مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 29

الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 29، ألقاها

حكم العالم إذا سئل عما لا يعلم وأهمية التواضع

يجب على العالم أن يقول لا أدري أو الله أعلم إذا سئل عما لا يعلم، وهذا يعد من العلم والورع. كما أن التواضع وعدم الاغترار بالمظاهر مهم للعالم.

هيبة السلف وتورعهم عن الكلام بلا علم

كان السلف مثل أبي بكر وعمر يهابان التكلم في دين الله بلا علم، ويتحلون بالورع في أقوالهم وأفعالهم، ويشجعون على قول الله أعلم عند الجهل.

أهمية العلم والورع في الإفتاء

يؤكد على أهمية العلم والورع في الإفتاء، ويشير إلى أن قول لا أعلم أو الله أعلم ليس نقصًا بل من العلم والورع، ويستشهد بأقوال الصحابة والتابعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام عبدالبر رحمه الله كما في صحيح جامع بيان العلم وفضله قال: باب ثامن والأربعون ما يلزم العالم إذا سئل عما لا يدريه من وجوه العلم، أي إذا سئل عن شيء لا يعلمه فما الذي يجب عليه؟ قال: عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي البقاع خير؟ قال: «لا أدري». فقال: أي البقاع شر؟ قال: «لا أدري». فقال: سل ربك، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: يا جبريل، أي البقاع خير؟ قال: لا أدري. قال: أي البقاع شر؟ قال: لا أدري. قال: فسل ربك، فانتفض جبريل انتفاضة كاد يصعق منها، كاد يصعق منها محمد صلى الله عليه وسلم، قال: فما أسأله عن شيء، فقال الله عز وجل لجبريل: سألت محمدا أي البقاع خير فقلت لا أدري، وسألك أي البقاع شر فقلت لا أدري، فأخبره أن خير البقاع المساجد وأن شر البقاع الأسواق. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها». وهذا الحديث أصح حيث رواه هريرة في صحيح الإمام مسلم، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن أحب البلاد - أي البقاع - إلى الله جل وعلا مساجدها، وأن أبغض البلاد إلى الله أسواقها. فأحب المواضع إلى الله المساجد، فهي بيوت الله وهي بيت كل تقي كما قال عليه الصلاة والسلام، ففيها تتنزل الرحمات وتغفر الخطايا والسيئات وترفع فيها الدرجات وتحفها الملائكة إلى غير ذلك من الفضائل العظيمة التي في المساجد، فلهذا كانت أحب البلاد والبقاع إلى الله عز وجل، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها، فالأسواق هي مواطن الشياطين وفيها ترتكب المعاصي وكذلك ترتكب المخالفات، فكانت أبغض البلاد إلى الله. وأراد رحمه الله بذكر حديث ابن عمر أن يستدل به أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل فقال «لا أدري»، ويريد أن من سئل عن علم لا يعلمه أن يرجع ذلك إلى عالمه إلى الله جل وعلا فيقول الله أعلم أو يقول لا أدري. قال: وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أدري أعزير نبي أم لا، وما أدري أتبع ملعون أم لا، وما أدري ذو القرنين نبي أم لا، وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا». قال زعم الدارقطني أنه انقطع عبد الرزاق أحد رواته بهذا الإسناد. قال أبو عمر: حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أن الحدود كفارة وهو أثبت وأصح إسنادا من حديث أبي هريرة هذا. وكأنه يشير رحمه الله إلى ضعف هذا الحديث، وإلى هذا أشار كذلك الإمام البخاري، فقال في حديث أن الحدود كفارة قال: وهو أصح. قال: ولا يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم. البخاري يقول: لا يثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحدود كفارة، وأعله كذلك بعض العلماء بالإرسال، وهو على فرض صحته فقد روي في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم». فيحمل هذا على أنه قاله عليه الصلاة والسلام قبل أن يوحى إليه في أمره، هذا على فرض صحته، وإلا ففي كلام أهل العلم إشارة إلى تضعيف هذا الحديث. قال: عن عبادة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تبايعون على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له». والحديث في البخاري ومسلم، وإليه أشار الإمام عبدالبر رحمه الله في قول حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الحدود كفارة أصح. في قوله صلى الله عليه وسلم: «ومن أصاب من ذلك شيئا - أي من هذه المعاصي - السرقة أو الزنا أو نحوها - فعوقب - يعني يقام عليه الحد - فهو كفارة له». وأراد بذلك تثبيت أو الإشارة إلى صحة تلك الرواية التي رويت في قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا أدري الحدود كفارة أم لا». والأصح كما في حديث عبادة أنها كفارة. قال: وذكر الحسن بن علي الحلواني قال: حدثنا عارم قال: حدثنا حماد بن زيد عن سعيد بن أبي صدقة عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أهيب لما لا يعلم من أبي بكر رضي الله عنه، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر رضي الله عنه. وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلا ولا في السنة أثرا فاجتهد رأيه ثم قال: هذا رأيي، فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله. وهذا الأثر صحيح. فابن سيرين رحمه الله وهو من التابعين الإمام محمد بن سيرين كان ملازما لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو أكثر أو كثيرا ما يروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: لم يكن أحد بعد النبي عليه الصلاة والسلام أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، يعني كان يهاب أبو بكر رضي الله تعالى عنه وهو خير هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام بإجماع، كان يهاب أن يتكلم فيما لا يعلم وأن يقول في دين الله جل وعلا بلا علم. كان بعد النبي عليه الصلاة والسلام وأشار إلى ذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام كذلك وهو رسول الله وهو أتقى خلق الله جل وعلا لم يكن يتكلم في دين الله بلا علم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل عن الشيء الذي لا يعلمه فيسكت حتى ينزل عليه الوحي ثم يتكلم بما أعلمه الله سبحانه وتعالى. وهكذا كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وهكذا كان عمر بعد أبي بكر، كان يهاب أن يتكلم في دين الله جل وعلا بلا علم. ثم ذكر أن أبا بكر نزلت به قضية لم يجد لها في كتاب الله أصلا ولا في السنة أثرا فاجتهد رأيه ثم قال: إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله. وهذا دل على ورع أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فقد كان رضي الله تعالى عنه في غاية من الورع، وهو الذي كما جاء في الصحيح عن عائشة أنه كان له غلام يأتي له بالخراج، مال يضربه السيد على عبده يأتي له في اليوم بكذا وكذا من المال أو الطعام، فأتى له مرة بطعام فلما أكل منه أبو بكر فلما طعم قال له هذا الغلام أو هذا العبد أتدري هذا الطعام الذي أكلته من أين؟ قال: لا. قال: كنت تكهنت لرجل في الجاهلية أو قبل أن أسلم، قال: فوجدته فأعطاني هذا الذي أكلت منه، يعني أن هذا المال حرام أخذه من كهانة أو سحر. فماذا فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه؟ أدخل إصبعه في فيه حتى قاء ما في بطنه، أخرج هذا الطعام الذي أكله لأنه طعام حرام، تورعا منه رضي الله تعالى عنه أن يبقى في بطنه شيء من الحرام. فكان رضي الله تعالى عنه يتورع في أن يتكلم في كتاب الله جل وعلا بلا علم، وهكذا كان السلف رضوان الله تعالى عليهم، كانوا يهابون أن يتكلموا في دين الله جل وعلا بلا علم، فإذا سئلوا عن شيء لم يعلموه قالوا: الله أعلم أو لا أدري، وكانت عليهم سهلة. قال: عن عبد الله بن مسعود أنه سمعه يقول: «أيها الناس من علم منكم شيئا فليقل ومن لم يعلم فليقل لما لا يعلم الله أعلم، فإن من علم المرء أن يقول لما لا يعلم الله أعلم». وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾. قال: إن قريشا لما أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإسلام وذكر الحديث، وتكمية الحديث قال: إن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم جاء عليهم بسنين كسنين يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، يعني من التعب، وحتى أكلوا العظام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله استغفر لنا فإننا قد هلكنا. فقال: «لمن؟» قال: لمضر. قال: «إنك لجريء». قال: فادع الله لهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾. والشاهد من الحديث هو قوله: «أيها الناس من علم منكم شيئا فليقل ومن لم يعلم فليقل لما لا يعلم الله أعلم، فإن من علم المرء أن يقول لما لا يعلم الله أعلم». ليس هذا نقصا في العالم أو المفتي إذا سئل عن شيء لا يعلمه أن يقول الله أعلم، بل هذا من العلم، لأنه يتورع ويخاف أن يقول عن الله جل وعلا بلا علم. ومن الجهل أنه يتكلم بلا علم، هذا جاهل الذي إذا سئل فيفتي إن قال الله أعلم أن ذلك نقص في حقه، فيتكلم ويفتي بجهل حتى يقول الناس: فلان ما شاء الله يجيب، ما يسأل عن شيء إلا وأجاب، ما فيه الله أعلم، كلهم هذا معروف ومعلوم من أجل أن يثني الناس عليه أو يثنون له، فهذا جاهل، والعالم هو الذي يقول لما لا يعلم الله أعلم. قال: عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: «أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم». قال: وذكر مثل هذا عن أبي بكر الصديق ميمون بن مهران، أو ذكر مثل هذا عن أبي بكر الصديق ميمون بن مهران وعامر الشعبي وابن أبي مليكة. وهذا من ورع أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أنه كان يقول: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، يعني أين أذهب، أي سماء أكون تحتها وأي أرض أكون فوقها إذا قلت في كتاب الله بغير علم. والمعنى أني أهلك، وهذا من ورعه رضي الله تعالى عنه. قال: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن شيء فقال: لا أدري. فلما ولّى رجل قال: نعم. قال: عبد الله بن عمر سئل عما لا يعلم فقال: لا علم لي به، يعني سأله رجل عن شيء فقال: لا أدري. فلما ذهب السائل قال ابن عمر: نعم ما قال. وعن عبد الله بن يزيد من هرمز قال: «إني لوحدت أن يكون لي بقايا من العلم بعده لا أدري لأخذها من بعده»، يعني إذا سئل عما لا يعلم حتى يأخذ الطالب ذلك منه، أنه إذا سئل عن شيء لا يعلم فيقول: لا أدري أو لا أعلم. قال: عن مجاهد قال: سئل ابن عمر عن فريضة من الفرائض فقال: لا أدري. قال: خلفه ما منعك أن تجيبه؟ قال: سئل ابن عمر عما لا يدري فقال: لا أدري. وعن أيوب قال: تكاثر على القاسم بن محمد يوما بميناء، فجعل يسألونه فيقول: لا أدري. ثم قال: «إنا والله ما نعلم كل ما تسألون عنه، لو علمنا ما كتمناكم، ولا حل لنا أن نكتمكم». وقال: وقال عبد الملك بن أبي سليمان: سئل سعيد بن جبير عن شيء فقال: لا أعلم. ثم قال: «ويل للذي يقول لما لا يعلم إني أعلم». انظر هؤلاء أئمة صحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهكذا أئمة من التابعين يسألون عما لا يعلم فيقولون: الله أعلم، ويردون العلم إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يتجروءون على القول على الله بلا علم. وذكر الشعبي عن علي رضي الله عنه أنه خرج عليهم وهو يقول: «ما أبردها على الكبد، ما أبردها على الكبد». فقيل له: ما ذاك؟ قال: «أن تقول للشيء لا تعلمه الله أعلم». نعم، هي كما قال علي رضي الله تعالى عنه أنها باردة، إذا سئلت عن شيء لا تعلم فقلت: الله أعلم، فإن ذلك مما تطمئن به النفس، أما إذا تكلمت بلا علم فإنك تجد على ذلك حرجا وضيقا لا يعلم به إلا الله، فرد العلم إلى الله سبحانه وتعالى والوقوف عند ما تعلم، فإن ذلك برد على قلبك. قال: وعن القاسم قال: «يا أهل العراق، إنا والله لا نعلم كثيرا مما تسألون عنه، ولن يعيش المرء جاهلا إلا أنه يعلم، مفترض الله عليه خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم»، يعني يقول: أننا لم نحط بالعلم كله، فليس كل شيء تسألون عنه نعلمه، بل نعلم بعضه ونجهل بعضه، ولأن يعيش المرء جاهلا - يعني يبقى جاهلا عن مسألة - خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم، خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم. قال: وحدثني قال: كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: لا أحسنه. فجعل الرجل يقول: إني أدفع إليك، لا أعرف غيرك. فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا أخي، إلزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: «والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أتكلم بلا علم أو بما لا علم لي به».

شاركنا على