الدرس في كتاب الصلاة 14، ألقاها
يتناول شرحًا لأحكام سجدتي السهو في الصلاة، مبينًا أن السهو على ثلاثة أضرب وأحوال. يوضح أن الصلاة تبطل بزيادة متعمدة بينما يسجد للسهو إذا كانت الزيادة عن نسيان.
إذا زاد الشخص أو نقص في صلاته، فعليه أن يسجد سجدتين للسهو. سجدتا السهو تكونان واجبتين في حالة الزيادة أو النقص أو الشك في الصلاة.
إذا نسي المصلي واجبًا أو ركنًا في الصلاة، يرجع ويأتي به إذا لم يستتم قائمًا. إذا نسي ركنًا ولم يذكره إلا بعد الشروع في الركعة التالية، بطلت الركعة التي نسي فيها الركن.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بقضاء الصلوات الفائتة، وإنما فقط بقضاء الصلاة الحاضرة التي لم تصح. هذا يدل على عدم وجوب قضاء الصلوات الفائتة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه": باب سجدتي سهو، أي مدخل في أحكام ومسائل سجدتي السهو؛ لأن الباب يأتي بمعنى المدخل، وهو إما أن يكون مدخلًا حسيًا ومخرجًا، وإما أن يكون معنويًا، وهو المقصود هنا. قال رحمه الله تعالى: والسهو على ثلاثة أضرب، أي على ثلاثة أحوال، وسجود السهو على ثلاثة أضرب وأحوال، يأتي ذكرها ويأتي أحكامها بإذن الله رب العالمين. قال: أحدها زيادة فعلٍ من جنسها، كركعةٍ أو ركنٍ، فتبطل الصلاة بعمده، ويُسجد لسهوه. وإن ذكر وهو في الركعة الزائدة، جلس في الحال، وإن سلَّم عن نقصٍ في صلاته، أتى بما بقي عليه منها ثم سجد. هذه مسائل ذكرت تحت هذا الضرب من السهو. أولها قوله رحمه الله تعالى: زيادة فعلٍ من جنسها، ومعنى من جنسها: أي من جنس الصلاة، أي زيادة، ولكنها من جنس الصلاة، كسجودٍ، أو ركوعٍ، أو تسبيحٍ، أو قراءةٍ، أو ما شابه ذلك في غير محله. فيقول رحمه الله تعالى: زيادة فعلٍ من جنسها، كركعةٍ أو ركنٍ من أركانها. قال: فتبطل الصلاة بعمده، بمعنى أنه إذا فعل ذلك متعمدًا، فإن صلاته تبطل بذلك؛ لأنه فعل فعلًا ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وجاء في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». فلو أن إنسانًا صلى مثلًا صلاة الظهر خمس ركعاتٍ متعمدًا، هذه الصلاة باطلة. قال رحمه الله تعالى: فتبطل الصلاة بعمده، ويُسجد لسهوه. ومعنى هذا: لو أنه زاد زيادة في الصلاة من جنسها، ولكنه كان ناسيًا لذلك الفعل، كرجل مثلًا سجد ثلاث سجدات في ركعة ما من الصلاة، لكنه ساهٍ عن سجود الثالثة، أو قام للركعة الخامسة وهو كذلك ساهٍ، لا يدري أنه قام للخامسة، بل يظن أنه قام للرابعة. فمثل هذا يكون ساهيًا، وماذا يصنع؟ صلاته صحيحة، ويجبر ذلك السهو وذلك النسيان الذي صدر منه بأن يسجد سجدتين للسهو في آخر الصلاة، على ما سيأتي ذكره بإذن الله جل وعلا. فالحاصل أن من زاد زيادة في الصلاة، فكانت تلك الزيادة عن نسيان وسهو، فإن صلاته صحيحة، يكملها، ويُسجد لها للسهو. لما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الصحيحين وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، وجاء كذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، حكوا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمعاني متقاربة، وإن كانت الألفاظ مختلفة. وجاء في حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين». وفي لفظ: «فإذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين»، رواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. وأشهد منه ظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حصل منه ذلك، أي زيادة أو نقص، لكن عن سهو، فإنه يُسجد لذلك سجدتين. بقي ما حكم سجدتي السهو؟ ما حكم سجدتي السهو لمن حصل منه سهو في الصلاة؟ الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن سجدتي السهو واجبتان في كل سهو. ومعنى في كل سهو: أي سواء كان ذلك السهو بزيادة، أو كان في نقص، أو كان في شك. كل ذلك يجب عليه أن يسجد سجدتي سهو، على الصحيح من أقوال العلماء. وفي المسألة خلاف، لكن هذا هو الصحيح من أقوالهم، الذي دلت عليه الأدلة، منها ما تقدم ذكره من حديث عبد الله بن مسعود. وفيه: «فمن زاد، أو نقص، فإذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين». ففيه أن السجدتين تكون لماذا؟ للزيادة أو للنقص، تكون للزيادة أو للنقص. وجاء في حديث أبي سعيد عند مسلم أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدري أصلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك، وليبني على ما استيقن، ثم ليسجد سجدتين لسهو قبل أن يسلم». الشاهد: إذا شك، فدل ذلك على أن سجدتي السهو تكون واجبة، سواء كان حصل النسيان في زيادة في الصلاة، أو في نقصان في الصلاة، أو كان في شك في الصلاة. هذا والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى. وكما سمعتم في المسألة خلاف مشهور بينهم رحمهم الله تعالى ورضي الله عنهم. قال رحمه الله تعالى: وإن ذكر وهو في الركعة الزائدة، جلس في الحال. سواء كان إمامًا أو كان منفردًا. إنسان صلى إمامًا أو كان منفردًا، قام إلى الخامسة، وهو يظن أنه في الرابعة، فلما قام ذكر أنه في الرابعة، فماذا يصنع؟ يقول إمام ابن قدامة رحمه الله: وإن ذكر وهو في الركعة الزائدة، جلس في الحال. واضح هذا. وإذا لم يذكر، إنسان صلى أربع ركعات وقام إلى الخامسة، وقرأ لها، وركع، وسجد، فلما سلم ذكر أنه زاد ركعة، فماذا يصنع؟ يُسجد للسهو. واضح جماعة. يُسجد للسهو؛ لأنه زاد زيادة في الصلاة من جنس الصلاة ساهيًا. ومن زاد زيادة من جنس الصلاة ساهيًا، فإنه يُجبر ذلك السهو بسجدتي السهو. قال رحمه الله تعالى: وإن سلَّم عن نقص في صلاته، أتى بما بقي عليه منها ثم سجد. يعني مثاله: لو أن إنسانًا في صلاة رباعية صلى ركعتين وسلم، يظن من نفسه أنه قد أكمل الصلاة. ثم إما أنه تذكر، وإما أنه نبهه منبه. فيجب عليه أن يقوم في الحال وأن يصلي ركعتين. يدل على هذا ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه إحدى صلاتي العشاء، فجلس في التشهد الأول وسلم، صلى ركعتين وسلم. قال: فخرج سرعان الناس، خرج السرعان من الناس. وقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة. قالوا في القوم رجل طويل يقال له ذو اليدين. فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لم تقصر ولم أنسَ». فقال: بلى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للقوم: «أصدق ذو اليدين». قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر وأتى بالركعتين، ثم سجد لسهو. الشاهد منه: أن من قصر في الصلاة، فنسي ركعتين، أو نسي ركوعًا، أو نسي سجودًا، أو نسي قراءة في الصلاة، فإنه إذا سلم، عليه أن يأتي بالناقص. وإذا لم يسلم، كذلك عليه أن يأتي بالناقص، ثم يسلم. يعني صورتان. الصورة الأولى: أن يسلم، ثم يذكر أو يذكر بأنه بقي عليه من صلاته ركعة أو ركعتان أو غير ذلك. فيجب عليه أن يأتي بما عليه من الصلاة، ثم يُسجد لسهو. الصورة الثانية: أن ينسى شيئًا في الصلاة، ويذكره في الصلاة، مثل: أن ينسى قراءة الفاتحة في الصلاة، فلما ركع، ذكر أنه ما قرأ الفاتحة. ماذا يصنع؟ يتم الصلاة، وتلك الركعة التي لم يقرأ فيها الفاتحة، فإنها تكون ملغاة. وعليه أن يأتي بركعة مكانها قبل أن يسلم، ثم يسلم، ويُسجد لسهو. واضح هذا. لذا يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله: قال: وإن سلَّم عن نقص في صلاته، أتى بما بقي عليه منها ثم سجد. قال رحمه الله تعالى: الضرب الثاني النقص، الأول الزيادة، الثاني النقص. قال: كنسيان واجب. فإذا قام عن التشهد الأول فذكر قبل أن يستتم قائمًا، رجع فأتى به. وإن استتم قائمًا لم يرجع. وإن نسي ركنًا فذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى، رجع فأتى به وبما بعده. وإن ذكره بعد ذلك، بطلت الركعة التي تركه منها. في هذه الفقرة كذلك مسائل. أولها: النقص في الصلاة، ما حكم من نقص في الصلاة أو من الصلاة شيئًا ساهيًا أولًا، عامدًا؟ إن نقص شيئًا من الصلاة عامدًا، فكما تقدم معنا: أن من ترك واجبًا من واجبات الصلاة عامدًا، بطلت صلاته. بقي من ترك واجبًا من واجبات الصلاة ساهيًا ناسيًا، كأن يكون ترك الجلسة الأولى للتشهد، فما حكم صلاته؟ يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله: فإن قام عن التشهد الأول فذكر قبل أن يستتم قائمًا، أي قبل أن ينتصب قائمًا، فماذا يصنع؟ قال: رجع فأتى به. إنسان كان أتى بسجدة السجدة الثانية، ثم ارتفع، ثم أراد النهوض للقيام، قبل أن ينتهض ويستتم قائمًا، ذكر أنه ما أتى بالتشهد. ماذا يصنع؟ يجلس ويأتي بالتشهد. قال: وإن استتم قائمًا، أي إن قام، حصل منه القيام، فماذا؟ قال: وإن استتم قائمًا لم يرجع. فالقيام من التشهد له حالان: الحال الأولى: لم يستتم قائمًا، أي ما زال في أوائل ماذا؟ النهوض، ما اكتمل قيامه، فماذا؟ إن ذكر رجع وجلس وماذا؟ وقرأ التشهد. الصورة الثانية أو الحالة الثانية: أن يقوم، فلما يستتم قائمًا، يذكر أنه ما أتى بالتشهد. ماذا يصنع؟ هل يرجع؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: لا يرجع، ويمضي في صلاته، ثم يسجد للسهو. ولو أن إنسانًا قام واستتم قائمًا، ثم رجع فجلس للتشهد، فإن صلاته تبطل كلها؛ لأنه أتى بفعل ليس من أفعال الصلاة متعمدًا. قال رحمه الله تعالى: وإن نسي ركنًا، يعني الحالة الأولى: إن نسي واجبًا، الحالة الثانية: إن نسي ركنًا. قال: وإن نسي ركنًا فذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى، رجع فأتى به وبما بعده. يعني هذه الحالة متصورة في أن إنسانًا مثلًا سجد سجدة ولم يسجد سجدة أخرى، ثم قام، فلما قام ذكر أنه لم يسجد السجدة الثانية. فماذا يصنع؟ يقول إمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في هذه الحالة: عليه أن يرجع إلى السجود، فيأتي بسجدة أخرى قبل أن يشرع في القراءة؛ لأنه إذا شرع في القراءة، يكون قد تلبس بالركن الآخر. فإذا تلبس بالركن الآخر، فلا يجوز له أن يرجع إلى الركن الأول الذي فات عليه. قال رحمه الله: قال: وإن نسي ركنًا فذكره قبل شروعه في قراءة ركعة أخرى، رجع فأتى به وبما بعده. وإن ذكره بعد ذلك، بطلت الركعة التي تركه منها. أي أن الركعة التي نسي منها ركنًا، سواء كان سجودًا أو ركوعًا أو قراءة أو غير ذلك من أركان الصلاة، فإن تلك الركعة تكون باطلة ملغاة. ويأتي بركعة مكانها قبل أن يسلم، يأتي بركعة كاملة مكانها قبل أن يسلم. قال رحمه الله تعالى: وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات، فذكر في التشهد، سجد في الحال، فصحت له ركعة. ثم يأتي بثلاث ركعات. هذا ممكن. أربع ركعات، في كل ركعة ينسي سجدة واحدة، ممكن. يعني من العجيب: قبل فترة خرجنا في بعض الأمكنة دعوة، فبعد المحاضرة جاءت بعض الأسئلة، ومنها سؤال عجيب غريب. يقول: إمام صلى بأناس صلاة الظهر ثمان ركعات جماعة ساهيًا. عندما يقول هذا: صحيح ولا؟ قال أحد الأخوة: أنا حضرتها. فأشهد أن بعض الناس ربما حصل الشيء كما يقال من الأشياء العجيبة. ثمان ركعات، يعني ما سهى في ركعة ولا ركعتين ولا ثلاث، بل أربع ركعات. أين هؤلاء كلهم سهوا؟ أشهد أنه قد يحصل هذا، أن هذا قد يحصل. قال رحمه الله تعالى: وإن نسي أربع سجدات من أربع ركعات، فذكر في التشهد، سجد في الحال. ما معنى سجد في الحال؟ أي أنه يسجد السجدة الثانية للركعة الرابعة، فتكون تلك الركعة الرابعة صحيحة تامة كاملة. قال: فصحت له ركعة، أي التي ذكر فيها السجود. ثم يأتي بثلاث ركعات؛ لأن تلك الركعات ليست بصحيحة، بل باطلة؛ لأنه نسى في كل ركعة منها ركنًا من أركان الصلاة التي لا تصح الركعة إلا به. قال رحمه الله تعالى: الضرب الثالث... نكتفي بهذا القدر هذا اليوم، والثالث نؤجل إلى قدر إن شاء الله. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. نعم، سنة باطلة، كامل صلاته باطلة، صلاته باطلة. إذا سأل، يؤمر بأن يأتي بصلاة كاملة. وإذا ما سأل إلا بعد خروج الوقت، فيكثر من النوافل والاستغفار. لحديث المسيب: في صلاته النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: «ارجع فصل، فإنك لم تصل». ولم يأمروا إلا بقضاء الصلاة الحاضرة، لم يأمروا بقضاء الصلوات الأخرى التي صلاها في أوقات قد انقضت. هذا والصحيح من أقوال العلماء، والله تعالى أعلى وأعلم.