شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 29

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية للسعدي 29، الدرس التاسع والعشرون:من(42ـ وإن تساوى العملان اجتمعا*وفعل إحداهما فاستمعا...بل كل مشغول بحق لا يشغل بآخر حتى يفرغ الحق عنه والله أعلم ). ألقاها

أحكام الجمع بين الأعمال

يناقش هذا الفصل حكم الجمع بين عملين من جنس واحد، سواء كانا مقصودين لذاتهما أم لا، ويشرح الشروط لذلك.

قاعدة المشغول لا يشغل

يشرح هذا الفصل القاعدة الفقهية 'المشغول لا يشغل' ويضرب أمثلة عليها مثل الرهن والمسبل، ويستدل بحديث عمر في الصحيحين.

التصرف في الموقوف والمشغول بحق

يناقش هذا الفصل حكم التصرف في الموقوف والأجير الخاص والدار المؤجرة إذا كانت مشغولة بحق آخر، ويبين أنه لا يجوز التصرف فيها حتى يفرغ الحق عنها.

التفريغ النصي الكامل

قال رحمه الله: وإن تساوى العملان اجتمع وفعل إحداهما فاستمع. قال رحمه الله الشرح: إذا اجتمع عملان من جنس واحد وكانت أفعالهما متفقة، اكتفى بأحدهما، واكتفي بأحدهما ودخل فيه الآخر. إذا اجتمع عملان من جنس واحد، هذا قيد لا بد منه، أن يكون العملان من جنس واحد، صلاة وصلاة، صيام وصيام، غسل وغسل، وهكذا يكون عملان من جنس واحد. وهنا شرط آخر لا بد منه، وهو ألا يكون العمل مقصودًا بذاته، ألا يكون العمل مقصودًا بذاته. فإن كان مقصودًا لذاته، فهنا لا يمكن ماذا؟ قيام العمل مقام الآخر. إذا كان مقصودًا لذاته، لا يمكن أن يستغنى عن أحدهما بالآخر. مثل صلاة الراتبة، صلاة الراتبة مقصودة لذاتها، مقصودة لذاتها. فإذا اجتمعت في وقت العصر، كان يكون مثلًا نسي صلاة الظهر ثم ذكر في وقت صلاة العصر، هل يجزئه أن يصلي العصر بالنية العصر والظهر؟ الجواب لا. لماذا؟ لأن كل صلاة مقصودة لذاتها، كل صلاة مقصودة لذاتها، فلا بد أن يأتي كل واحدة منفردة. بخلاف ما إذا كانت غير مقصودة لذاتها، بأن تكون مقصودة لغيرها، مثل تحية المسجد ركعتين، تحية المسجد، فهذه ليست مقصودة لذاتها، وإنما مقصودة لغيرها. فالمقصود أنك إذا دخلت المسجد لا تجلس حتى تصلي ركعتين. فإذا صليت ركعتين بنية الوضوء أو بنية ركعتين أو سنة راتبة، فإنها تجزئ عن تحية المسجد. فإنها تجزئ عن تحية المسجد. لماذا؟ لأن تحية المسجد ليست مقصودة لذاتها، وإنما مقصودة لغيرها. قال: وكان تفعالهما متفقة، اكتفي بأحدهما ودخل فيه الآخر، يعني اكتفي أن تأتي بأحد هذين العملين، ويغني ماذا؟ ويغني عن الآخر. مثل كما سمعنا، تصلي ركعتين وضوء سنة الوضوء، وتغني عنك عن تحية المسجد. فهما عبادتان عملا من جنس واحد، كلاهما صلى. وكذلك أيضًا ليس مقصودًا لذاته، فتحية المسجد مقصودة لغيرها، المقصود أنك لا تجلس ستصلي ركعتين، فقامت إحداهما مقام الأخرى. قالوا في ذلك، وذلك في مسائل منها: إذا دخل المسجد وصل الراتبة وتحية المسجد ركعتين، نوا بهما جميع السنن، أجزأ عنها. صلى الراتبة وتحية المسجد ركعتين، نوا بهما جميع السنن، أجزأ عنها. مثلًا في صلاة الصبح، وهو لم يصل تحية المسجد، فصل الراتبة هذه، فإنها تجزئ عنه ماذا؟ تجزئ عن تحية المسجد. تجزئ عن تحية المسجد. أو صلى تحية المسجد ونوا بها جميع السنن، صلى ركعتين ونوا بها أنها ركعتين الوضوء، وأنها ركعتين السنة الراتبة، وأنها كذلك تحية المسجد، فيجزئه ذلك. يجزئه صلاة ركعتين تقوم مقام بقية ماذا؟ بقية السنن، لأنهما عملان من جنس واحد، وليس مقصودًا لذاته. قال: وكذلك سنة الوضوء إذا نوا بها الراتبة، توضع ثم صلى ركعتين، وكانت فريضة كركعتين صلاة الصبح، فإنها تجزئه. فإنها تجزئه، تكون راتبة وتكون كذلك أيضًا ماذا؟ سنة الوضوء إذا نوا بها ذلك. قال: وكذلك المعتمر إذا طاف طواف العمرة، أجزاه عن طواف القدوم. والقارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد. يقول: المعتمر إذا طاف طواف العمرة، أجزاه عن طواف القدوم. جاء يريد أن يؤدي العمرة، فدخل وطاف طواف العمرة، ونوى به طواف القدوم، أجزأه، ولم يلزمه ماذا؟ أن يأتي بطواف آخر، لأنهما عملان من جنس واحد، قام أحدهما مقام الآخر. لأن طواف القدوم هو كتحية المسجد، طواف القدوم هو كتحية المسجد. فإذا طاف ونوى به طواف العمرة، أجزأه عن طواف القدوم، كمن يصلي الفريضة، فإنها تجزئه ماذا؟ عن تحية المسجد. وكذا من يطوف طواف العمرة، فإنه يجزئه عن طواف القدوم. والقارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد، أي أن طوافه بالبيت، ومعابرة طوافنا طواف الإفاضة، طواف الإفاضة الذي هو ركن من أركان الحج، إذا طاف طواف الإفاضة، أجزأه هذا الطواف عن حجه وعمرته. أجزأه هذا الطواف عن حجه وعمرته. وهكذا يكفيه سعي واحد، يكفيه سعي واحد، يجزئه عن سعيه في حجه وعمرته. ومثل ذلك أيضًا في الغسل، إذا اجتمع على الإنسان غسل جنابة وغسل جمعة، غسل جنابة وغسل الجمعة، هل يجزئه أن يغتسل غسلًا واحدًا؟ يكفيه عن الجمعة والجنابة؟ الصحيح أنه يجزئه ذلك، يجزئه ذلك. لأن غسل الجمعة ليس مقصودًا لذاته، وإنه مقصود ماذا؟ مقصود الجمعة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿من جاء منكم الجمعة فليغتسل﴾. فإذا اغتسل ونوى بهذا الغسل رفع الجنابة، وكذلك أيضًا أنه للجمعة، أجزأه ذلك. لا بد من نية، إنما العمال بالنيات، ينوي أنه غسل للجمعة والجنابة. وهكذا أيضًا إذا اجتمع على المرأة غسل جنابة وغسل حيض، غسل جنابة وغسل الحيض، تكون على جنابة ثم تحيض ثم تطهر من الحيض، فهي يلزمها أن تغسل غسلين أو غسل واحد؟ الجواب يجزئها أن تغسل غسلًا واحدًا، غسلًا واحدًا يجزئها عن غسل الجنابة والحيض. لأن غسل الحيض ليس مقصودًا لذاته، وإنما المراد منه هو التطهر من النجاسة، فهو من باب التروق، وباب التروق مقصود لغيرها. فإذا غسلت لغسل الجنابة ونوت كذلك أن غسل الحيض أجزأها. قال رحمه الله: وكل مشغول فلا يشغل، مثاله المرهون والمسبل. قال في الشرح: هذا معنى قول الفقهاء: المشغول لا يشغل، المشغول لا يشغل. هذه قاعدة يعبر بها العلماء: المشغول لا يشغل. وذلك أن الشيء إذا اشتغل بشيء لم يشغل بغيره حتى يفرغ من هذا المشغول به. إذا اشتغل بشيء لا يشغل بغيره حتى يفرغ من هذا المشغول به. ويمكن أن يستدل بهذه القاعدة بحديث عمر في الصحيحين: «إن أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أصاب أرضًا بخيبر، فسأله ما يصنع فيها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، يعني أوقفتها. قال: على أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، على أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث. لماذا؟ لأن أصلها قد شغل بالوقف. فلما كان مشغولًا بالوقف، لم يجز أن يشغل بشيء آخر من بيع أو هبة أو إرث أو غير ذلك. قال: وذلك كالرهن لا يباع ولا يوهب ولا يورث حتى ينفك الرهن أو يأذن الرهن. الرهن يعني ما يدفعه الإنسان لشخص توثيقًا لدين، تأخذ من إنسان دين مال ونحو ذلك، يقول: يريد رهنًا، يعني شيء يوثق هذا الدين، تعطيه وثيقة أرض، تعطيه ذهب، سيارة أو نحو ذلك، يكون رهنًا عنده، بحيث إذا جاء وقت سداد الدين ولم تسدد، يتصرف في هذا الرهن، يبيعه ويأخذ دينه ماله، ويرجع الباقي لك. فإذا رهن أنت شيء عنده، فلا يجوز لك ماذا؟ ولا له أن يبيع الرهن قبل سداد أو مجيء الوقت. فلا يجوز لك أن تصرف في هذا الرهن، تبيعه أو تهبه لأحد، تقول لفلان لشخص من الناس: أرأيت الذهب الذي عنده فلان؟ سيبيعه لك، هو رهن، هذا لا يجوز. لأن هنا قد شغل بالرهن، فلا يجوز أن يشغل بشيء آخر من بيع، ولا كذلك هبه، تقول لصاحب: هبه لك، ذاك الرهن، ما يجوز. ولا كذلك أن ترهنه لأحد آخر، تأتي تذهب عند آخر وتأخذ منه دين يطالبك برهن، تقول: سأعطيك رهنًا، السيارة عنده فلان، خذها رهنًا عندك، وهي مرهونة عند ذاك، هذا لا يجوز. لأنها مشغولة بما فيه من الرهن، والمشغول لا يشغل. قال: وكذلك الموقوف لا يباع ولا يوهب ولا يرهن لانشغاله بالوقف. الوقف وهو تحبيس أو حبس الأصل وتسبيل المنفعة، حبس الأصل وتسبيل المنفعة. فإذا أوقفت شيئًا، فلا يجوز لك أن تتصرف بهذا الوقف ببيع أو هبة. قلنا: الوقف حبس الأصل وتسبيل المنفعة، حبس الأصل وتسبيل المنفعة. فإذا أوقفت شيئًا، فلا يجوز لك أن تبيع هذا الوقف، ولا كذلك أن تهبه لأحد، ولا أن ترهنه، ولا أن ترهنه لأحد. لماذا؟ لأنه منشغل بالوقف، منشغل بما أوقف عليه. أوقفت مثلًا دارًا للمساكين، ثم أردت أن تبيع هذه الدار، فلا يجوز لك أن تبيعها، أو أردت أن تهبها لأحد، لا يجوز، أو أردت أن ترهنها، تجعلها رهنًا، كذلك لا يجوز. لأنها مشغولة بالوقف، مشغولة بالوقف، فلا يجوز أن تشغل بشيء آخر، إلا إذا تعطل هذا الوقف، فيجوز إذا تعطل الوقف وصار لا ينتفع به، جاز أن يتصرف فيه بما يكون فيه منفعة، إما ببيعه ويستبدله بما هو أنفع منه، أو بتحويله أو نحوه، وغير ذلك. لكن في الأصل لا يجوز التصرف فيه. قال: وكذلك الأجير الخاص، وهو من استؤجر زمنًا كيوم وساعة ونحوه لعمل، لا يشغل في هذه المدة لغير من استأجره، لأن زمانه مستحق للمؤجر مشغول به. يقول: الأجير الخاص من استؤجر زمنًا كيوم وساعة، قلتها لشارس، تعال أريدك أن تعمل عندي، استأجرته يحفر لك مثلًا بئرًا. ففي هذا الوقت الذي استأجرته فيه، لا يجوز ماذا؟ أن يشغل هذه المدة لغير المؤجر، لا يجوز أن يذهب ويعمل عند آخر، ما يجوز. لأن هذا الوقت الآن هو مشغول للعمل عند هذا الشخص، فلابد أن يعمل عنده كل الوقت الذي استأجره فيه. ثم إذا انتهى، فيعمل عند غيره. وأما أن يذهب ويعمل عند غيره، فلا يجوز. قال: والدار المؤجرة لا تؤجر حتى تفرغ المدة، بل كل مشغول بحق لا يشغل بآخر حتى يفرغ الحق عنه. والله أعلم. الدار المؤجرة إنسان أجر دارًا لشخص لمدة ثلاثة أشهر، لمدة ثلاثة أشهر، ثم جاء المؤجر بعد شهر ونصف وأراد أن يؤجر هذه الدار لغيره، هل له الحق بذلك؟ الجواب ليس له الحق، ولا يجوز له ذلك. لماذا؟ لأن هذه الدار الآن مشغولة ماذا؟ بالمستأجر الأول، مشغولة بالمستأجر الأول، فمدة الإيجار لم تنتهي، فلا يجوز للمؤجر أن يتصرف ويأتي ماذا؟ بشخص آخر يؤجر له الدار حتى تنتهي المدة، حتى تنتهي المدة. وهكذا كل ما كان بمعنى هذه الأمثلة، فهو داخل في هذه القاعدة: المشغول لا يشغل، لا يشغل. كيف عمر؟ نعم، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أرض بخيبر، ما يصنع فيها؟ حبس الأصل، تسبيل المنفعة، يعني أصلها موقوف، لا يجوز تصرف فيه، ومنفعتها تصرف فيها، تصرف في منفعتها. واضح الآن، هذه الدار أوقفها، هذه الدار لا يجوز تصرف فيها، لا ببيع ولا هبة ولا إرث ولا غير ذلك. ومنافعها ينتفع بها، يمكن مثلًا أن تؤجر لأجل، مثلًا نفع من فيها من الفقراء، أو كذلك ينتفع بها بسكنها إذا كانت الفقراء المساكين، فيسكنها الفقراء، وهكذا يتصرف فيها. أما الأصل، يتصرف فيه مثل المزرعة، أوقفها، أصل المزرعة لا يجوز ما يتصرف فيها ببيع أو هبة أو إرث، ومنافعها جارية، ينتفع من ثمارها، من أشجارها ببيع أو غير ذلك، على ما أوقفها عليه. مثل أيضًا مثلًا ماء سبيل، أوقف براد، أصل البراد هذا ليس يصرف فيه ببيع أو هبة أو غير ذلك. ماؤها منفعته جارية، من شاء جاء يشرب. هذا معنى حبس الأصل وتسبيل المنفعة. قال عمر: «إن شئت حبست أصلها». أه قال: «إن شئت»، لما سأله ما يصنع فيها؟ قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، يعني أوقفتها. أوقفت أصلها وتصدقت بها. ثم قال: «لأنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث»، يعني لأنه وقف، فلا يشغل بغير الوقف من بيع أو هبة أو إرث. هذا شاهد هذا شاهد.

شاركنا على