ما يستفاد من الفتن

المحاضرة بعنوان ما يستفاد من الفتن، وكانت بمسجد حلفون بالديس الشرقية الجمعة ٢٧ جمادى الأولى ١٤٣٥هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التعامل مع الفتن والمصائب وتحويلها إلى طريق للتقرب إلى الله

ينبغي على المسلم أن يتأقلم مع الفتن والمصائب ويجعلها وسيلة لزيادة إيمانه وتقربه إلى الله. يجب على المسلم أن يرضى بقضاء الله ويستسلم له.

أهمية التعلم من الفتن والمحن وزيادة اليقين بالإيمان

يُنبه إلى أهمية التعلم من الفتن والمحن التي تظهر في الأزمان المتأخرة، مما يزيد في يقين المسلم وإيمانه. يُشدد على ضرورة البحث عن المخرج والنجاة منها كما أرشد النبي.

الاعتصام بمنهج النبي والنجاة من الفتن بالتمسك بالسنة

يؤكد على أهمية الرجوع إلى كتاب الله وسنة النبي في حل النزاعات، ويبين أن الاعتصام بمنهج النبي هو السبيل للنجاة من الفتن. يشير إلى أن الفتن ستستمر، ولكن المخرج هو التمسك بسنة النبي.

تحقيق الأمن والأمان في المجتمعات من خلال التوحيد ومنهج السلف

يُشير إلى أن تحقيق الأمن والأمان يعود إلى توحيد الله والرجوع إلى منهج السلف الصالح. بينما الأمم التي تنكبت عن توحيد الله تعاني من الخوف والقلق.

التحذير من الروافض وسلوكهم عند توليهم السلطة

يتم التحذير من الروافض ويوصف سلوكهم عند توليهم السلطة، حيث يقومون بقتل وتعذيب وتشريد أهل الإسلام. يتم ذكر أنهم أبادوا مئات الآلاف من أهل الإسلام عند سيطرتهم على الأمر.

  • 29 جمادى الأولى 1435هـ - 30/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، فبادئ ذي بدء إخواني في الله، نتقدم بالشكر الجزيل لأهل هذه المنطقة عامة ولأهل هذا المسجد خاصة على حسن ظنهم بإخوانهم وباستضافتهم في هذه الليلة المباركة وفي هذه البقعة المباركة من بيوت الله جل وعلا للتناصح والتواصي في مثل هذه الأزمان التي قل فيها الناصح وقل فيها المذكر. وأيضًا إخواني في الله، أتوجه بالشكر الجزيل للأخوين الفاضلين أبي حذيفة وإلى أخينا الفاضل أبي النعمان بشير المليكي على ما قدم وأفاد وأجاد، ذلك بطرقه وطرحه لموضوع العلم والانشغال بطلب العلم، وهكذا في موضوع الاستعاذة في من مقامات «إياك نعبد وإياك نستعين». إخواني في الله، حديثي وإياكم حول المستجدات والمتغيرات التي تواجهنا في حياتنا وفي معايشنا، فكم هي المستجدات إخواني في الله، سواء كان في الوطن العربي أو في وطننا الإسلامي؟ وما صاحب هذه التغيرات من مستجدات تعكر علينا في أمر ديننا ودنيانا. وإن هذه التغيرات والمتغيرات إخواني في الله تستلزم منا وتحتم علينا أن نقف عندها ونتأمل بما فيها لكي نستخلص منها العبر والعظات والمسائل والنقاط، فإن ذلك من صفات المؤمنين العقلاء أصحاب العقول السليمة والفطر الصحيحة، أنها تتعظ وأنها تعتبر بكل ما يجري حولها، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿لتبصرة وذكرى لكل عبد منيب﴾ ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ وقال جل في علاه: ﴿إنما يتذكر أولو الألباب﴾ أي أهل العقول. ومن هذه التغيرات إخواني في الله والتي لا يشك عاقل في وجودها واستفحالها ما كان وما زال أمر الفتن التي ظهرت وطرأت ونشبت هنا وهنالك، فتن إخواني في الله قد تنوعت، سواء كانت من فتن الشهوات أو كانت من فتن الشبوهات أو كانت من فتن الدماء من قتل وقتال. هذه الفتن إخواني في الله التي عصفت بهذه الأمة المحمدية وخاصة في هذه الأزمان الغابرة المتأخرة، ما الذي يجب علينا إزاءها؟ للأسف أن نجد أن جماعة من المسلمين لربما تعذروا بوجود هذه الفتن التي هاجت وطاشت أنهم ينخذلوا وأنهم يتقاعسوا عن دين الله جل وعلا، فها هو الفتور قد دب بين الناس، ذاك الذي قد تقاعس عن الصلاة، وآخر قد تقاعس عن الخير، وذاك الذي رجع القهقرى عن الاستقامة في دين الله جل وعلا، كل هؤلاء احتجوا بظهور الفتن، فجعلوا الفتن شعارًا وستارًا يتسترون من خلفه على تقهقرهم وبعدهم عن دين ربهم. إخواني في الله، ينبغي أن نعلم أن المسلم من أعظم ما ينبغي عليه في تعامله مع الفتن أنه يجعل الفتن وهي فتنة تفيده في دينه وفي دنياه. ومن لاحظ ومن تمعنا في شرع الله جل وعلا يلاحظ أن الشرع العظيم والشرع الكريم يريد منا أن يربي أهل الإسلام على صفة عظيمة، ما هذه الصفة؟ أن المسلم يتأقلم على كل الأحوال وأن يتلاءم مع أي صفة يبتلا بها. ومن هنا إخواني في الله، ومن حكمة الله جل وعلا أن جعل من صميم الدين ومن أركان الإيمان الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره. أنت يا عبد الله إزاء الإيمان بالقضاء والقدر على أنك ترضى وتسلم بحكم الشرع وبما قضاه الله جل وعلا، أيًا كان حكم الرب فيك، أكان خيرًا مما كان يلائم طبيعتك أو كان شرًا مما لا يلائم طبيعتك، عليك يا عبد الله أن ترضى لهذا وترضى لذاك، أن تسلم لهذا وأن تسلم لذاك. إذن كان هذا من تربية الشرع للمسلم أن يتأقلم على كل الأحوال، إن كنت في خير كنت على خير، وإن كنت في شر كنت على خير. ولهذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «عجبًا لأمر المؤمن، عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس هذا لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». هذا هو خلق المسلم في أي مضمار، في أي واد، على أي حالة، على أي كيفية كنت فيها يا عبد الله تتأقلم معها، ضروري تتأقلم معها. إن أعطاك الله جل وعلا نعمة المال فتنة من أعظم الفتن، المال البذخ الترف، فتجعل هذه الفتنة اجعلها يا عبد الله وسيلة إلى طريقك إلى الله جل وعلا، فلتكن من الشاكرين، أكثر من شكر الله، من حمد الله جل وعلا كان ذلك خيرًا، أو بالعكس يبتليك ربك جل وعلا بالمصائب والضراء والآفات والعاهات، فحول هذه المصابة يا عبد الله إلى ما يكون هو طريق إلى الله جل وعلا بأن تصبر، تصبر وتحتسب، كان ذلك خيرًا لك. فعجبًا للمؤمن، ففي كل الأحوال يمنة أو يسرى، يتأقلم مع هذه الأوضاع حتى يكون على طريق يحبها الله جل وعلا ويرضاها. ومن هنا قال ربنا جل وعلا في حق أهل الإيمان: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا﴾، فتنة عباد الله الأحزاب، ويأتي من أعظم أنواع البلاء الذي ابتلى به الصحابة ربنا به جل وعلا، الصحابة ابتلاهم به ابتلاءً عظيمًا، زلزلت به الأفئدة وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون، هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فتنة، ومع ذلك اتخذوا من هذه الفتنة وسيلة إلى زيادة الإيمان، وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا. فهكذا عبد الله المسلم إزاء الفتن إزاء المصائب، يجعل هذه المصائب يحولها أن يتأقلم معها بأن يجعلها طوعًا لدين الله جل وعلا. رحمة الله على شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، وهو يعبر بتلكم الكلمات الشهيرة الدالة على تأقلمه في كل الأوضاع، عندما قال: «ما يفعل أعدائي بي؟ ما يفعل أعدائي بي؟ إن قتلي شهادة، ونفي سياحة، وسجني خلوة». إذا ما الذي سيفعل عدو بي مهما في أي مكان وضعوني فيه فأنا على أجر، على خير، إن قتلت شهيدًا في سبيل الله لدين الله جل وعلا، ورفع أركان الدين والملة وشعار العقيدة، وإن نفيت أخرجت فإن ذلك سياحة، أذهب إلى بلدان أخرى أتعرف على الناس أزيد في طلب العلم في نشر العلم، وإن حبست في مكان فهذه خلوة أختلي بذنوبي مع ربي جل وعلا، أقبل على الله سبحانه وتعالى. إن كان كذا على خير، إن كان كذا على خير، وهكذا يا عبد الله، فيا عباد الله، ما تبتلى به الأمة من فتن نحاول أن نجعل هذه الفتن يا عباد الله مما تعود علينا بالخير، مما تعود علينا بالخير، لا أن نجعلها يا عباد الله ذريعة إلى التهاون، ذريعة إلى الفتور، ذريعة إلى خذلان دين الله جل وعلا. إخواني في الله، من أعظم ما طبعًا هذا المقام لا يسع بذكر ما يستفيد المسلم من الفتن، وخاصة التي تواجدت في مثل هذه الأزمان، فإن المقام يطول ويطول ذكره، لكن حسبنا إخواني في الله أن نركز على بعض الأمور لعلها تعود علينا بالنفع. من هذه المسائل إخواني في الله، عندما تنظر يمنة ويسرى إلى هذه الفتن التي ظهرت والمصائب والتغيرات والمستجدات التي حصلت، فإنك يا عبد الله تعلم بأن هذه الأشياء هي مما أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، أخبر عن ذلك قبل مئات السنين، مئات السنين. وحينها تعلم يا عبد الله أن هذه الأمارات وهذه العلامات ما هي إلا دليل على صدق نبوته عليه الصلاة والسلام، فتزداد يقينًا وإيمانًا وثباتًا ورسوخًا بإيمانك بنبيك عليه الصلاة والسلام، وتستشعر قول الرب جل وعلا: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾. نبينا عليه الصلاة والسلام في زمنه أخبر عن ظهور الفتن وعن تكالبها وعن تتابعها، وها نحن الفتن نراها ما تركت بيتًا وبرًا ولا مدرسة إلا ودخلت. أخبر عليه الصلاة والسلام في زمنه عن ظهور الوهن، الوهن والخور الذي تبتل به الأمة بأن تكون ضعيفة هزيلة، وها نرى الوهن بأقوى صوره وبأشد صوره استضعاف واستذلال، أصبحت فريسة لكل طامع وحاقد وحاسد. أخبر عليه الصلاة والسلام عن تكالب أعداء الدين، تكالب الكفار من شرق الدنيا إلى غربها على أمتنا، فذاك الذي يأخذ أراضيها وذاك الذي ينهب ثرواتها وذاك الذي يذل أهلها، وهذا مما أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام كما تتكالب الأكلة على قصعتها. أخبر عليه الصلاة والسلام عن القتل الذريع، القتل الذريع الذي سيدب في الأمة فيما بينهم، فيما بينهم البين تناحر ومجازر. أحاديث كثيرة أخبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام فيها هذا المعنى، من ذلك ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج»، قال: «وما الهرج يا رسول الله؟» قال: «القتل، إنه ليس كقتلكم المشركين، إنه ليس كقتلكم المشركين، وإنما يقتل بعضكم بعضًا، فيقتل الرجل أخاه ويقتل الرجل جاره ويقتل الرجل عمه وابن عمه»، فقلنا: يا رسول الله، أفينا عقولنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «إنه لتنزع عقول أهل ذاك الزمان ويستخلف عنها هباء يظن الناس أنهم على خير وليسوا على شيء». صورة بلاغية أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن مدى انتشار القتل بين المسلمين، يقتل الرجل جاره، يقتل الرجل عمه، يقتل الرجل أخاه. بل جاء في صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: «أنه يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل على ما قتل ولا يدري المقتول على أي شيء قتل»، الكل مستغرب، هذا يؤمر بالقتل لا يدري ما يقتل، وهذا الذي قتل لا يدري على ما قتل. أليس هذا حال الناس إخواني في الله؟ بلى هذا حال الناس، هذا أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام قبل مئات السنين. ومن هنا إخواني في الله نجعل هذه الأمارات نجعل هذه التغيرات نجعلها مما تزيد في إيماننا أن ذلك مصداق لما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. لكن إخواني في الله، لا نقتصر على هذا المستوى، ليس فقط يا عبد الله أنك تعتبر أن هذا مما أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام وتكتفي، بل هناك ما هو أعظم من ذلك وأبعد، وهو أنك إذا علمت أن الشرع العظيم والشرع الحكيم قد أخبر بظهور مثل هذه المستجدات، إذن تبحث عن المخرج، المخلص من ذلك. للأسف إخواني في الله، قد نجد جماعة من الناس، وفئة من أمة محمد عليه الصلاة والسلام لربما هم معنا في الشطر الأول، ينبهر الواحد إذا وجد حديث نبوي يوافق العصر الحديث، يقول: «يا سبحان الله، يا سبحان الله، انظروا، انظر أين الذي أخبر عنه النبي قبل ألف وأربعمائة سنة وأين هذا الواقع؟» هذا من قول النبي، هذا من قول المصطفى. فبعض الناس يدندن على هذا المسلك وهكذا ما يسمى بالإعجاز العلمي، وهذا لا غبار عليه، لكن الإشكال يا عبد الله أنك تقف إلى هذا الحد، فهذا من الخطأ المبين، وإنما إذا علمت أن هذا مما أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام، عليك أن ترجع إليه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يخبرك ما هو المخرج، ما هو النجاة من هذا الأمر. إن كان هذا بلاء، إن كانت هذه فتنة، ثبت في السنن من حديث معاذ بن جبل أن النبي عليه الصلاة والسلام عندما قام للناس خطيبًا قال: «إنها ستكون فتن»، فقال معاذ: «إلا أن كثيرًا من الناس لم يسمعوا هذا الخطاب من رسول الله»، فقمت فيهم فقلت: «يا أيها الناس، ألا تسمعون إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام؟» قال الصحابة: «يا معاذ، وماذا قال؟» قال: «إنه يقول إنها ستكون فتن»، ما الذي فعل الصحابة؟ رجعوا إلى رسول الله، قالوا: «يا رسول الله، ما المخرج منها؟ ومن نجاة؟» ما المخرج؟ نبحث إخواني في الله عن المخارج، نبحث يا إخواني عن الخروج من هذه المآزق. أخبر نبينا عن التبعية للكفار، فكيف الخروج عنهم؟ أخبر نبينا عن الوهن الذي نبتلى به، فكيف الرجوع إلى السؤدد، إلى المجد؟ أخبر نبينا عن ظهور الفتن وانتشارها، فكيف الخلوص من شر الفتن، من آثارها وأضرارها؟ هذا الذي ينبغي. أخبر عليه الصلاة والسلام بتفرق الأمة أنها تفترق إلى جماعات وإلى أحزاب وإلى فرق، ثم قال عليه الصلاة والسلام في حديث حذيفة: «فإن أدركت ذلك فلا تدخلن في شيء»، أو في رواية: «فاعتزل تلك الفرق»، فاعتزل تلك الفرق. فأنت لا تفرح تأخذ بالشطر الأول، تقول: «يا أيها الناس، انظر لهذا الحديث العظيم، بشارة النبي أخبر بانقسام الأمة وها هي الأمة قد انقسمت»، ثم تسكت، لا، كمّل يا عبد الله، هذا نعم، دليل على نبوته، أن الأمة ستنقسم وانقسمت وها هي قد انقسمت، لكن من نجى؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فاعتزل تلك الفرق». إخواني في الله، هذه المسألة العظيمة وهي أن الله جل وعلا أمرنا بطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام، قل: ﴿أطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾، ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾. ومن أعظم ما قاله نبينا عليه الصلاة والسلام أن نتحاكم إليه، فلا يتم الإيمان إلا بكمال الإذعان لحكم المصطفى عليه الصلاة والسلام، ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا﴾، فلا وربك لا يؤمنون، نفى ربنا جل وعن الإيمان، متى ذاك؟ إذا لم نتحاكم إلى سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، في ماذا تحاكم؟ في كل أمر. قال ربنا: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾، انظر لقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء﴾، ما مقدار هذا الشيء؟ أي شيء؟ نكرة فيفيد العموم. ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية أن هذا أمر من الله جل وعلا في أي أمر تنازع فيه الناس، قال: في أصول الدين وفي فروعه، أن يكون رجوع ذلك إلى كتاب الله وإلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام. نرجع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام في صلاتنا، في صيامنا، في معاشنا، في معادنا، وكذلك في متغيراتنا، في الفتن والمحن، وفي النوازل، كل ذلك يحال إلى نهج النبي عليه الصلاة والسلام. إخواني في الله، من تأمل في هذه الأزمان وتعامل الناس في الفتن، ويقابل ذلك ما كان من تعاملهم مع منهج النبي أو من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، نجد أن الناس على قسمين اثنين لا ثالث لهما. قسم من الناس اعتصم بمنهج النبي عليه الصلاة والسلام، ما خرج عنه، ما خالفه، عض على منهج النبي عليه الصلاة والسلام بالنواجد، ما بالى بكلام زيد ولا عبيد، ما بالى بتعيير الناس ولا بتثبيطهم ولا بتشهيرهم، علم أن هذا من السنة فأخذ به فكان من حقه، ويرى ذلك كل من أنصف أن يرى من أمثال هؤلاء فردًا كان أو مجتمعًا أن الله سبحانه وتعالى جعل له السلامة، جعله النجاح، أخرجه ربنا جل وعلا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وبالمقابل، ناس من الناس خاضوا في الفتن، وقد تعمدوا أن يعرضوا عن السنة، ما بالوا بها، وما سألوا عنها، وما رفعوا رأسًا لها، بل ربما عارضوها وقدموا على ذلك الآراء والأهواء والمبادئ والعصبية والحمية والعواطف والمصالح، قدموا كل شيء إلا السنة، فكان من نصيب هؤلاء ما لا يخطر على بال أحد، إزهاق للأرواح، سفك للدماء، تخريب للبلاد، قتل للعباد. هذه يا عبد الله عصمة، هذه آية من أعظم آيات الله في هذه الدنيا لمن يعتبر، لمن يتعظ. قال عليه الصلاة والسلام: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك»، ما زاغ عن السنة إلا الهالك، سواء هلاك في الدنيا أو في الآخرة. إخواني في الله، نحن لا ندعي ولا نزعم بأن الفتن قد ذهبت ومحلت أو قد انتهت، لا يا عبد الله، الفتن موجودة، بل الفتن ستأتي ويأتي ما هو أعظم من ذلك وأكثر، فلا مخرج ولا خلاص يا عبد الله من الفتن إلا بالاعتصام بمنهج النبي عليه الصلاة والسلام. قال صلوات ربي وسلام عليه: «إنهم من سيعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين من بعد، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد». فتذكيرًا إخواني في الله لما مضى، علمنا ما يتعلق بالمتغيرات والمستجدات، ومن ذلك ما كان من أنواع الفتن والبلاء الذي اهتدت به هذه الأمة المحمدية، أنه ينبغي أن يستغل فيما فيه منفعتنا في ديننا وأخرانا. وذكرنا كيف أن شريعة الله من كثير من تعاليم الدين أنها تهدف إلى خلق مسلم يتألم، يتلاءم ويتأقلم مع جميع الأوضاع. وذكرنا إخواني في الله أن ما يتعظ به المسلم وما يستفيده المسلم من إزاء هذه التغيرات أشياء كثيرة، فكان من ذلكم أن العبد يزداد إيمانًا إذا علم أن ما يراه في هذه الأزمان المتأخرة هو إنما أمارة ودلالة وعلامة أخبر عنها نبينا صلى الله عليه وسلم قبل مئات السنين. وكذلك فيه فائدة أخرى أن يستفيد المسلم فضل السنة، أن من اعتصم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام فإن الله ينجيه من الفتن، ينجيه، يجعل لك السلامة، يجعل لك يا عبد الله البعد مما يضرك في دينك ودنياك وأخراك، بخلاف من أعرض عن السنة ومشى مع هواه ومع عاطفته ومع آرائه، فإن الله سبحانه وتعالى يجعل الوبال عليه، وكذلك الخسارة في الدنيا قبل الآخرة. وهكذا إخواني في الله، مما يستفيده الناس إذا وقعت هذه الأحداث والحوادث والمتغيرات أن نستشعر إخواني في الله نعمة الأمن، أن نستشعر نعمة الأمن. الأمن إخواني في الله نعمة عظيمة جليلة، لم نستشعر بها ولا بعظمتها ولا بقدرها ولا بضخامة حجمها إلا في هذه الأزمان عندما سلبت منا، عندما سلب منا الأمن. استشعرنا فضل الأمن علينا، بالأمس كان وجدنا أممًا مجتمعات، دول، قرى، أقاليم، مدن، كانت تنعم وتغترف بنعمة الأمن والأمان، لكن كفرت بأنعم الله، كفرت بهذه النعمة، استبدلتها بما ترى أن فيه الخير، وليس هناك خير بعد الأمن يا عبد الله، ما هناك إلا الخوف، ما هناك إلا القلق، ما هناك إلا الفزع، ما هناك إلا الهلع. كلمات مخيفة تجعل القلب يقشعر منها. الأمن يا عبد الله نعمة ما بعدها نعمة، تأمن يا عبد الله على دينك، فلا تمتحن ولا تفتتن، تأمن يا عبد الله على قلبك وعلى نفسك، لا أسى، لا هلع، لا فزع، أن تأمن يا عبد الله على عرضك، أن تأمن يا عبد الله على مالك، فلا يغتصب ولا ينتهك، أن تأمن يا عبد الله في مجتمعك، في مجتمعك أن تكون حرًا طليقًا، تنام قرير العين. نعمة وأي نعمة؟ كانت المجتمعات تغض بهذه النعمة، لكن ما بالت بها، كفرت بها، فنرى الآن عندما خرجت الناس عما أمر الله جل وعلا بالحفاظ على هذه النعمة، ما نراه من الخوف والقلق. فهذا إخواني في الله حكمة نستفيدها أن نستشعر ولو لم تكن من هذه الفتن إلا استشعارًا بعظمة الأمن والأمان، وأن الواحد منا يعاهد الله من الآن إن ظفر بالأمن والأمان أنه لن يتركه لكفاه منقبة. لكن قد يأتي الواحد منهم ويقول: «وأنى لنا بالأمن والأمان في هذه الأزمان؟ كيف تدعونا وتأمرنا أن نرجع إلى ما كنا عليه من الأمن؟» هذا ليس بأيدينا، ليست عندنا السلطة الإدارية ولا السلطة المحلية، وليست عندنا زمام الدولة، ولا عندنا أهلية الأمن، ولا أصحاب الشرطة حتى نعيد الأمن على ما كان علينا، هذا ليس بأيدينا. ومن قال هذا يا عبد الله؟ إخواني في الله، من الأخطاء الفادحة أن الناس في باب الأمن خاصة والأمان، أنهم ظنوا أن مسألة الأمن والأمان إنما تكمن في المسائل الدنيوية، من تدابير أمنية، من حراسة مشددة، من أجهزة أو أنظمة تعسفية، لا يا عبد الله، هذا ليس هو الأمن والأمان، بل هذه وسيلة، هناك ما هو أعظم من ذلك، وسائل شرعية، وسائل شرعية جعلها ربنا جل وعلا لمن شاءها من عباده. متى ما تمكنت يا عبد الله من هذه الأسباب فحينها ستنعم بالأمن والأمان، كائنا من كان هذا المتخذ للأسباب، فردًا كان أو جماعة أو مجتمعًا. ومن هذه الأسباب يا عباد الله إقامة التوحيد، إقامة التوحيد، أن تعلق القلوب بباريها، أن تعلق القلوب بخالقها، بأن لا إله إلا الله، بأنك تستشعر بتوحيد الله في ربوبيته، في ألوهيته، بأسمائه وصفاته، أن تخلص الأعمال جميع الأعمال لله سبحانه وتعالى. متى ما كان العبد موحدًا لله، ظاهرًا وباطنًا، صادقًا ظاهرًا وباطنًا، قلبًا وقالبًا، حينها ينزل ربنا جل وعلا الأمان من عنده. قال جل وعلا: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾، الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، الظلم هنا كما جاء موضحًا في الصحيحين من حديث ابن مسعود أنه الشرك. إذا كان إيمانك لم يلابس بشرك، بل كان إيمانًا صافيًا، توحيدًا لله جل وعلا، لم يتعكر بشائبة الشرك، حينها تأتي البشارة ألا وهي: ﴿أولئك لهم الأمن﴾، لك الأمن يا عبد الله، يأمنك ربك جل وعلا بأنواع من أنواع الأمن. لنا عبرة بأحوال الأمم الجاهلية كيف عاشت؟ عاشت على وثنية، عاشت على شرك، كيف مقدار الأمن عندهم؟ ما كان عندهم أمن ولا أمان، كانوا يعيشون على قانون الغاب، القوي يأكل الضعيف، الغني يستولي على مال الفقير، تقام الحروب، تسفك الدماء لأتفه الأسباب. ما كان الواحد منهم يسير مسيرًا أو يسير مسافة يوم أو ليلة أو دون ذلك في سيره في نهاره أو ليله إلا والسلاح على يده وسهامه على ظهره، دب فيهم الخوف، دب فيهم الهلع والقلق. عندما تركوا توحيد الله سبحانه وتعالى. وليس هذا فقط يا عبد الله في أحوال من مضى، بل حتى في هذه الأزمان، في هذه الأزمان، انظر إلى الأمم، انظر إلى الدول والمجتمعات ممن تنكبت عن توحيد الله جل وعلا، من يهودية، نصرانية، ملحدة، علمانية، شيوعية، كيف مقدار الأمن عندهم؟ سل يا عبد الله، سل، سل يا عبد الله عن الحالات النفسية أولًا، كم هي حالات النفسية والعصبية والهستيريا وانفصام الشخصية؟ حدث عن هذه الأمراض التي اطفحت بها سجلاتهم، أعظم الرواد، أعظم المرضى في تلكم البلاد، مع أنها قد بلغت مبلغًا عظيمًا في التطور العلمي التكنولوجي، ومع ذلك عندهم خوف، أمراض نفسية وعصبية، خوف، قلق، هلع، فزع، تعتبر أعظم الأدوية انتشارًا في دول الكفر حلولًا للهستيريا، للحالات النفسية. سل يا عبد الله عن حالات الانتحار، السويد وما أدراك ما السويد؟ تعتبر من أغنى دول العالم، من أغنى دول العالم في ارتفاع مستوى دخل الفرد، يمتلك الواحد المبلغ العظيم الذي يجعله من كبار الأغنياء، الذي يرتاح في دنياه، ومع ذلك مع هذا الترف الدنيوي فقد سجلت السجلات أن أعظم دولة انتشر فيها الانتحار السويد، حتى تعلم يا عبد الله ليس الأمن والأمان يكمن في التكنولوجيا، في الشرطة، في الجيش، في العسكر، في الأجهزة، في التدابير الأمنية، لا يا عبد الله، العقيدة أولًا، العقيدة. كيف إقبال الناس على ربهم سبحانه وتعالى؟ في دول الكفر، في أمريكا، في ملفاتهم يذكرون: «مات في دقيقة»، احسب دقيقة، «مات في دقيقة»، في الولايات التي تجمع هذه الدولة العظمى، «مات في دقيقة» إلا وتسجل مخالفة من عملية اقتطاع أو سرقة أو قتل نفس، سبحان الله، مع هذا كله لا أمن ولا أمان. حتى نعلم يا عبد الله إذا أرادت المجتمعات وإذا أرادت المدن والأقاليم والقرى، حتى الأفراد إذا أرادوا الأمن والأمان أن يحل عليهم، عليك بتوحيد الله، التوحيد الصافي، لا التوحيد يا عبد الله باللسان وأنت تصرف العبادة من دون الله عز وجل. يا الله ويا الله، والتمائم هنا والصرف في الوسط، والتمائم على رقاب الأطفال، والحجاب الأسود تحت السرير وتحت الفراش، ما ينفع. أو أنك تعلق يا الله باللسان وقلبك معلق بزيد وعبيد من القبور والأولياء على حد زعمك، هذا ليس بتوحيد، توحيد الله يا عباد الله أن تصرف القلوب ظاهرًا وباطنًا لله سبحانه وتعالى. هذا من أسباب الأمن، ومن أسباب الأمن كذلك يا عبد الله الرجوع إلى منهج السلف، الرجوع إلى منهج السلف، هذا من أعظم أسباب الأمن والأمان. إذا أراد مجتمع مثلًا أن يحل عليه الأمن والأمان، فليبحث عن حال سلفنا الصالح، كيف عاشوا؟ كيف كانت أحوالهم؟ كيف كانوا في أمورهم وفي أحوالهم وفي شأنهم مع الله ومع دين الله جل وعلا؟ لأن الصحابة إخواني في الله، وهم سلفنا الصالح، كان مجتمعهم أنموذجًا رائعًا عظيمًا، جيل جدير بالنظر والتأييد، أمل في مسلكه، مجتمع ما علم وما عرف بزعزعة الأمن، ما عرف بالفتن، ما عرف بالقلاقل ولا بالمحن. إذن كيف وصل إلى هذا الحال؟ نتبع منظرًا إلى أحوالهم. قال ربنا جل وعلا: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾، فإن آمن الناس بمثل ما آمن عليه الصحابة، فحين تأتي الهداية، ومن ذلك الأمن والأمان. ولهذا في حديث معاذ عندما قام الصحابة وقالوا: «يا رسول الله، ما المخرج منها؟ ومن نجاة؟» في بعض الروايات قال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالأمر الأول»، عليكم بالأمر الأول، ما كان عليه سلفنا الصالح، نستمسك يا عبد الله، نعتصم. ربنا سبحانه وتعالى جعل أمورًا شبيهة بأمورنا طرأت على سلفنا الصالح، ننظر كيف تعاملوا، كيف تعاملوا مع مسائل الخروج، كيف تعاملوا مع مسائل الاختلاف والتنازع، كيف تعاملوا مع الحمية والعصبية، نرى كيف تعاملوا مع الشهوات والفتن والشبهات، ننظر كيف تعاملوا مع الفرق الضالة، ننظر كيف تعاملوا مع أهل البدع والأهواء، ننظر كيف تعاملوا مع كل شيء، النموذج نطبق ما أمرنا أن نتبعهم فيه. ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾، ولنا عبرة إخواني في الله، وعظة في مجتمعات من مجتمعات المسلمين تنكبت عن منهج السلف، تنكبت عن منهج السلف وأخذت بمناهج تخالف منهج السلف، مناهج أهل البدع والأهواء، فماذا عسى أن تنظر أو تتوقع أن يحل على هذه المجتمعات؟ ما يحل فيهم إلا الخوف، الرعب، الإرهاب. سأل يا عبد الله عن الخوارج، كيف ظهروا؟ وكيف عندما استتبت لهم الأمور في مرحلة من المراحل وأصبحت لهم شوكة وأصبحت لهم قوة، الذي فعلوا؟ خرجوا على جماعة المسلمين، قتلوا ونهبوا وسرقوا، حتى بلغ بهم الجرأة أن شهروا السلاح ورفعوا السلاح على أصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام، حتى قال الراوي: «فرأيت هؤلاء يطاعنوننا يوم النهروان»، الخوارج. سأل يا عبد الله كيف لو استتبت لأمور المعتزلة؟ لا تبعد، لا تبعد، انظر يا عبد الله إلى فتنة خلق القرآن عندما استتب الأمر إلى المعتزلة، ما الذي فعلوا في جماعة المسلمين في بلاد أهل الإسلام؟ حكموهم بالحديد والنار، قتلوا وشردوا ونكلوا بأهل السنة، ملئت بهم السجون، وعذبوا وقتل الكثير من العباد والزهاد، بل وحتى من العلماء. كان الأسير من أسارى المسلمين في أيدي الكفار، فإذا جاءت المجالس التي يكون فيها تبديل الأسرى، تبديل الكافر بمسلم، يقوم أهل المعتزلة ويقولون للكفار: «الذي عندكم من المسلمين، ما الذي يقول بخلق القرآن؟ ما الذي يقول بخلق القرآن؟» فإن كان، فإن قال بخلق القرآن فجيء به، وإن لم يقن على منهجنا وما قال بخلق القرآن فليبق عندكم، نكلوا بأهل الإسلام، نكلوا بأهل الإسلام، حكموهم بالحديد والنار. هؤلاء أهل أهواء يا عبد الله، سأل يا عبد الله عن الروافض إذا آلت إليهم الأمور، ما في داعي أن أحكي الواقع المعاصر أكبر شاهد، ما وضعوا في موضع استتب لهم الأمر فكان لهم الظهور إلا نكلوا بأهل الإسلام، قتلًا وتعذيبًا وتشريدًا، حتى أبادوا مئات الآلاف من أهل الإسلام. وسأل يا