شرح مسائل الجاهلية  55

شرح مسائل الجاهلية 55

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 55، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الاحتجاج بالقدر وعلاقته بالشرك

يشرح المفهوم الخاطئ للاحتجاج بالقدر لدى أهل الجاهلية وارتباطه بعقيدة الجبرية. يُظهر كيف استخدم الكفار القدر كعذر لشركهم ومعاصيهم.

عقيدة القضاء والقدر وتوازن التوحيد والشرع

يُبيّن أهمية الإيمان بالقضاء والقدر مع الحفاظ على نظامي التوحيد والشرع، حيث يركز التوحيد على أن الأمور بيد الله بينما يهتم الشرع بالأسباب الشرعية.

وجوب العمل والتحذير من التواكل على القدر

يُؤكّد على وجوب العمل بشرع الله وعدم التكل على القدر، مشيرًا إلى أن الله أعطى الإنسان الخيرة وهداه لطريق الخير والشر.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الرابعة والأربعون: الاحتجاج على الله به، به أي الجار المجروم، متعلق بالقدر، أي يحتج بالقدر على الله سبحانه وتعالى. وقلنا أن هذه الفقرة ترتبط ارتباطا وثيقا بما قبلها، إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى ذكر أحوال أهل الجاهلية في مسألة القضاء والقدر، فهم طوائف شتى، فمنهم من جحد القدر وأنكر القدر برمته، والفئة الثانية هم من يؤمن بالقدر ويثبت القدر، إلا أنه يحتج بالقدر على ما هو عليه من الذنوب والمعاصي والشرك والكفر. وهذا يفيدنا، إخوانا في الله، فائدة عظيمة في معرفة دين الجاهلية، وأنه ليس على نسق واحد أو على نمط واحد، فهم على مآرب شتى وأهواء متعددة. فما يتعلق باعتقادهم بالله سبحانه وتعالى، فهم كذلك يتفاوتون، فمنهم الملحد المنكر لربوبية الله جل وعلا، ومنهم المثبت لوجود الرب ولخلق الرب سبحانه وتعالى، وأنه مالك الأملاك، إلا أنه كفر بالألوهية. وهكذا قس في مسألة المعاد، ويتعلق بالبعث والنشور، هم كذلك يتفاوتون، فمنهم من يقر بهذا من الكفار، من يقر بالبعث والنشور والحساب. وأما ما يتعلق بأمر في أخرى، كذلك بالمقابل، تنكر البعث والنشور، وأن الله جل وعلا لن يعيد أحدا إلى حالته، وليس هناك يوم القيامة. هذا يوجد، وهكذا يقول، حتى في مسألة القضاء والقدر، من الكفار من ذكرنا عنهم بالأمس من يجحد هذه المسألة، ومنهم من يثبتها. أي: عبل أي من المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها، هذا قول من؟ قول الرجل الجاهلي، وهو: عبل من أي المنية مهرب إن كان ربي في السماء قضاها، قضى ذلك علينا إما بالقضاء والقدر. هذا عند أهل الجاهلية، فهم يتفاوتون، وهذا مفيد جدا في معرفة أديان الكفار، تعلم ما هي الأحوال التي كانوا عليها. وهذا الذي نحن بصدده في هذا الباب، في ذكر مذاهب الكفار في باب القضاء والقدر. وقال رحمه الله تعالى: الاحتجاج على الله به، أي أن أهل الجاهلية احتجوا بما هم عليه من المعاصي والذنوب والشرك والكفر، احتجوا على ذلك بقدر الله جل وعلا، أي أن الله جل وعلا هو الذي قدر عليهم ذلك. وعندهم قدر بمعنى أن الله هو الذي ألزمهم بذلك، هو الذي ألزمهم بفعل الشرك، بفعل المعاصي. ثم استنتجوا بعد ذلك، بعد هذه العقيدة الفاسدة التي اعتقدوها، جاء الاستنتاج الأهوج، لأن الأصل أعوج، فكان الاستنتاج منهم بأن الله جل وعلا راضٍ عن حالتنا، فهو راضٍ عن شركنا، راضٍ عن كفرنا، راضٍ عن معاصينا، أعوذ بالله. هكذا استنتجوا ذلك. وقال الذين أشركوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء، لو شاء الله ما أشركنا، لكن الله شاء ذلك من الشرك وأراد من الشرك، فإذن الشرك ما في شيء، ما نحن فيه من عبادة لغير الله، من عبادة اللات والعزة، هذا مما أراده الله ومما شاءه الله، إذن الله يرضى ذلك عنا، فلا غضاضة ما نحن فيه وبما نحن عليه. وهذه، إخوانا، فيها العقيدة عقيدة الجبرية، هي ما أخذ أصلاً من إبليس اللعين، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾. قال: فبما أغويتني، أقسم، أقسم الشيطان بما أغويتني، ما مصدرية تسبك بما بعدها بمصدر، أي أقسم بإغوائك إياي، أقسم بإغوائك إياي، كما قال ذلك الشوكاني رحمه الله تعالى في فتح القدير. فهو أقسم بإغواء الله له، فيعتقد أن الغواء لم تكن منه، إنما الرب هو الذي غوى. فهذه عقيدة الجبرية، والذي بعدها انطلقت من إبليس، وسارت وسارت بين طلابه من أبالسة الإنس والجن، ممن يعتقد بعقيدة الجبر، أن ما هم عليه من ضلال ومن خروج عن الطاعة، إنما هو من إلزام الله ومن إلزام الله لهم، هو الذي ألزمهم وحتم عليهم أن يكونوا على هذا الحال. إذن فربنا جل وعليه راضٍ عن حالتنا، راضٍ عن حالتنا. فإذا الكفر، إخواني في الله، كانوا يحتجون وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم، لكننا عبدناهم لأن ذلك لمشيئة الله، ربنا شاء منا أن نعبد الأصنام، فإذا ذلك إذا دخلوا في عقيدة الجبر، واستنتج من ذلك أن الأعمال التي صدرت منهم، سواء كانت قبيحة أو غير ذلك، كلها مرضية عند الله. سبحان الله سبحانه وتعالى. والمسلم، إخواني في الله، إذا هذه المسألة، إذا هذه المسألة عليه أن يسلم بأمر القضاء والقدر، وذلك بأن يقوم بما أمر الله جل وعلا به، فلا يفتش ولا ينقب عن مسائل القضاء والقدر، لأن مسائل الغيبية، ولن تصل فيها إلى نتيجة. فيقول العلماء: أن مسائل القضاء والقدر ينبغي لها من نظامين اثنين، من نظام التوحيد وبنظام الشرع، لابد في مسائل القضاء والقدر لابد أنك تحفها بنظامين اثنين، حتى تكون على عقيدة راسخة، فلا تضطرب فيها. أن هذه عقيدة عقيدة القضاء والقدر ينبغي أن تبنى على التوحيد، وأن تبنى كذلك على الشرع، تبنى على التوحيد، تبنى على الشرع. تبنى على التوحيد، وجه ذلك تعلم أن الإيمان بالقضاء والقدر هو من عند الله جل وعلا، هو الذي قدر عليك، وهو الذي شاء منك ذلك، هذا هو الإيمان، هذا هو التوحيد، من عند الله عز وجل. وتعلم أن مآل الأمور تنتهي لما أراد الله، أن مآلات الأمور تنتهي بما أراد الله، فلا يقع شيء في الكون إلا بإرادته سبحانه وتعالى، هذا التوحيد، لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله، لا مدبر إلا الله جل وعلا، هذا تعقيدة راسخة. ومع ذلك، مع القوة بنظام التوحيد، عليك أن تأخذ بالشرع، والشرع وجهه هو أنك تأتي إلى هذه المآلات، تأتي إلى هذه المآلات بأسباب شرعية، تأتي إلى هذه المآلات التي سيوجدك الله عليها، تأتي لها بأسباب شرعية. إذن لابد من التوحيد، اعتقاد بأن الأمور بيد الله جل وعلا، ولابد لك من الشرع، فالتوحيد فيه المآلات والنهايات والنتائج، وأما الشرع ففيه الأسباب. يوضح ذلك ما جاء في الصحيحين، في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عندما كان في جنازة مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومعه عليه الصلاة والسلام عود ينكت به الأرض، ينكت به الأرض، فقال: «ما منكم من أحد، ما منكم من أحد، إلا وكُتِب مقعده من الجنة أو من النار». تأمل في هذا الحديث، ما منكم من أحد، أحد نكرة في سياق النفي، ما منكم من أحد، ونكرة في سياق النفي تفيد العموم، ما من أحد، قال: «إلا كُتِب مقعده من الجنة أو من النار». إذن هذه عقيدة نؤمن بأن الله جل وعلا قد قدر الأشياء سبحانه وتعالى. فما من نفس منفوسة إلا وأما آلاتها قد كُتِبت، قد كُتِبت عند الله سبحانه وتعالى. حينها تأتي المسألة الأخرى، فقال من قال من الصحابة ممن حضر هذا المجلس وسمع هذا الحكم، قال: يا رسول الله، أفلا نتكل على ما كُتِب، إذا كان الأمر قد فُرغ، وأن ما من أحد إلا وقد كُتِبت له النهاية الذي سيموت عليها، إذن لماذا نعمل؟ نتكل، نفوض الأمور لأنفسنا ونسير على ما نرى، فإذا خُتِمْنا بخير فهي خاتم الذي أرادها الله منا، وإن خُتِمْنا على شر فهذا الذي أراده الله منا، أفلا نتكل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «اعملوا»، هنا يأتي الشرع، «اعملوا»، وإعملوا فعل الأمر، والأمر يدل على الوجوب، عليك وجوباً أن تعمل، عليك وجوباً أن تعمل، أن تعمل بما في الشريعة، فلا تتكل يا عبد الله بالكتاب السابق، لا تتكل يا عبد الله بما كُتِب عليك وكُتِب لك، لا. قال نبينا: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». فكل ميسر لما خلق له. فربنا جل وعلا سيعطيك إشارات تدل على نهايتك، وهو ما كان من عملك، ما كان من كسبك، فالذي تؤديه من أعمال هي تدللك على نهايتك التي ستختم بها وتختم عليها. قال: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له». ثم اقتضى قول ربنا جل وعلا: ﴿فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى﴾. هذه الآية استشهد بها نبينا عليه الصلاة والسلام على وجوب العمل، فقال: «فأما من أعطى»، أعطى أي قام بعملية العطاء والإعطاء، أعطى وصدق، أنفق، عمل عملا صالحا، فأما من أعطى واتقى، تحلى بصفة التقى، حينها فسنيسره لليسرى، والعكس بالعكس، أما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فهذا نهاية إلى ما يصير إليه. إذن اعمل يا عبد الله، فلا تتكل على قدر الله جل وعلا، كما كان يفعل عليه أهل الجاهلية، يقولون بأن هذا قد كتب علينا، ما نحن فيه من معاصي، ما نحن فيه من ذنوب، ما نحن فيه من شرك، هذا قد كتب علينا، ونحن قد ألزمنا به، هذا كذب، وهذا كذب. ولهذا ربنا جل وعلا قد تكفل برد على هذه الشبهة الضاحدة، قال: «قد كذب الذين من قبلهم»، سم ربنا جل وعلا هذا كذب، أن الله هو الذي ألزمهم بالكفر أو ألزمهم بالشرك. كيف ربنا يلزمهم بالشرك بالكفر، وهو الذي سبحانه وتعالى ما عذب تلكم الأمم إلا لما صادر منهم من الكفر، أرسل عليهم حاصبة، أرسل عليهم الصيحة، أرسل عليهم الطوفان، أغرقهم بالمياه والمحيطات. إذن كيف ربنا ألزمهم ويحب ذلك ويعاقبهم على ذلك؟ وكيف ربنا ألزمهم بالشرك، وهو الذي جل في علا أرسل الرسل تترى، رسول بعد رسول، في نهي الأقوام عن هذا المسلك وعن الشرك؟ فربنا جل وعلا ما ألزمهم بهذا، بل إن الله سبحانه وتعالى أعطى للعباد الخيرة، أعطى للعباد الخيرة. وكل واحد منا لو أنصف نفسه لعلم أن الله جل وعلا أعطاه مطلق الاختيار، تجد هذا كأس من ماء، وهذا كأس من خمر، وأنت مخير، ما تجد أنك مجبور على فعل ما. حتى بعد ذلك تحتاج إلى قدر الله، لا تقول: للخمر وتشرب الخمرة، تقول: أنا شربت ذلك بقدر الله، لا. يا عبد، ربنا جل وعلا أعطاك الحرية في الاختيار، كما قال جل في علاه: ﴿وهديناه النجدين﴾، النجد هو الأمر المرتفع على المكان المرتفع من الأرض، هذا نجد، ومقصود: وهديناه النجدين، أي طريق الخير وطريق الشر. فربنا جل وعلا أوضح المعالم، فطريق الخير واضح، وطريق الشر واضح، فأيهما تسلك باختيارك أنت تسلك باختيارك أنت. أما ما يتعلق بعلم الله السابق، فهذا لا تتكل أنت عليه، ما يتعلق بعلم الله السابق، هذا أنت لا تتكل عليه أصلا. ومن هنا غضب نبينا عليه الصلاة والسلام من أصحابه، عندما خرج عليهم فرآهم يتخاصمون في القدر، وثبت عن نبينا، ويحسن هذا اللفظ، جماع من العلماء، كالشيخ الألباني، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، إذا ذكر القدر فأمسكوا، فلا تخوض، لا تخوض، وإنما أنت يا عبد الله تعمل بشرع الله جل وعلا، تعمل بشرع الله. فإن عملت خيرا فيوفقك الله جل وعلا إلى حسن خاتمة، وإن عملت شرا يا عبد الله، رجل ما يعرف إلا بقطع الصلاة، بترك الصلاة، بترك الزكاة، بمحاربة دين الله جل وعلا، فماذا عسى أن تكون نهايته؟ فماذا عساه لا تكون إلى نار تلظى؟ لماذا؟ لأن فعله يؤدي لهذه النهاية، فهو باختياره، فهو باختياره. ويقول علماء، القدر سر الله، فلا تكشفوه، القدر سر الله، فلا تكشفوه. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.