إن السعيد لمن جنب الفتن

المحاضرة بعنوان إن السعيد لمن جنب الفتن، وكانت بمسجد الفاروق بالمعيان الجمعة ١٥ جمادى الاولى ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث "إن السعيد لمن جنب الفتن"

يبدأ الشرح بتوضيح معاني ودلالات حديث "إن السعيد لمن جنب الفتن" وأهمية الابتعاد عن الفتن والصبر عليها عند وقوعها. يشير إلى وقوع الفتن وكثرتها في الأمة الإسلامية.

سبل النجاة من الفتن بالتمسك بالدين

يتم التأكيد على أهمية التمسك بالقرآن والسنة لتحقيق النجاة من الفتن، حيث وصف النبي صلى الله عليه وسلم السعيد بأنه من استطاع أن ينجو من الفتن. يُشدد على الابتعاد عن الفتن والتعبد لله في أوقاتها.

دور العبادة والصبر في مواجهة الفتن

يُنصح بالفرار من الفتن والانشغال بالأعمال الصالحة والعبادات مثل الصلاة وذكر الله لتحصين النفس ونيل الأجر العظيم. كما يُؤكد على أهمية الصبر والابتعاد عن الفتن لتحقيق النجاة.

خطورة اللسان وضرورة التحكم فيه أثناء الفتن

يُنبه إلى خطورة اللسان وأهمية التحكم فيه لتجنب المهالك والوقوع في سخط الله، حيث أن الكلمة التي لا يتبين فيها الإنسان قد تكون سبباً في الوقوع في النار.

  • 18 جمادى الأولى 1436هـ - 08/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فبادئ ذي بدء إخواني في الله، نيابة عن إخواني نتوجه بالشكر الجزيل لأهل هذه المنطقة عامة ولأهل هذا المكان خاصة، على حسن ظنهم بإخوانهم وحسن صلتهم واستقبالهم. وإن هذا الأمر، إقامة المحاضرات ومجالس التحديث وإلقاء النصائح، من الخير العظيم الذي ينبغي أن تتوافر عليه الهمم، لأنه من الأمور النافعة، ليس فقط التي فيها إحياء لقلوب الحاضرين، بل كذلك فيها إحياء لهذه البلاد. كما قال ربنا جل وعلا ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾، أي أن الأرض يوم القيامة تخبر الله سبحانه وتعالى بما حصل على أرضها من خير أو شر. ومن أعظم الخير الذي ستتحدث عنه هذه الأرض ما يقام على ظهرها من التذكير بآيات الله سبحانه وتعالى. فهذا إخواني في الله من الخير العظيم الذي حباه ربنا سبحانه وتعالى لمن شاء من عباده، والموفق من وفقه ربنا جل في علاه. وثانيا، كما سمعتم إخواني في الله، لأن عنوان المحاضرة والتي اختيرت من قبل إخواننا هي بعنوان «إن السعيد لمن جنب الفتن»، وقبل الخوض في ذكر فوائد هذا الحديث، نقف على هذا المتن، إذ أن هذا العنوان «إن السعيد لمن جنب الفتن» هو في الحقيقة مستفاد من حديث نبوي مرفوع عن نبينا عليه الصلاة والسلام. روى الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في سننه من حديث المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه قال: قال «أيم الله أيم الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواه». هذا الحديث أخرجه الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في سننه، وهو من الأحاديث الصحيحة. قال شيخنا مقبل رحمه الله تعالى بعد إيراده لهذا الحديث الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين: «وهو على شرط مسلم»، وكذلك ذكر شيخ الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة: «وهو على شرط مسلم». إذن هذا الحديث من الأحاديث التي بلغت الصحة للاحتجاج بها. ما يتعلق بهذا الحديث من حيث ألفاظه ومعانيه، نقف عند بعض الكلمات التي تحتاج إلى توضيح. قوله عليه الصلاة والسلام «إن السعيد لمن جنب الفتن»، جنب بضم الجيم وكسر النون المشددة، بمعنى ابتعد. إن السعيد لمن جنب الفتن، أي ابتعد عن الفتن. وقوله عليه الصلاة والسلام «جنب الفتن»، الفتن جمع، مفردها فتنة. والفتنة كما يقول العلماء: أصل الفتن هو إدخال الذهب إلى النار لكي يعرف جودته من رداءته. ثم أطلقت الفتنة في لغة الشرع على عدة أمور، تطلق الفتنة بمعنى إدخال الناس إلى النار، كما قال ربنا جل وعلا ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾. وأيضا يطلق الفتنة على العذاب، كما في قوله تعالى ﴿ذوقوا فتنتكم﴾. ويطلق كذلك الفتنة على الاختبار، كما في قوله تعالى ﴿وفتناك فتونا﴾، أي اختبرناك اختبارا. وتطلق كذلك الفتنة على الإيقاع في أمر فيه شدة وأمر فيه مشقة، كما قال ربنا جل وعلا ﴿وإن كادوا ليفتنونك﴾، أي يوقعونك في أمر فيه شدة. إذن هذه بعض معاني الفتنة، بمعنى الاختبار، بمعنى إدخال في النار، بمعنى العذاب، بمعنى الإيقاع بما فيه شدة وبما فيه مشقة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الفتنة في أصلها إنما تطلق على الاختبار. ثم بعد ذلك يطلق على كل ما كان مكروها أو ما يؤدي إلى مكروه. ثم قال عليه الصلاة والسلام «ولمن ابتلي»، قال العلماء: معنى البلاء هنا أي من دخل في الفتنة أو وقعت عليه الفتنة. هذا معنى الابتلاء في هذا الحديث «ولمن ابتلي»، أي وقعت عليه الفتنة «فصبر فواه». واه من أسماء الأصوات، وقال العلماء: ما المراد بواه هنا؟ منهم من قال: إن واه هنا إنما قصد به معنى التلهف، أي لما سيحصل له «فواه»، فهذا قول نبينا «ولمن ابتلي فصبر فواه»، واه أي هذا من أسماء الأصوات، أي التلهف لما سيقع لهذا المبتلى بعد صبره «فواه». تؤتى هنا، قال العلماء: يراد منها التلهف. ومنهم من قال: المراد منه هنا التوجع لما ابتلي به. وكأن المراد «آه له فواه»، بمعنى «آه له»، أي لعظم ما وقع به، أي التوجع. وقيل: إن واه هنا بمعنى استعجب، أي واعجبا لإنسان ابتعد عن الفتنة والفتنة تدركه، ومع ذلك صبر فانكف عنها، أي واعجبا لمثل هذا الشخص. إذن واه إما للتلهف، وإما للتوجع، وإما للتعجب. والذي يناسب هذا المقام التعجب، لأن هذا مقام ثناء ومقام مدح. إذن هذا الحديث في لفظه وتخريجه ومعناه، نأتي الآن إخواني في الله إلى الفوائد المستفادة من هذا الحديث. من فوائد هذا الحديث: إشارة ضمنية إلى وقوع الفتن، وأن هذه الأمة ستبتلى بالفتن. والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومتكاثرة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام «إنه ستكون فتن». وأخبر عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين أن من علامات الساعة أن تظهر الفتن. الفائدة الثانية المستفادة من هذا الحديث: أن الفتن إذا وقعت وابتليت فيها الأمة، لا تظن أنها ستكون بأحادها، لا بل هي مجامع غفيرة. الفتن تقع بلا عد ولا حساب، ويدلك على هذا صيغة الجمع «إن السعيد لمن جنب الفتن». فيا فتن كثيرة ومتكاثرة. بل صرح نبينا عليه الصلاة والسلام بأن الفتن كثيرة، ولا أدل على كثرة الفتن التي ستقع في الأمة مما جاء في البخاري من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، أنه عليه الصلاة والسلام صعد على أطم من آطام المدينة، فقال أصحابه: «هل ترون إلى ما أرى؟ هل ترون شيئا؟» قالوا: «يا رسول الله ما نرى شيئا». فقال عليه الصلاة والسلام: «إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر». يعني القطر بمعنى المطر. تأمل أنت يا عبد الله المطر إذا نزل على الأرض فإنه ما يترك موضع الشبر وما دونه إلا وأصاب الأرض. وهذا معناه أن الفتن سيكون ظهورها كثرة وكسقوط المطر، بمعنى أن الفتن ستنتشر وتعم وتكثر. الفائدة الثالثة: استفيد من هذا الحديث أن نبينا عليه الصلاة والسلام أرشد إلى مخرج من الفتن. لكن هنا وقفة، وهي أن الشرع كما أنه أرشد وبيّن الداء، فإنه كذلك ما قصر مع أهل الإسلام في ذكر المخارج. فالداء ذكر، وأيضا الدواء. يا عبد الله، ما تبتل به الأمة من أزمات ومن شدائد ومن فتن ومن محن، وكذلك الاضطرابات، سواء كان في الناحية السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو الأمنية أو ما يقع بين الشعوب، بل حتى ما يقع بين الأفراد، ما من معضلة في الدين والدنيا إلا وتجد المخرج منها يا عبد الله في شرعنا. ربنا سبحانه وتعالى وصف هذا القرآن الذي بين أيدينا أنه هداية، قال ربنا جل في علاه ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوى﴾. فالقرآن كتاب هداية، من تمسك به فإن الله جل وعلا يهدي المتمسكين به إلى سبل النجاح. وبالمقابل، فإن الله سبحانه وتعالى وصف نبينا صلوات ربي وسلامه عليه بأنه هادي، فقال ربنا جل وعلا ﴿وإنك لا تهدي إلى صراط المستقيم﴾. فنبينا كذلك يهدي العباد، وذلك هداية الدلالة. وهذا في حق من تمسك به صلوات ربي وسلامه عليه. إذا كان ذلك كذلك، إذا قال القرآن يهدي والنبي صلى الله عليه وسلم يهدي، إذن من أين يأتيك الضلال يا عبد الله ما دمت مستمسكا بالكتاب والسنة؟ لكن أين الناس من هذا الباب؟ أين الناس في استمساكهم من شرع الله سبحانه وتعالى؟ ها هي الفتن وقعت، هاجت وماجت واضطربت، فأين الذي رجع إلى الكتاب والسنة؟ القلة من العباد. الكل نظر إلى القوانين وذهب إلى الدساتير، وتعلقت الآمال بالمجالس الكبرى، بالمجالس الأمم المتحدة، بمجالس الأمن، بمجالس الغرب، عند الشرقيين عند الكفار عند الملاحدة، عل وعسى أن يجد عندهم المخارج. يا عبد الله، المخرج بين يديك. انظر في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة نبيك عليه الصلاة والسلام، ستجد النجاح وتجد المخرج. ومن ذلكم الفتن كما سيأتي بيانه. الفائدة الرابعة: أن نبينا عليه الصلاة والسلام ذكر المخرج في هذا الحديث، فقال «إن السعيد لمن جنب الفتن»، جنب مأخوذ من الاجتناب، وهو الابتعاد. فأمر نبينا عليه الصلاة والسلام أنك يا عبد الله إذا ما واجهتك الفتن أن تفر منها. طبعا إخواني في الله، الفتن عندما تقع ليست تكمن في صورة واحدة، بل الفتن لها صور عديدة. تأتي الفتن تارة على شكل شهوات وملذات زينت للناس، حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المثومة والأنعام والحرس. وتأتي الفتنة أحيانا على شكل ابتلاء وتمحيص وأذية، كما قال ربنا جل وعلا ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾. أي ابتلاء وتمحيص. وتأتي الفتنة يا عبد الله من خلال المال، قال عليه الصلاة والسلام «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال». وتأتي الفتنة كذلك في الأولاد ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾. فالفتن لها صور عديدة، قد تكون بالسراء، قد تكون بالضراء. العبد مفتون يا ربنا جل وعلا بالفتن، فعليه أنه لا ينشغل بها. وهذا المقصود بالاجتناب. وهنا تأتي فائدة مهمة جدا متعلقة بقوله عليه الصلاة والسلام «إن السعيد لمن جنب الفتن». الفائدة الأولى من هذا المقطع: أن النبي عليه الصلاة والسلام وصف السعيد بأنه من استطاع أن ينجو من الفتن. قال «إن السعيد لمن جنب الفتن»، وأكد هذا الوصف بعدة مؤكدات. المؤكد الأول ذكره بقوله «إن السعيد»، وإن كما يذكر ذلك أهل الإعراب حرف توكيد ونصب. فمن أعظم أعمال إن إذا ذكرت في الجمل أنها تؤكد المعنى «إن السعيد»، فهذا تأكيد وتوكيد من نبينا عليه الصلاة والسلام. المؤكد الثاني التكرار، النبي عليه الصلاة والسلام كرر العبارة «إن السعيد لمن جنب الفتن»، الأولى «إن السعيد لمن جنب الفتن»، الثانية «إن السعيد لمن جنب الفتن»، الثالثة. فهذا التكرار من نبينا عليه الصلاة والسلام إنما جاء به من باب التأكيد والتوكيد لمعنى السعادة التي يتحصل عليها العبد. فهذا السعيد يا عبد الله، من أراد أن يحوز على لب السعادة الشرعية، فليكن هذا أمره، أنه يجنب نفسه من الفتن. الفائدة الثانية تستفيد من هذا المقطع: الخطأ الذي يبتل به الكثير من الناس، وما يكون من خوضهم ودخولهم وولوجهم في الفتن. تجد بعض الناس لربما يعترف من أول وهلة أن هذا الذي وقع أمام ناظريه أنه فتنة، ثم تريد أن تنظر إلى حاله، فإذا به بقدميه يدخل إلى قضم هذه الفتنة. أين أنت يا عبد الله من أمر النبي في قوله «إن السعيد لمن جنب الفتن»؟ جنب اتعاد، ليس معنى الفتن أنها مستنقعة أو أنها مكان بإمكانك أن تستقر فيه أو تطمئن فيه أو تلجأ إليه، لا يا عبد الله. الفتنة هي محل هرب، محل فرار. المسلم ما يملك من الفتن سوى أن يهرب منها. والأدلة كثيرة على ذلك. فنقول يا عبد الله، أخبر نبينا أن العبد كلما تباطأ عن الدخول في الفتن، كلما كان ذلك أسلم له. ثم كلما جعلت المسافة والهوة بعيدة بينك وبين الفتن، فاعلم أنك في أمن. قال عليه الصلاة والسلام «إنها ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم». تأمل الفتن هنا، وهذا تشبيه بليغ من نبينا عليه الصلاة والسلام. الفتن هنا، ورجل هناك في قعوده في سلامته، ليس في ذهنه ما يتعلق بأمر الفتنة، لا في فهمه ولا في تصوره. القاعد فيها خير من القائم، لأن القائم لو ربما يريد أن ينظر من بعد ما الذي يقع، فهذا فيه نوع من النظر والتربص، فكان ذلك على شفا هلاكه. ثم قال عليه الصلاة والسلام «والقائم خير من الماشي»، والقائم وإن كان على سوء، لكن حاله أهون من حال من يمشي. ثم قال عليه الصلاة والسلام «والماشي خير من الساعي»، الذي يجري، الذي يشد ماذا؟ الخطأ، يريد أن يظهر بهذا المكان حتى ينظر لما فيه، هذا كذلك قريب من هلاكه. ثم قال عليه الصلاة والسلام «من تشرف لها تستشرفه»، هذا في حق المتشرف، التشرف بمعنى التطلع. من تشرف لها تستشرفه، تأخذك. الفتن جذابة، الفتن جذابة. كم من رجل ربما ما أراده، ما أراده من النظر في هذا الموضوع إلى الفضول، كم نسمع من هذا؟ تقول يا عباد الله: «هذا الأمر فتنة، ما يقع من الدماء، ما يقع من قتل والقتال، ما يقع من الشهوات، ما يقع من الشبهات، ما يقع من هذه الدسائس والمؤامرات، ما يقع من الاختلافات، ما يقع كذلك بين أهل العلم من بعض المسائل التي يقع فيها الأقل والأكثر»، هذه من الفتن. تجد فتنا عديدة، الأموال، الأولاد، والانشغال عن ذكر الله عز وجل. تجد أن بعض الناس كما قلنا يعرف أن هذه فتنة، لكن ما الذي تريده منها؟ يقول لك: «أتطلع، أتشرف». فيقول نبينا «من تشرف لها تستشرفه». من وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به. أمر نبينا عليه الصلاة والسلام أن تجعل بينك وبين الفتن مفاوز. هنا تأتي الفائدة الثالثة، وهو أن النبي حين أمر بالاعتزال، كيف تعتزل الفتن؟ ذكر العلماء أن الاعتزال عن الفتن يختلف باختلاف صوره. أحيانا يحتاج المرء أن يهرب من الفتن بكامل جسمه، بنفسه يفر، ولو أن يذهب إلى رؤوس الجبال. قال عليه الصلاة والسلام «يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». هذا رجل ما شد الرحال إلى الجبال حبا في الجبال، ليس حبا في الجبال، إنما الذي أذهبه إلى رؤوس الجبال أن يفر من الفتن، يهرب منها سلامة لدينه. هذا نوع من أنواع الفرار. كذلك من أنواع الفرار، كما قال العلماء: لمن لم يستطع أن يهرب منها، فلا أقل يا عبد الله أنك لا تشغل قلبك بها، ولا كذلك عملك بها. إنما تنشغل، قد تكون أنت مع أناس إن شغلوا بالفتنة، وما تستطيع أن تخرج عنهم يمنا ولا يسرى، فلا أقل يا عبد الله أنك تقطع القلب عن التعلق والتطلع لهذه الفتن. وأيضا عباد الله، في هذا الحديث فائدة عظيمة، أنك عندما تجنب الفتن فتفر، لماذا تستغل؟ حاول يا عبد الله، طبعا كما يقول العلماء: إن لم تشغلها بطاعة الله، شغلتك بمعصيته. رب رجل ربما يفر من الدنيا، لكن لا بد أنك تنشغل بشيء. فذكر نبينا عليه الصلاة والسلام أن العبد في أيام الفتن يحاول أن ينشغل بأي شيء يصرفه عن الفتن، يبعده عن الفتن، ولو كان من أمرك يا عبد الله أن تنشغل بخاصة نفسك، بأمورك الخاصة، من أمور الدنيوية البحتة، انشغل بها، فهذا يكفيك، فأن يحميك ويعصمك من أنك تنشغل بما هو أعظم من ذلك، أي بالفتن. وقد صرح بذلك نبينا في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في مسلم، قال عليه الصلاة والسلام «إنها ستكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ولينجو إن استطاع». أمرك نبينا يا عبد الله أن تنشغل بخاصة نفسك، أنت في عملك، في برك أو في بحرك، أو في دكانك أو في محلك، أو كنت في بريدك، عند زارعك، عند حيواناتك، عند إبلك وغنبك، انشغل بهذا. وقد عمل السلف بهذا، كما جاء ذلك في الصحيح، في مسلم، في قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، عندما وقع ما وقع من الفتنة، ذهب وانشغل بنفسه إلى مزرعة، وكان عند خيله وإبله. فبينما هو كذلك، إذ رأى براكب راكب يأتي من بعد، فعلم أن هذا لم يأت إلا قاصدا لشيء. فقال «أعوذ بالله من شر هذا الراكب، أعوذ بالله من شر هذا الراكب». فإذا به ابنه عمر، قال «يا أبتاه، أنت هنا بين إبلك وخيلك، والناس هنالك يتنازعون في الملك والإمارة»، يعني يقول «يا أبت، ليس هذا محلك، أنت من أنت من خيار أصحاب رسول الله، حقك أن ينالك شيء من الإمارة ومن الملك، وتركت ذلك وانشغلت بما تنشغل به؟» فما كان من أمر سعد رضي الله تعالى عنه، قال «فضرب بصدره وقال: أسكت، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الخفي النقي». الخفي بمعنى الخفاء، يختفي، لن يظهر نفسه. حتى في رواية عند إمام أحمد المسدد، قال «أي بني، متى رأيت أباك رأسا في الفتنة، فانظر». يا إخواني، إلى فهم السلف، ينشغل المرء بخاصة نفسه. إن لم يكن هناك شيء ينشغل به، فلا أقل يا عبد الله أن تلقى الله سبحانه وتعالى سالما من هذه الآثار، ولأنك تبتلى بشيء من حقوق العباد، لا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في أعراضهم. طبعا هناك ما هو أعظم من هذا، وهو أنك تنشغل بالعبادة، تنشغل بالعبادة. وهذا كذلك من الأمور التي اهتمت بها الشريعة. ثبت في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام «بادروا بالأعمال فتنة كقطع الليل المظلم». قال العلماء: قوله عليه الصلاة والسلام «بادروا» بمعنى سابقوا وسارعوا. «بادروا بالأعمال»، أي بالأعمال الصالحة. أمر نبينا بالمسابقة والمسارعة إلى فعل الأعمال الصالحة، متى؟ إذا وقعت الفتن. وهذا الذي ينبغي أن ينشغل به الناس. أنت يا عبد الله، ولله الحمد في أيام السلم والرخاء، لك نصيب من العبادة والتعبد. لكن إذا حلت الفتن واضطربت الفتن، وكادت الفتن أن تصيبك يا عبد الله، فهرع للعبادة، وزد في أمر التعبد لله سبحانه وتعالى. أقف بما تستطيع من العبادات، من الطاعات، من الفرائض والواجبات، والنوافل والسنن والمستحبات. لأن العبادة في أيام الفتن يعتبر حصنا حصينا، يعتبر حصنا حصينا من الفتن. روى الإمام البخاري في الصحيح من حديث أم سلمة، أنه صلوات ربي وسلامه عليه قام ذات ليلة فزعا، وهو يقول «سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟». أي في تلك الليلة، في منامه عليه الصلاة والسلام، أوحى إليه ربه سبحانه وتعالى أن الله قضى على هذه الأمة أمورا من الفتن. فاستيقظ نبينا على إثرها، وهو يقول «سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتن؟» ثم قال «أيقظوا صواحب الحجرات لكي يصلين»، يريد أزواجه، أصحاب الحجرات، يريد أزواجه. ما الذي طلب منهن؟ قال «أيقظوا صواحب الحجرات لكي يصلين». هنا الشاهد، ما العلاقة بين نزول الفتن وإقامة الصلاة؟ العلاقة واضحة يا عبد الله، الصلاة أم العبادات، فلا تستدفع الفتن بمثل العبادة. ما تستدفع الفتن بمثل العبادة يا عبد الله. إذا أردت أن الله جل وعلا يجعل لك من كل ضيق مخرجا، ومن كل فتنة فرجا، أقبل يا عبد الله على التعبد أكثر، من ذكر الله، من التسبيح والتكبير والتهليل والاستغفار، والإقبال على الصلاة الفرائض والنوافل، الإقبال على القرآن حفظا، قراءة، تدبرا، تفسيرا. اقبل يا عبد الله على ما ينفعك ويقربك إلى الله. بل أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن هذا الذي يجاهد نفسه على هذه القربة، فإن أجره ليس كأجر أي عابد، ليس أجره كأجر أي عابد. الذي يجاهد نفسه في أيام الفتن خاصة، بأنه ينشغل بعبادته لربه، فإن الله سبحانه وتعالى يعظم له المثوبة. ولا أدل على ذلك مما رواه مسلم في صحيحه من حديث معقل بن يسار، قال: قال عليه الصلاة والسلام «العبادة في الهرج كهجرة إلي». قال النووي رحمه الله تعالى في تفسير الهرج هاهنا: «بأنها أيام الفتن». العبادة في أيام الفتن، قال صلوات ربي وسلامه عليه «العبادة في الهرج كهجرة إلي»، كمن هاجر إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا يدلك على عظم العبادة والتعبد في أيام الفتن، ولما عظمت الأجور والفضائل في هذا المقام. لأن الناس في أيام الفتن ينشغلون عن ذكر الله، وعن إقامة الصلاة، وعن عبادة الله سبحانه وتعالى. وانظر يا عبد الله إلى حال الناس، كم من رجل ربما يقبل على الصلاة، يقبل على النوافل، يحضر على بيوت الله سبحانه وتعالى، يحضر على حلقات العلم وعلى حلقات الذكر. إلا أنه في أيام الفتن يطيش، يطيش، يذهب ويبتعد. كم من رجل ربما ما عرف أبدا أنه يتقصير حقا من حقوق العباد، ملفه سليم، لكن متى ما جاءت الفتنة في غضون أيام، إذ به اقتحم أموال الناس، تكسير، تخريب، تدمير، سرقة، إما تسلط على دماء الناس، إما برمي، إما بضرب، إما بقتل، إما إزهاق روح، أو سفك دم. أو مثل ذلك بأعراض، لسانه مصان عن أعراض المسلمين، لكنه ما درى إلا بلسانه استرسل، استرسل في الكلام في أعراض المسلمين وعراض المسلمات، بالغيبة والنميمة والكذف والبهتان. ما ذلك يا عبد الله إلا لما استشرف العبد الوقوع في الفتن. ولهذا إخواني في الله، كان السلام على أن العبد في أيام الفتن ينشغل بالعبادة لله سبحانه وتعالى. ثم قال عليه الصلاة والسلام «فواه»، أي هذا تعجب، تعجب في حق من ابتلي فصبر. هذا قمة، أنت يا عبد الله، صاحب تريد أن تنجو، تريد أن تعمل بهذا العمل، تريد أن تفر من الفتن، لكن أحيانا أحيانا تجد أن الفتن هي التي تأتيك، تجد أن الفتن هي التي تأتيك، هي التي تدخل إلى عقر دارك. إذا ما الذي تفعله؟ هل تجعل أن الفتن لما جاءتك، أن هذه ذريعة تقول «يا رب ما حيلتي؟ الفتن تعبت إلا أن تأتي عندي، لا أود أدخل، لا». لا يا عبد الله، هذا من الابتلاء، من الابتلاء العظيم، أن الله جل وعلا ينظر إلى حالك. صحيح الواحد منا قد يملك القدرة إذا كانت الفتنة ها هنا، يمكنه أن يولي عنها الأدبار، يمكن هذا. لكن تعظم المحنة للمسلم وللمؤمن، أن الفتنة تأتيك إلى عقر بيتك، تأتيك الفتنة عندك في جوالاتك، في رسائلك، تأتيك بما يأتي من قبل قريب، من يأتيك بأمر الفتن؟ هنا تأتي المحنة يا عبد الله. ولهذا قال نبينا «ولمن ابتلي»، ابتلى يا عبد الله بالفتنة «فصبر»، ومع ذلك ما أغرتك الفتنة، مع أن قد جاءتك إلى تحت قدميك، ومع ذلك صبر وانكف. قال نبينا «فواه»، أي هذا قد بلغ القمة، أن يستغرب ويتعجب من أمره، أنه مع هذا كله منتبه. وهذا يا عبد الله أمثلة كثيرة، كما وقع ليوسف عليه السلام، إذ ابتلاه ربنا جل في علاه بأعظم فتنة، فتنة النساء، إذ تعرضت له، فما كان من أمره إلا أن أعرض عنها. ثم في الصبر على البلاء وعلى الفتن، وهكذا يا عبد الله أن تبتلى بالأموال. وفي قصة ما وقع لكعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، عند إيثار تخلفه عن غزوة تبوك، أمر نبينا من كان من الصحابة أن يعلنوا الهجران، فهجروه، هجره الصديق والقريب، هجره الزوجة والأولاد والأحباب، كلهم قد هجروه. فبينما هو كذلك في هذا الحال التي لا يعينه بها إلا الله، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، إذ رجل من الشام ينادي «أين كعب بن مالك؟ أين كعب بن مالك؟» ثم يشار إليه حتى دلوه، فإذا برسالة، رسالة من ملك الغساسنة، إذ فيه «أما بعد، قد علمنا أن صاحبنا قد جفاك، وما جعلك الله في دار مضيعة ولا هوان، إلحق بنا نواسيك، إلحق بنا، ما جعلك الله في دار مهانة ولا مذل أن تهجر، إذهب إلحق بنا نواسيك». فماذا قال هذا العبد الصادق؟ قال «وإن هذا لمن البلاء»، فمزقها ورماها بالتنور. بلاء يأتي إلى عند قدميه، وصبر، ومع ذلك جعله له مخرجا من هذه الفتنة التي ابتلي بها. وأكد إخواني في الله أن السبل كثيرة وكثيرة جدا، ولا يسع المقام لذكر ذلك. وكما تعلمون في الأخ يوسف حفظه الله تعالى، حق المشاركة في هذه المحاضرة، فيترك المجال له في ذكر ما فتح الله عليه من الفوائد المستفادة من هذا الحديث، ومما له تعلق بهذه المسائل المهمة، والتي ما من أحد إخواني في الله إلا بحاجة أن يتأمل فيها. ونحن خاصة ابتلينا بالفتن، ولا أحد يكابر، ولا أحد يجحد أن ما نحن فيه في هذه الأزمان هي قمة الفتن. الفتن يا عبد الله في كل مكان، في بيتك فتنة، في محلك فتنة، في الشارع فتنة، بل حتى لربما تدخل إلى بيوت الرحمن وتجد الفتن من النزاعات والاختلافات والتفرق. تأتيك الفتن وتتراقص أمامك، فلا بد يا عبد الله أن المسلم يعرف ما الحلول وسبل النجاة التي أتى بها الشرع لكي يتأسى بها ويستمسك بها، فيجعل لك ربنا سبحانه وتعالى المخرج من هذا الضيق ومن هذه الفتن والقلاقل. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فجزى الله أخانا خيرا على ما سمعنا مما ذكر من فوائد هذا الحديث العظيم الذي أرشد فيه النبي عليه الصلاة والسلام إلى السلامة من الفتن، وتحقيق السعادة لمن عمل بهذه الوصية العظيمة. بأنه تتحقق له السعادة «إن السعيد لمن جنب الفتن». وهكذا أيضا كما سمعنا، تضمن هذا الحديث وقوع الفتن، وأن وقوعها لا بد أن يحصل، وهذا مما قضاه الله عز وجل قدرا وأراده سبحانه وتعالى كونا. ولذلك وقعت الفتن، ولا تزال تقع وتتكرر. وهي سبب لاختبار وامتحان العباد، فالله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بالفتن والمحن التي يحصل بها التمحيص، كما قال جل وعلا ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين﴾. وكما قال سبحانه ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾. وقال جل وعلا ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾. فالفتن امتحان واختبار يختبر به العباد، فينظر جل وعلا من يصبر ومن يتحمل ومن يثبت ومن ربما يزل ويقع في الفتن. وأسباب النجاة من الفتن كثيرة، ومنها ما سمعنا في هذا الحديث مما تضمنه من البعد والتجنب «إن السعيد لمن جنب الفتن». وكما سمعنا أن تجنبها قد يكون بالابتعاد كليا، وقد يكون كذلك بعدم الخوض في الفتن، لا بلسان ولا ببنان، ولا كذلك أيضا بمشاركة بمال أو بغير ذلك من أنواع المشاركة. جاء في سنن الترمذي، في مسند الإمام أحمد، من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام «يا رسول الله، من نجاه؟». سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن النجاة، قال عليه الصلاة والسلام «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكي على خطيئتك». والحديث صححه العلامة الألباني رحمه الله. فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذه ثلاثة الأمور التي تحصل له بها النجاة. وسؤاله سؤال عام «من نجاه؟» لم يقيد ذلك بالنجاة في الدنيا أو النجاة في الآخرة، بل أطلق السؤال، فيشمل النجاة في الدنيا وفي الآخرة. قال «من نجاه؟» قال «أمسك عليك لسانك». أوصاه عليه الصلاة والسلام للسلامة والنجاة أن يمسك لسانه، «أمسك عليك لسانك»، يعني في عدم الخوض فيما لا ينفع، أو الكلام بما يضر. لأن الإنسان إذا أطلق لسانه أوقع نفسه في المهالك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «إن العبد لا يتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، تكون من سخط الله، يهوي بها في النار سبعين خريفا»، أي سبعين عاما. والحديث في