الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 18، ألقاها
يذكر المؤلف أمثلة على مشقة طلب العلم والصبر عليه، حيث كان العلماء يتحملون الفقر والمشقة في سبيل تحصيل العلم. يشير إلى أن طلب العلم يحتاج إلى الصبر والتحمل.
يُناقش أهمية استغلال الوقت في طلب العلم وعدم الانشغال بالأمور الدنيوية، ويُضرب مثالًا على ذلك بسيرة الإمام الشافعي الذي استمر في طلب العلم بجد وإخلاص رغم الفقر واليُتم.
يُشدد على أهمية طلب العلم المستمر وعدم الاكتفاء بما هو معروف، ويُنقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: 'قيمة كل امرئ ما يحسن'. يُحذر من اليأس ويُشجع على مواصلة التعلم.
لمن عبد البر رحمه الله في كتابه بيان أو جامع بيان العلم وفضله، قال: وروا ابن أبي الزنات عن أبيه قال: رأيت عمر بن عبد العزيز يأتي عبيد الله بن عبد الله يسأله عن علم ابن عباس، فربما أذن له وربما حجبه. يعني أن عمر بن عبد العزيز كان يأتي عبيد الله بن عبد الله يسأله عن علم ابن عباس، أي عما يعلم من علم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، فربما أذن له وربما رجع، ربما أذن له أن يدخل عليه وربما حجبه، أي منعه من الدخول. ويريد بذلك أنه ينبغي لطالب العلم أن يحرص على العلم، وكذلك أيضا وإن أوقع نفسه في الذل، لا بد أن يصبر في تحصيل العلم. قال: وجدت خلف ابن القاسم لابن المبارك في أبيات لا أقوم بحفظها في وقت هذا: آخر العلم لذيذ طعمه، وبداية الطلب منه كالصبر. يعني أن بداية الطلب فيه مشقة، فيه مشقة، وربما يعاني الشخص عناء عظيما في تحصيل العلم، لكن في آخره لذة عظيمة في تحصيله، لذة عظيمة يشعر بها من حصل العلم، يشعر بلذة العلم. وكان مالك يقول: إن هذا الأمر لا ينال حتى يذوق فيه طعم الفقر. وذكر ما نزل بربيعة، أي ربيعة الرأي، من الفقر في طلب العلم، حتى باع خشب سقف بيته في طلب العلم، وحتى كان يأكل ما يلقى على مذابح المدينة من الزبيب وعصارة التمر. انظروا كيف أصاره الفقر الشديد من أجل العلم، ومع ذلك صبر حتى حصل العلم، صار إماما من أئمة الدين. وكان شعب يقول: من طلب الحديث أفلس. وروي عنه أيضا أنه قال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، من ألح في طلب العلم أو قال في طلب الحديث أورثه الفقر. ولهذا إذا وقع لطالب العلم هذا الأمر، أي إذا طلب العلم سيصيبه الفقر، يحتاج إلى كتب ويحتاج إلى أدوات ويحتاج إلى أشياء حتى يستمر في طلب العلم، فينبغي له أن يصبر وأن يحتسب. وكان أبو يوسف يقول: طلبنا هذا العلم، وأبو يوسف هو صاحب أبي حنيفة، قال: وطلبه معنا من لا نحصيه كثرة، فمن تفع به منا إلا من يبس قلبه. وذلك كأن أبا العباس لما أقضى إليه الأمر بعث إلى المدينة فأقدم عليه عامة من كان من أهل العلم، فكان أهلنا يعدون لنا خبزا يلتفون به لنا بالبن، فنغدو في طلب العلم ثم نرجع إلى ذلك فنأكله. فأما من كان ينتظر أن تصنع له هريسة أو عصيدة فكان ذلك يشغله حتى يفوته كل ما نحن ندركه. يعني أنهم كانوا يقصدون حتى في الطعام فيأخذون من الطعام الشيء اليسير حتى يحصلوا على الوقت ويدركوا مجالس العلم. وكان بعضهم ينتظر حتى تصنع له الهريسة أو العصيدة، طعام الذي يشبع، يشبع بطنه، فيأتي وقد فاتته الدروس، يأتي وقد فاتته الدروس، فلا يحصل من العلم ما يحصله غيرهم. وهذا أيضا يدل على أن الشروط ينبغي أن يحرص على حضور مجالس العلم، ولو كذلك أيضا أن يفوت شيء مما تشتهي النفس حتى يحصل العلم. قال: وكان سحنون يقول: لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع، ولا لمن يهتم بغسل ثوبه. لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع، ولا لمن يهتم بغسل ثوبه. يعني أنه لا يهتم بأمر الأكل، إذا جلس لم يقم من فوق الصحن. والله المستعان، هذا العمر ربما كلنا يبتلى به. والمراد أن السلف كانوا يسرعون حتى في الطعام، يسرعون في الطعام حتى يستغل وقت في طلب العلم. وكذلك أيضا لا يهتم بغسل ثوبه، المضارة أمر ما هو أمر به، وأمر كذلك حتى عليه الشرع، لكن المراد أنه لا يكون دائما وهو يهتم بمنظره 24 ساعة ويغسل فيها ثوبه، لا يضيع وقته في مثل هذه الأشياء، في مثل هذه الأشياء من أكل أو لبس ونحو ذلك، بل يستغل وقته ويجعل له وقت لتغسيل ثيابه. قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: قال محمد بن الحسن: لا يفرح في هذا الأمر إلا من أحرق الأنفة قلبه. وقال محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله: كنت يتيما في حجر أمي، فدفعتني إلى الكتاب، يعني الأماكن التي يدرس فيها العلم، ولم يكن عندها ما تعطي المعلم، فكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، يعني يحل محله. فلما ختمت القرآن دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظ ذلك، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أن أشتري به قراطيس قط، فكنت إذا رأيت عظما يلوح، يعني يلوح نظيفا، قال: أخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحته في حرة كانت لنا قديمة. قال: ثم قدم والي على اليمن فكلمه لبعض القرشيين أن أصحبه، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أتحمل به، قال: فرهنت دارها بستة عشر دينارا فأعطاني فتحملت بها معه. فلما قدمنا اليمن استعملني على عمل فحمدت فيه، يعني أنه أتقنه فحمده على ذلك، قال: فزادني عملا فحمدت فيه، فزادني عملا. وقدم العمار مكة في رجب فأثنوا علي، فطار لي بذلك ذكر، فقدمت من اليمن فلقيت ابن أبي يحيى فسلمت عليه فوققني، وقال: تجالس العلماء وتصنعون، فإذا شرع لأحدكم شيء دخل فيه أو نحو هذا من الكلام. قال: فرددته، ثم لقيت سفيان بن عيينة فسلمت عليه فرحب بي، وقال: قد بلغتنا ولايتك، فما أحسن من تشر عنه، وما أديت كل الذي لله عليك فلا تعود. قال: فكانت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع به ابن أبي يحيى. قال: وذكر قبرا طويلا في دخوله العراق وملازمته محمد بن الحسن ومناظرته له، تركته لأنه ليس مما قصدنا له في هذا الباب. ومراده أنه كان، أي الإمام الشافعي رحمه الله، فقيرا، كان يتيما، وقامت أمه برعايته، وأيضا برهن دارها من أجل أن يستمر في طلب العلم. تعلمون من هو الإمام الشافعي رحمه الله. قال: وكتب الشافعي رحمه الله إلى محمد بن الحسن إذ منعه خطبة: قل لمن لم تر عين من رآه مثله، ومن كان من رآه قد رآه من قبله، العلم يأبى أهله أن يمنعوه، لعله يبذله لأهله لعله. قال: فوجه إليه محمد بن الحسن ما أراد من كتبه فكتبها. وقال الشافعي: يقول سمعت من محمد بن الحسن رحمه الله وقر بعير، يعني مل بعير. وقالوا: من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا. من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا. والمعنى أن الشافعي لا بد أن يذل نفسه بطلب العلم، وإلا بقي طول حياته وهو جاهل، بقي طول حياته وهو جاهل. وهذا كما مر معنا في أثر مجاهد: لا ينال العلم مستحيي ولا مستكبر. فالمستكبر يأنف أن يجلس في مجالس العلم ويرى أنه أكبر من ذلك، وهكذا يضن الذي يستحي، يبقى على الجهل. قال: وروا ابن عائشة وغيره أن عليا رضي الله عنه قال في خطبة خطبها: واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون، وقدروا كل امرئ ما يحسن. فتكلموا في العلم تتبين أقداركم. ويقال إن قول علي من أبي طالب: قيمة كل امرئ ما يحسن، لم يسبق إليه أحد. وقالوا: ليس كلمة أحظ على طلب العلم منها، ليس كلمة أحظ على طلب العلم منها: قيمة كل امرئ ما يحسن. وأحسن الأعمال طلب العلم، أحسن الأعمال طلب العلم. فالذي يشتغل بالعلم ويعيش مع العلم طول حياته، فهذا من أعظم الأعمال. قال: وقالوا: ولا أضر بالعلم وبالعلماء والمتعلمين من قول القائل: ما ترك الأول للآخر شيئا. ما ترك الأول للآخر شيئا. قال: هذه من أورث الكلمات، لأنها تصيب الطالب باليأس، يقول: إذن ما ترك الأول، أي السابقون، لم يتركوا لمن بعدهم شيئا، فلماذا إذن تطلب العلم؟ قد وفوا بالمقصود. وهذا ليس بصحيح، بل يقال: كم ترك الأول للآخر؟ تركوا الكثير. قال أبو عمر: قول علي رضي الله عنه: قيمة كل امرئ أو قدر كل امرئ ما يحسن، من الكلام العجيب الخطير. قال: وقد طار الناس به كل مطير، ونظمه جماعة من الشعراء إعجابا به واقتناء بحسنه. فمن ذلك ما يعزى إلى الخليل بن أحمد قوله: لا يكون السري مثل الجني لا ولا ذو الذكاء مثل العي لا يكون الألد ذو المقال المر في عند القياس مثل الغبي قيمة المرء كل ما يحسن المرء قضاء من الإمام عليه في أبيات قد ذكرتها في غير هذا الموضع. وقال غيره: تقوم على الروح للعلم طالبا أجمع من عند الرغاة كنونه فيا لائمي دعني أغالي بمهجتي فقيمة كل الناس ما يحسنونه وقال أبو العباس الناشئ: تأمل بعينك هذا الأنام فكن بعض ما أنت عليه عقله فحلية كل فتى فضله وقيمة كل امرئ نبله يعني أن قيمة الأشخاص بما يحسنون، كما قال علي رضي الله تعالى عنه. فمن أحسن في العلم فقد قام بأحسن الأعمال. قالوا: عن أيوب قال: إنك لا تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره. يعني أن الشخص ينبغي أن يجالس غير معلمه إذا أراد أن يعرف خطأه، فيجالس غيره، ولا يكون كما قيل: أعمى ينقاد له في كل شيء، يتبعه فيما يعلم، فيما يوافق الدليل. وأيضا لا يتعصب له، بل يجعل الحجة والدليل هي غايته، يجعل الحجة والدليل هي غايته. وأيضا يجالس غيره حتى يتبين له خطأه. وقال قتادة: لو كان أحد يكتفي من العلم بشيء لاكتفى موسى عليه السلام، ولكنه قال: «هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا». يعني أن الشخص لا يشبع من العلم، ولا كذلك أيضا يكتفي بشيء من العلم، بل هو بحاجة إلى العلم دائما، بحاجة عظيمة إلى أن يطلب العلم حتى يلقى الله سبحانه وتعالى.