الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 133، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
حاصر المسلمون بقيادة أبي موسى الأشعري مدينة تستر الفارسية نحو سنة ونصف، حتى دلهم رجل فارسي على مدخل مائي فدخلوا منها وفتحوا المدينة بفضل الله.
ندب أبو موسى الأشعري الشجعان لاقتحام تستر ليلاً بالسباحة، فدخل عبد الله بن المغفل ورفاقهم وفتحوا الأبواب، ودخل الجيش المسلم (30 ألفاً) وانتصر على الفرس (150 ألفاً) وأُسر قائدهم الهرمزان.
يستعرض المقطع فتح تستر وعثور المسلمين على جسد النبي دانيال، وزواج عمر من أم كلثوم بنت علي طلباً للمصاهرة النبوية، ثم تفسير قوله تعالى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ببيان قولين: تطهير حسي وتطهير معنوي، مع ترجيح المعنى المعنوي.
يذكر ابن كثير قولين في تفسير الآية، ويرجح كثير من العلماء المعنى الثاني وهو الطهارة المعنوية؛ لأن سياق الآيات يتضمن تعظيم الله والنهي عن الشرك، مما يستلزم النهي عن المعاصي التي دون الشرك.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد: قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قال: حوادث السنة السابعة عشرة. قال: ثم دخلت السنة السابعة عشرة، فكان فيها فتوح كثيرة شرقًا وغربًا، وقد ذكر أهل السير أن أكثر الفتوحات الإسلامية كانت في عهد عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، إذ استقر أمر الدولة الإسلامية، ولم تكن هناك نزاعات داخلية مثل ما وقع في عهد أبي بكر فقد شغل بحروب الردة عن الفتوحات، وكذلك ما وقع في عهد عثمان من ظهور الخوارج وظهور فتنتهم، فلذلك ذكر العلماء أن في عهد عمر كانت الفتوحات كثيرة جدًا، كما ذكر مختصرًا كثيرًا من الغزوات التي خاضها المسلمون في عهد عمر ضد فارس والروم. قال: وفيها فتحت تستر، هكذا تضبط بضم التاء وفتح التاء الثانية: تستر. وتستر هي مدينة فارسية حصينة، يعني محصنة، لها مداخل قليلة، وفي مداخلها البوابات التي لا يستطيع أحد أن يقتحمها إلا بعد فتحها، فهي مدينة حصينة. وسبب هذه الغزوة وهذا الفتح أن يزدجر وهو من أهل فارس كان يحرّض أهل فارس في كل وقت ويؤنبهم بملك العرب بلادهم، وكما تقدم معنا أن المسلمين انتصروا في معارك كثيرة ضد فارس والروم، فأصبح هذا يزدجر يحرّض أهل فارس ويؤنبهم بملك العرب بلادهم وقصدهم إياهم في حصونهم، فقاما وكتب إلى أهل الأهواز وأهل فارس يستنجد بهم كي ينقضوا على المسلمين، فجمع خلق كثير حتى قدّر هذا الجمع بمئة وخمسين ألف، بمئة وخمسين ألف من المقاتلة من الأهواز وفارس. فدارت بعض المبارزات بين المسلمين وبين الكفار، وكانت الغلبة للمسلمين، ثم تحصن أهل فارس بهذه المدينة الحصينة، يعني دخلوا المدينة وأغلقوا أبوابهم، وأصبح المسلمون خارج هذه المدينة الحصينة، فحاصرهم المسلمون، ما ترك أحدًا يخرج ولا يدخل، وحاصروا هذه المدينة الحصينة، وما استطاع المسلمون فتحها في أول الأمر، فبقوا محاصرين لها قرابة سنة ونصف، قرابة سنة ونصف، والمسلمون والمسلمون معسكرون خارج هذه المدينة. ثم يسر الله عز وجل بفتحها بعد ذلك، وما هو سبب فتح أبواب الحصن أو باب الحصن؟ السبب في ذلك وهذا كله من تيسير الله ومن نصر الله للمؤمنين، وما يعلم جنود ربك إلا هو. فبعد هذا الزمن الطويل في محاصرة هذه البلد وهذه المدينة الحصينة، جاء رجل من أهل فارس من أهل البلد إلى المسلمين، وطلب الأمان من قائد المسلمين، وكان القائد قائد المسلمين أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فجاء هذا الرجل إلى أبي موسى وطلب الأمان، يعني أنهم لا يقتلوه ولا يؤذوه ولا شيء من ذلك، فأمنه أبو موسى الأشعري، وهذا من حنكته ومن خبرته رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لكن اشترط عليه أن يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى هذه المدينة، نحن سنؤمنك بشرط أن تدلنا على منفذ وعلى مكان، وأنت من أهل البلد وأهل مكة أدرى بمداخلها وشعابها، فدلنا على موضع ندخل فيه إلى هذه البلد، فدلهم على مدخل ماء، يعني ما في مدخل إلا أن يدخلوا عن طريق الماء، أن يدخلوا عن طريق الماء. فندب أبو موسى الأشعري الأمراء، وندب الأمراء الناس إلى ذلك، لأن المهم صعب الدخول، ليس من مكان يعني ماذا، من مكان طريق في الأرض لا، إنما هي طريق في الماء، طريق في الماء يحتاج إلى ماذا؟ إلى سباحة وإلى كذلك قوة وشجاعة وتجلد، فندب الأمراء الناس إلى الدخول حتى يفتحوا الباب للمسلمين، فانتدب رجال من شجعان المسلمين ومن الأبطال، فجاءوا فدخلوا مع الماء كالبط يسبحون، سباحة مثل البط، وذلك في الليل، لأن في النهار ربما يتفطن لهم العدو، لو فعلوا ذلك في النهار لربما تفطن لهم العدو، ففعلوا ذلك في الليل، في الليل، فكان أول الليل، يعني فدخلوا في الليل، فكان أول من دخلها أول من دخلها عبد الله بن المغفل أو بن المغفل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو مزني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ودخل معه رجال من المسلمين، فجاءوا إلى البوابين، يعني الذين على الباب، فوجدوهم نائمين، وجدوهم نائمين، وهذا أيضًا من الحكمة في الدخول إليهم ليلًا لأنهم في غفلة سيكونون في غفلة، ففتحوا الأبواب والمسلمون خارج تلك الحصون بالقرب من هذه الأبواب، فلما فتحت أبواب الحصن كبر المسلمون ودخلوا إلى داخل البلد، فقام أهل فارس وقاتلوا قتالًا شديدًا، وكان عدد المسلمين ثلاثين مقاتلا، ثلاثين ألف مقاتل، ثلاثين ألف مقاتل، وأما فارس والأهواز فكان عددهم مئة وخمسين ألف، فأين الثلاثون ألفا من المئة والخمسين ألفا؟ مضاعف مضاعفة، ولكن الأمر كما قال الله عز وجل: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾، « وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ »، فنصرهم الله. وكان دخول المسلمين إلى هذه المدينة قبل الفجر بساعة أو نحوها، قبل الفجر بساعة أو نحوها، ولذلك لم يستطع المسلمون لشدة القتال أن يصلوا الفجر في وقته، نعم، لأن القتال اشتد وطال لكثرة عدد أهل تلك المدينة الحصينة، ولذلك كان أنس بن مالك إذا ذكر هذا الفتح، فتح تستر، بكى رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقيل له: وما يبكيك وقد فتح الله لكم هذه البلد ونصركم على عدوكم؟ فقال: أبكي لأننا لم نصل الفجر في وقته، سبحان الله، انظر، يعني أول مرة في حياته لم يصل الفجر في وقته، ومع أنه معذور، مع أنه معذور لأن في هذه الحال يصعب أن يصلي المسلم وقد التقى الجيشان واحتدم القتال واشتد، ومع ذلك لشدة تعلقه رضي الله تعالى عنه بأمر الصلاة كان إذا ذكر هذا الفتح بكى حسرة وكذلك تندما على فوات هذه الفريضة في وقتها، وإلا صلوها فيما بعد لكن لم يصلوها في وقتها. وكان أميرهم أنذاك الهرمزان، يقال له الهرمزان، فأسره المسلمون، أسره المسلمون، فقال لهم: لا تقتلوني، وإنما اذهبوا بي عند أميركم عمر بن الخطاب فليحكم في بحكمه، فأخذوه إلى عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فنصر الله عز وجل المسلمين، وقتل من أهل فارس ومن كذلك الأهواز الخلق الكثير، وأسروا كذلك الخلق الكثير، وأعز الله عز وجل جنده. وهذه وهذا الفتح يعد من أعظم الفتوحات الإسلامية، لأن بها انكسرت دولة فارس انكسرت تمامًا، فبعد هذا الفتح لم يكن لأهل فارس راية ولا قوة ولا شوكة، فكان فتحًا عظيمًا نصر الله عز وجل به الإسلام وأهله، ولله الحمد والمن. هذا هو باختصار أحداث فتح هذه المدينة العظيمة من مدن أهل فارس، وقد ذكر أحداث هذا الفتح الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في كتابه البداية والنهاية، وما ذكرناه من مختصر لهذا الفتح مقتبس من كتاب الحافظ رحمه الله تعالى. قال: وفيها فتحت تستر التي وجد فيها جسد دانيال عليه السلام، وكان المشركون يستسقون به، يعني يشركون بالله عز وجل فيستسقون به أن يطلبون السقيا من السماء به. قال: وفيها، أي في هذه السنة السابعة عشرة، قال: وفيها تزوج عمر أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، طلبًا لصهر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا من حكم الزواج والنكاح أن الشخص ربما يتزوج طلبًا للمصاهرة من نسب معين أو من قبيلة معينة أو نحو ذلك، فنال عمر رضي الله عنه هذا المقصد بزواجه من بنت علي بن أبي طالب أم كلثوم رضي الله عن الصحابة أجمعين. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. هذا سائل يقول: بحسب رعاية الآية قيل أو قبل ما أدري « وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ » وبعدها، ويكون المناسب للسياق حملها على تطهير القلب من النجاسات التي تعلوه، وضح لنا يا شيخ فجك الله. قال عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبُّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ ﴾ إلى آخر الآية. قيل في تطهير الثياب هو التطهير الحسي المعروف، تطهيرها من النجاسات، لأنه قد ذكر التطهير المعنوي في قوله تعالى: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾، ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ يعني الشرك أهجره من عبادة الأصنام ونحو ذلك. وقيل أيضًا: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ المراد بالطهارة هنا الطهارة المعنوية، ويراد بها طهارة القلب، يراد بها طهارة القلب من المعاصي ومن الذنوب والآثام ونحو ذلك، فيحتمل أن يكون المعنى الأول وهو الطهارة الحسية، ويحتمل أيضًا أن يكون المعنى الثاني وهو الطهارة المعنوية، طهارة القلب، فإن سياق الآيات إنما جاء في تعظيم الله عز وجل وفي التحذير من الشرك، فمن تعظيم الله سبحانه وتعالى تطهير القلب من الأدناس، ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ يعني ادعو إلى هذا الحق الذي أنزل إليك، ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبُّكَ فَكَبِّرْ ﴾ يعني عظم الله عز وجل، ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فمن تعظيم الله تطهير القلب من الذنوب والآثام، ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ يعني ابتعد عنه، ابتعد عن الشرك وعبادة الأوثان ونحو ذلك، فالعلماء لما يفسرون هذه الآية يذكرون هذين المعنيين، يذكرون هذين المعنيين، فالآية فيها هذان المعنيان، المعنى الحسي المعروف، نعم، لأن هذا من الطهارة الحسية التي بها تصح الصلاة، ومع أنه لم يذكر في الآية لفظ الصلاة أو شيء يدل على هذا المعنى، ولذلك هذا السبب الذي حمل بعض المفسرين هذا المعنى على الطهارة المعنوية دون الحسية، دون الحسية، ولعل السائل يريد هذا، فهو قال هنا: ويكون المعنى المناسب للسياق حمله على تطهير القلب من النجاسات التي تعلوه، المراد النجاسات يعني ما هي نجاسات القلب؟ المعاصي، المعاصي هي نجاسات القلب، فإذا أراد هذا السائل فنعم هذا معنى صحيح كما تقدم، والله تعالى أعلم. ولو رجعت إلى تفسير ابن كثير لرأيت أنه ذكر هذين القولين، وإن كان والله أعلم كثير من العلماء يذهب إلى المعنى الثاني وهو الطهارة المعنوية لأن سياق الآيات تدل على ذلك، فيها تعظيم الله عز وجل، وفيها النهي عن الشرك وهجر الشرك ونحو ذلك، ففي هذه الآية كما أنه نهى عن إتيان الشرك فنهى عن إتيان المعاصي التي هي دون الشرك، والله تعالى أعلم. إلهنا الله. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر