كتاب الطهارة 14

الدرس في كتاب الطهارة 14، ألقاها

أحكام الوضوء وتفاصيله

يتطرق هذا الفصل إلى بعض أحكام الوضوء وتفاصيله مثل تخليل اللحية ومسح الرأس وتخليل الأصابع، مع توضيح آراء الفقهاء في هذه المسائل.

مسح الرأس وأهميته في الوضوء

يشرح هذا الفصل كيفية مسح الرأس في الوضوء وأهميته، حيث يعتبر ركنًا من أركان الوضوء ويجب أن يستوعب جميع الرأس استنادًا إلى القرآن والسنة وإجماع الأمة.

فضل الذكر بعد الوضوء وأثره

يتناول هذا الفصل فضل الذكر بعد الوضوء وأثره في حياة المسلم، مشيرًا إلى أهمية هذا الذكر والثناء على النبي والصلاة عليه.

  • 12 جمادى الأولى 1435هـ - 13/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، كنا في درسنا السابق في الكلام على باب الوضوء وعلى صفة الوضوء، وتوقفنا عند قوله رحمه الله: «ويخلل لحيته إن كانت كثيفة، وإن كانت تصف البشرة لزمه غسلها». قوله رحمه الله: «التخليل بأن يخلل»، أي بأن يدخل أصابعه مبللة بالماء في لحيته ويحركها. فهو يقول: إن كانت اللحية كثيفة يخللها، وإن كانت تصف البشرة، أي كانت خفيفة ليست بكثيفة، لزمه غسلها. وهذا التفريق من إمام بن قدامة رحمه الله تعالى، بسبب أن الوجه في اللغة يُطلق على ما يكون به المواجهة، والأصل في غسل الوجه أن تُغسل البشرة. لكن لو أن رجلاً كانت عنده اللحية كثيفة بحيث أن بشرته لا تظهر، فهو يقول رحمه الله تعالى: في هذه الحالة يخلل اللحية، ويكفيه ذلك. وأما إن كانت لحيته خفيفة بحيث أن البشرة تظهر، فإن اللازم عليه أن يغسل لحيته؛ لأجل أن يصل الماء إلى البشه. وهذا التفصيل كما سمعتم في أمر اللحية، والعلماء رحمهم الله تعالى في مسألة تخليل اللحية وهل هو واجب أم لا، لهم خلافٌ مشهور. فمن أهل العلم من يرى أن تخليل اللحية واجب، ولا سيما إذا كانت كثيفة. ومنهم من يرى أن التخليل مستحب فحسب وليس بواجب، بمعنى من فعله فقد أحسن، ومن لم يفعل فلا شيء عليه. وهذا والله أعلى وأعلم هو الظاهر؛ لعدم الدليل الواضح الدال على أنه يلزم بغسل أو بتخليل لحيته. والأصل في العبادات أنها لا تثبت إلا بدليل، فإذا كان من العبادات تخليل اللحية، فيقال: ما هو الدليل؟ فالحاصل ليس هناك دليل يدل على وجوب تخليل اللحية. بل جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ما ظاهره أن اللحية لا تخلل. فقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: وهو يصف وضوء النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «فأخذ غرفة من ماء، فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده» -الشاهد- «ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده، ولم يذكر تخليلاً». لم يقل: «وخلل لحيته» أو ما شابه ذلك. فدل هذا على أن العبرة بأن يغسل الإنسان ما حصلت به المواجهة من وجهه، وإن كانت اللحية في المقابل غسل ما ظهر منها في أثناء غسل الوجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غسل وجهه غسلة واحدة. وقد كان نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كثيف اللحية، فدل على أن العبرة بأن يغسل وجهه، وكذلك ما ظهر من لحيته. هذا هو المعتبر؛ لأن هذا الذي تحصل به المواجهة. وقيل بأنه يستحب التخليل؛ لما رواه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه وأرضاه: أنه توضأ وخلل لحيته، وقال: «لقد رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يخلل لحيته». وهذا فعل، وهذا بيان لفعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والأصل في أفعاله أنها مستحبة؛ إلا أن تكون بيانًا لواجب فتكون واجبة. كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتني أصلي»، وكما في قوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». فأصح أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن تخليل اللحية مستحب. هذا القول ذهب إليه الجمهور من أهل العلم رحمهم الله. قال رحمه الله تعالى: «ثم يصل يديه إلى المرفاقين ثلاثًا، ويدخلهما في الغسل». طيب، قبل أن ننتقل إلى هذه المسألة، يعني الشيء بالشيء يذكر. ذكر بعض الفقهاء: إذا كان الشارب كثيفًا، فهل يخلل قياسًا على اللحية؟ ما هو الجواب؟ يقال: الأمر في ذلك واسع؛ لعدم وجود الدليل على ذلك. أي: من خلل، فلا ينكر عليه، وإن ترك فلا ينكر عليه؛ لأن العبرة بالغسل، العبرة بأن يصل الماء إلى وجهه. قوله: «ثم يصل يديه إلى المرفقين ثلاثًا، ويدخلهما في الغسل». قوله: «ويدخلهما في الغسل»، الضمير هاهنا عائد على المرفقين. وهذا الذي عليه أكثر علماء الأمصار: أن غسل اليدين يكون من أطراف الأصابع إلى المرفقين، أي: مع استيعاب المرفقين في الغسل. يدل على هذا أمور: أولها أن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. وإذا في لغة العرب، قيل: إن في هذا الموضع تأتي بمعنى «مع»، أي: «وأيديكم مع المرافق». وهذا بناء على أن حروف الجر تتناوب فيما بينها، فيكون التقدير: «وأيديكم مع المرافق». هذا قول من أقوال أهل اللغة. وقال آخر: بل «إلى» على بابها، وأن «إلى» هاهنا تفيد دخول الشيء الذي انتهت الغاية إليه. لذا قالوا: لو قال إنسان لإنسان: «بعتك هذه النخلات من هذه النخلة إلى هذه النخلة»، هل تدخل الأخيرة أم لا؟ في اللغة، وفي عرف الناس، قالوا: هذا من هذا الباب. لذا ذكر عن سيبويه رحمه الله تعالى، إمام أهل النحو: أنه قال: «إن 'إلى' إذا كانت في شيء أو كانت في جنس الشيء، فإنها تعم ذلك الشيء، ويدخل ذلك الشيء فيها». إذن، في قول الله جل وعلا: «إلى المرافق»، تكون «إلى» هاهنا تفيد دخول المرفقين؛ سواء كانت «إلى» بمعنى «مع»، أو كانت في بابها وعلى بابها. ففي الآية دلالة على ما تقدم. وهذا أمر، وأمر آخر: قد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهو المبين عن ربه جل وعلا مراده: أنه صلى الله عليه وسلم توضأ، فغسل يديه حتى دخل في العضد؛ كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وهذا كما يقول الأصوليون: من المبين الذي يبين فيه المجمل. فالآية على الفرض بأنها مجملة، فقد بيّنتها السنة. والأمر هاهنا كذلك. وأمرٌ ثالث: وهو أن من غسل يديه ومد إلى المرفق، وأدخل المرفقين، ومد إلى شيء من العضد؛ حتى يستوعب المرفقين، فإن وضوءه صحيح باتفاق؛ بإجماع الأمة، لا خلاف بينهم: بأن هذا الوصف هو الوصف الكامل والصحيح. والخلاف فيما دون ذلك. والإنسان كما قيل: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». إذن، قوله رحمه الله تعالى: «ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثًا، ويدخلهما في الغسل»، أي: يدخل المرفقين في الغسل. هذا هو الصحيح، والذي عليه أكثر العلماء رحمهم الله تعالى. قوله رحمه الله تعالى: «ثم يمسح رأسه مع الأذنين، يبدأ بيديه من مقدمه، ثم يمرهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى مقدمه». طيب، قوله رحمه الله تعالى: «ثم يمسح رأسه». ومسح الرأس كما مر معنا: ركن من أركان الوضوء؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «كذلك» في حديث رفاعة بن رافع: «وامسح برأسك»، أو قال: «وامسح رأسك». فمسح الرأس واجب وركن من أركان الوضوء. بقي: ما هو الحد المقدر في مسح الرأس؟ بعض العلماء رحمهم الله تعالى ذكر في المسألة أقوالًا أوصلها بعضهم إلى تسعة أقوال. والراجح منها، وهو الذي عليه جماهير العلماء كذلك: أن المعتبر في المسح أن يستوعب الرأس، وأن يستوعب جميع الرأس بذلك المسح؛ وذلك لأمور. أولها: قوله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. والباء هنا على الصحيح من أقوال العلماء: أنها للملاصقة. وذلك يظهر بأن الإنسان يمسح رأسه بيديه التي قد بللها بالماء؛ لأن المسح كما قال علماء رحمهم الله تعالى: حقيقة المسح هو مسح الشيء بالماء أو لما علق به. فالممسوح: الرأس، والآلة: اليد، والمستخدم في المسح: هو الماء. فلذلك قال: ﴿فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، ولم يقل: «وامسحوا رؤوسكم»؛ لأن الله تبارك وتعالى كلامه أفصح الكلام وأبينه. لو قال: «وامسحوا رؤوسكم»، قال علماء: فيكون معنى ذلك: أنك تمسح رأسك ولو لم تبلل يديك بالماء. لكن لما قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، أتى بالباء. ففيه معنى أنه يمسح بشيء، ما هو هذا الشيء؟ الماء. قالوا: لما كانت الباء للملاصقة، دل هذا على معنى الاستيعاب؛ أن يلاصق الماسح الممسوح. الله جل وعلا قال: ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾، ولم يذكر شيئًا أو جزءًا من الرأس. وثانيًا: ذكروا أن هذه الآية لو قيل كذلك: بأن اللفظ فيها مجمل، وأن الباء هنا محتملة؛ لأن تكون للملاصقة، ومحتملة أن تكون للتبعيد -كما ذهب إلى ذلك بعض الفقهاء- قالوا: ننتقل إلى المبين عن ربه جل وعلا، فننظر كيف فهم هذه الآية، وكيف عمل بمقتضى هذه الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فثبت عنه كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه وأرضاه: أنه لما توضأ، قال: «وأدخل الماء في التراب، فمسح برأسه، فأقبل بهما وأدبر، فأقبل بهما وأدبر». قال: «فبدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه». وهذا يدل على استيعاب؛ بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، أي: بيديه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، أي: حصل ذهاب باليدين وإياب في الرأس. فدل هذا على أنه حصل له الاستيعاب في مسح رأسه، وهو المبين عن ربه جل وعلا مراده. وثالثًا: وهو ما ذكر في المسألة التي قبلها، وهي: أن من مسح رأسه فاستوعب مسح الرأس، فإن وضوءه صحيح باتفاق؛ لا خلاف بين العلماء في أن وضوءه صحيح على هذه الحالة، وأنه أتم وأكمل. والخلاف فيمن نقص على ذلك؛ فيمن قال: الثلث، النصف، الربع، شعرات ثلاث، كما روي ذلك عن بعض الفقهاء. هذا محل خلاف. الإنسان يأخذ بالمتفق عليه، ويترك الذي فيه خلاف. قال الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: «كل العلماء متفقون على أن الواجب على الإنسان لو مسح الرأس كاملاً فقد أتى بالفرض». قال: «ولم يقل أحد منهم: إن الإنسان أو المسلمة إذا توضأ فغسل رأسه كاملاً بأنه يحصل له الفرض بمسح نصف الرأس، ونصف الرأس الآخر يكون مستحبًا». فدل ذلك على أن الكل فرض، وليس هناك مستحب وفرض. قال رحمه الله تعالى: «ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثًا، ويدخلهما في الغسل». والقول في الكعبين كالقول في المرفقين؛ بمعنى أن الكعبين يدخلان في غسل الرجلين. والكعبان كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: هما العظمان الناتئان في أعلى القدم وفي أسفل الساق. فالإنسان إذا توضأ يدخل الكعبين في ذلك الغسل. وقوله رحمه الله تعالى: «ويخلل أصابعهما». تخلل الأصابع كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: الأصل فيها أنها مستحبة. يدل على استحبابها ما ثبت في حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه وأرضاه: أنه قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخلل أصابع قدمه بخنصره». وجاء كذلك في حديث نُقَيْط بن صبرة عنده أبوداود وغيره بإسناد حسن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع». هل التخليل ها هنا على سبيل الاستحباب أو على سبيل وجوب؟ في ذلك تفصيل عند العلماء، وهو الصواب: أنه يفرق بين الأصابع إذا كانت ملتصقة لا يصلها الماء، فالتخليل في هذه الحالة يكون واجبًا. وبين الأصابع المتفارقة التي يصل الماء إليها، فالتخليل في هذه الحالة يكون مستحبًا؛ لفعله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فإذا يقال في التخليل: إن كانت أصابع ملتصقة بحيث أن الماء لا يصل بين الأصابع، فهنا التخليل يكون واجبًا؛ لأجل أن يدخل الماء بين الأصابع. وأما إذا كانت بين الأصابع فرجات ويصل الماء بين الأصابع، فيكون التخليل ها هنا مستحبًا. قال رحمه الله تعالى: «ثم يرفع نظره إلى السماء، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله». أما قوله: «ثم يرفع نظره إلى السماء»، هذا استحسان من إمام بن قدامة رحمه الله تعالى، وليس هناك دليل يدل على هذا الفعل. لكن قوله: «فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»، فهذا حديث ثابت؛ كما في صحيح مسلم من حديث عمر رضي الله عنه وأرضاه: أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأحسن وضوءه، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء». ففيه فضيلة لمن ذكر هذا الذكر عقب الوضوء. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على