الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 15، ألقاها
ينبغي للمعلم أن يرفق بمن يقرأ عليه القرآن ويحسن إليه، ويُشدد على أهمية تعليم العلم وفضل طلبته. يُذكر أن المعلم مطالب بخفض جناحه لطالب العلم ورحمة به وإحسان إليه.
يُناقش المقطع أهمية العلم وفضل طلب العلم والترغيب فيه، ويُشير إلى أن العلماء الربانيين يحثون طلبتهم على العلم. يُوضح أن الدنيا فانية والآخرة هي الباقية، ويُنبه إلى أن الاشتغال بالقرآن وسائر العلوم الشرعية هو طريقة الأنبياء.
الأنبياء هم أعلى مراتب الناس في طلب العلم وتبليغه، وهم الذروة العليا في إبلاغ العلم. يُستفاد من هذا التأكيد على أهمية العلم ومكانة من يطلبه ويُبلغه.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه «التبيان في آداب حملة القرآن»: قال فصل في إحسان المعلم لطالب القرآن. قال: وينبغي له -أي للمعلم- أن يرفق بمن يقرأ عليه، ويرحب به، ويحسن إليه بحسب حالهما -أي بحسب حال المعلم وبحسب حال المتعلم-. قال: فقد روينا عن أبي هارون العبد، قال: «كنا نأتي أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، فيقول: مرحبًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿إن الناس لكم تبع﴾، أي لطلبة العلم والعلماء قبل ذلك، وإن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا» رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما. وقال: وروينا نحوه في مسند الدارمي عن أبي الدرداء أيضًا رضي الله عنه. والحديث لا يصح؛ لأنه من طريق أبي هارون العبد، وهو متروك الحديث، لكن المعنى صحيح؛ وهو أنه ينبغي للمعلم أن يرفق وأن يتلطف بالطالب من باب دعوته إلى العلم وتحبيبه للعلم؛ لأن هذا من الدلالة على الخير. والله جل وعلا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فخفض الجناح لأهل الإيمان بشكل عام مطلوب، وبالأخص من كان راغبًا في الازدياد من الخير في تحصيل العلم، في حفظ القرآن، في حفظ السنة، في تعلم دين الله جل وعلا وشرعه، هؤلاء لهم حظ وافر في الدخول في معنى هذه الآية، في خفض الجناح، في الرحمة لهم، وفي الشفقة عليهم، وفي الإحسان إليهم، إلى غير ذلك من المعاني. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يبذل لهم النصيحة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة». وفي الحديث قيل لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، كما في حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنهم وأرضاه، الحديث في صحيح مسلم. قال رحمه الله: ومن النصيحة لله تعالى ولكتابه إكرام قارئه وطالبه، وإرشاده إلى مصلحته، والرفق به، ومساعدته على طلبه بما أمكن، وتأليف قلبه للطلب، وأن يكون سمحًا بتعليمه في رفق، متلطفًا به، ومحرضًا له على التعليم. هذه كلها أمور ينبغي أن يتحلى بها المعلم مع طالب العلم؛ لأن طالب العلم له منزلة عظيمة، ومنزلة جليلة. ومن ذلكم ما جاءت به الأحاديث الكثيرة في الإخبار في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل من طلب علمًا، كما في حديث مسلم من حديث أبي هريرة: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة». هذه فضيلة من الفضائل؛ فينبغي للمعلم أن يكون داعيًا إلى الله جل وعلا، ولا سيما مع من جاء إليه يطلب العلم. هذه نعمة أنعم بها ربك جل وعلا عليك -أي على المعلم- أن يأتيك هؤلاء الطلبة يتعلمون على يديك، وينتفعون بعلمك، فهذه نعمة، والنعمة يحافظ عليها، ومن المحافظة على النعمة أن يشكرها العبد، وأن يعرف قدرها، وأن يحافظ عليها، وأن يرعاها، وأن يحوطها كذلك بالنصح. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يذكره فضيلة ذلك؛ ليكون سببًا في نشاطه -أي المعلم يذكر الطالب- كما جاء في حديث زر بن حبيش، كما عند أبي داود والترمذي، حينما أتى إلى صفوان بن عسال الصحابي الجليل، فقال له: ما جاء بك يا زر؟ قال: أتيت أطلب علمًا. وفي بعض الروايات: جئت ابتغاء العلم. فماذا قال له؟ فقال: أبشر؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع». وكذلك من هديه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه إذا جاءه الإنسان يتعلم منه العلم، أرشده إلى العلم النافع، ودعا له بالفقه، بالعلم، بالحفظ، كما جاء في الصحيح في أمر أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، حينما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبسط رداءه، فدعا له النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بدعوة عظيمة بأن يثبت الله جل وعلا ما سمعه في صدره. قال: فقالوا: ضم الثوب إلى صدرك الآن، فضمه، فقال: لم أنسَ بعده شيئًا. فهذا من هذا الباب أن يدعو له بالتوفيق، بالسداد، بالخير. وهذا كثير في صنيع المخلصين كذلك من العلماء في كل زمان ومكان، تجدهم حريصين على طلبتهم، مشفقين عليهم، ناصحين لهم، مرغبين لهم في طلب العلم. ومن هؤلاء الذي جالسناه ورأيناه رأي عين، ممن كان يحرض على العلم ويحث على العلم ويحبب العلم تحبيبًا عظيمًا جليلًا: شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، فكان رحمه الله تعالى مثالًا عمليًا للطلبة في تحبيبهم للعلم، في ترغيبهم للعلم، في تنشيطهم للعلم، في ترغيبهم وتحفيزهم في تحصيل العلم. وأن طالب العلم له المنزلة العالية والأجر العظيم لمن صلحت نيته. ومن عباراته التي رسخت في الصدر قوله رحمه الله تعالى: يا طالب العلم، يا طالب العلم، احمد الله؛ فأنت إذا أكلت فأكلك مأجورٌ عليه، وإذا شربت فشربتك مأجورًا عليها، وإذا نمت فنومتك مأجورًا عليها، في جميع أحوالك لك الأجر؛ وذلك لأنك إذا أكلت الطعام أكلته لأجل أن تتنشط، وأن تتقوى به على طلب العلم، وإذا شربت الشراب كذلك، وإذا نمت كذلك. فكان يقول: يا طلبة العلم، احمدوا الله على هذه النعمة؛ فأنتم في نعمة تغبطون عليها. وكان دائمًا يذكر بأثر حسن البصري رحمه الله تعالى، وهو قوله رحمه الله تعالى: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن عليه من النعيم -أو قال: من السعادة- لجالدونا عليه بسيوف. يعني أنظر المخاطب من هو؟ الملوك الذين إذا نظر إليهم الناظر من أهل الدنيا انبهر، أبناء الملوك كذلك، لكن أنظر إلى نظرة العالم، يقول: بأن الملوك لو رأوا ونظروا إلى حال العلماء، إلى حال طلبة العلم الذين شغلهم الشاغل تحصيل العلم والتقرب إلى الله جل وعلا بذلك العلم، يجدهم وإن كانوا من أفقر الناس، يجدهم في سعادة، في حالة مؤنسة، صدورهم قد ملئت بذكر الله جل وعلا، بحياة هي حياة حقيقية. وغيرهم من الملوك وأبناء الملوك قد تكون قلوبهم فيها وحشة بسبب غفلتهم، بسبب بعدهم عن ذكر الله جل وعلا. وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: مثل الحي والميت، قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». والذي يذكر الله جل وعلا هو الحي، والذي لا يذكر الله جل وعلا فهو ميت، ولو كان أمام الناس يتكلم ويأكل ويشرب، هو ميت في الحقيقة؛ لأنه فقد الروح الحقيقية. فالحاصل أن العلماء الربانيين تجدهم من أحرص الناس على ترغيب الطلبة، وحث الطلبة على العلم والتصبر في العلم والاجتهاد في العلم والخير؛ لذا تجدهم يذكرون الطلبة دائمًا بفضل العلم، وبفضل ما هم عليه من الخير والأجر والثواب. قال رحمه الله تعالى: وينبغي أن يذكره فضيلة ذلك؛ ليكون سببًا في نشاطه وزيادة في رغبته، ويزهده في الدنيا ويصرفه عن الركون إليها والاغترار بها. وهذا كذلك مما نجد كذلك العلماء في كل زمن ومكان هذا حالهم؛ تجد الرجل منهم يحث طلبته، ومن له عليه حق نصيحة وتوجيه، يحثهم بهذا بالإقبال على العلم، بالإقبال على الخير، بالإقبال على إصلاح آخرتهم، ولو فاتهم شيء من أمر الدنيا؛ لأن الدنيا فانية، والآخرة هي الباقية. قال الله جل وعلا: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». يعني أنظر إلى هذه الوصية: كن في الدنيا كأنك غريب، لا تكن في الدنيا كأنك عائش فيها، لا تموت كأنها دار الخلود، دار الحبور، بل هي دار يتزود بها الإنسان، أو يتزود فيها الإنسان لآخرة. وما هي بالنسبة للآخرة بشيء، لا شيء. الدنيا الذي يعمرها الناس اليوم إذا قورنت بالآخرة لا شيء، وإنما جعلها الله جل وعلا دار عمل ودار تزود بالخيرات. فمن وفق إلى هذه المعاني وفقه الله، وإن قلّب إلى أهله مسرورًا. والعكس بالعكس، من عمرها بخراب آخرته والعياذ بالله، فهذا هو الشقي في الدنيا والآخرة، نسأل الله العافية والسلامة. والشيء بالشيء يذكر، أيضًا من عبارات شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في هذا المعنى -أي في التزهيد من أمر الدنيا- أنه كان يقول رحمه الله: والله لو ملئ لي مثل هذا المسجد ذهبًا، والله لو ملئ لي مثل هذا المسجد ذهبًا على أن أترك طلب العلم وأن أترك التعليم، والله ما فعلت، وما صنعت. العلم يا إخوة لا يعدله شيء، العلم يا إخوة لا يعدله شيء. لكن هذه العبارات ممن يا جماعة؟ هذه العبارات ممن عرف للعلم قدره، وأراد أن يوصل لطلبته هذا المعنى، أن يوصل لطلبته هذا المعنى: أن العلم لا يعدله شيء أبدًا، لا يعدله شيء لمن صلحت نيته، لمن وفقه الله جل وعلا وسدده. قال رحمه الله تعالى: ويذكرهم أن الاشتغال بالقرآن وسائر العلوم الشرعية هو طريقة الحازمين وعباد الله العارفين، وأن ذلك رتبة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. أي أن العلم، طلب العلم، وتبليغ العلم هو حال الأنبياء، هو طريق الأنبياء، هو منهاج الأنبياء. الله جل وعلا قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. طلب علم، يطلب العلم ربه جل وعلا أن يعلمه ربه جل وعلا منه علمًا. وهكذا في تبليغ العلم، الأنبياء هم الذروة العليا في إبلاغ العلم، فهم أعلى مراتب الناس في طلب العلم وفي تبليغ العلم. نسأل الله تبارك وتعالى التوفيق والسداد. والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.