا أن يكتب "بسم الله الرحمن الرحيم"، هذه اللفظة التي تضمنت ثلاثة من أسماء الله: "الله" وهو الإسم الأعظم، لفظ الجلالة، "الرحمن"، "الرحيم". فلما سمع سهيل هذه اللفظة أنكر ذلك، قال: "لا نعرف الرحمن"، ما نعرف الرحمن. فهو تجرأ على رد هذه الكلمة "الرحمن"، لا نعرف الرحمن، في رواية قال: "ما نعرف إلا رحمن اليمامة"، لا نعرف إلا رحمن اليمامة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "اكتب باسمك اللهم"، "اكتب باسمك اللهم"، فكتبها رضي الله تعالى عنه في الصحيفة. فهم ماذا أنكروا؟ أنكروا "الرحمن"، وهم لم ينكروا "الرحيم"، و"الرحيم" لفظ مشترك، يطلق على الله ويطلق على غير الله، جاء "زيد الرحيم"، تطلق على غير الله وعلى الله سبحانه وتعالى. لكن الإسم المختص بالله، فهنا أنكروا أن يكون لله جل وعلا، وجعلوا لغير الله، على صحة الرواية، جعلوه لمسيلمة الكذاب، فكان يسمى برحمن اليمامة. فهذا هو إلحاد في أسماء الله، فكان ذلك من أسباب نزول هذه الآية: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾، فدل ذلك على أن إلحاد في أسماء الله يعد من الكفر، وهي من خصال أهل الكفر. وقد تكلم العلماء، كابن القيم رحمه الله تعالى، حاول ما يتعلق بالإلحاد الموجود عند العرب وعند الأمم، وهي كثيرة جدًا، ويرجع هذا في المطولات. لكن ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى من صور الإلحاد في أسماء الله جل وعلا، وهو أن يسمى بأسماء الله جل وعلا أسماء تطلق على الأصنام والآلهة، كما كان العرب يفعلون ذلك، فكانوا يطلقون على آلهتهم مثل "لات" وكان مأخوذًا من "الإله"، "عزة" مأخوذة من "العزيز"، "مناة" مأخوذة من "المنان". هذا إلحاد في أسماء الله، أنهم يشتقون ويأتون بأسماء الله جل وعلا ما يطلقونه على آلهتهم وعلى أوثانهم، هذا إلحاد. ومن صور الإلحاد في أسماء الله، والذي كان عليه الملة السابقة والسالفة، أنهم يسمون الله جل وعلا بغير اسمه، يأتون بأسماء من أنفسهم فيطلقونها على الله جل في علاه. كما كانت النصارى تسمي الرب جل وعلا "بالأب"، ولا زالوا على هذا، اللفظة عندهم "الأقانيم" أو "القوانيم" الثلاثة: "الأب"، و"الابن"، و"روح القدس"، ما الذي يعنون بهم "بالأب"؟ الله جل في علاه. فكيف يسمونه "بالأب"؟ وهذا إلحاد في أسماء الله، أن يسمى الرب جل وعلا باسم لم يتسم به جل في علاه. وهكذا مثل ما عليه الفلاسفة ممن يسمون الله سبحانه وتعالى "بالعلة"، "بالعلة الفياضة"، أو "العلة" إلى غير ذلك، أو "بالعقل"، يسمي بعضهم "بالعقل المدبر". فهذا كله من الإلحاد في أسماء الله جل وعلا. وكذلك من الإلحاد في أسماء الله، أن يسمى الله بالنقائص، وأن يوصف الله جل وعلا بالنقائص والعيوب. كما كان اليهود يطلقون بأن الله جل وعلا فقير، تعالى الله عن هذه المقالة علوًا كبيرًا، علوًا عظيمًا. هذا الإلحاد، التنقص في الله سبحانه وتعالى. وهكذا أدخل رحمه الله تعالى التعطيل، كون أنك تعطل أسماء الله جل وعلا بالجحود والنكران، كل ذلك إلحاد في أسماء الله. وقد توسع رحمه الله تعالى في ذكر ذلك، فيرجع ذلك في مضانه. أشهد إخواني في الله أن نعلم أن إلحاد في أسماء الله جل وعلا كان مما عليه أهل الجاهلية، وهكذا كان مما عليه أهل الكفر من الأديان السابقة، من اليهودية والنصرانية، إلى أن إلحاد كما سمعتم له صور كثيرة. والمؤلف رحمه الله تعالى إنما مثل بآية فيها ذكر نوع من أنواع الإلحاد، وهم ماذا؟ الإلحاد، وذلك بالإنكار اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، كما في قوله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.