كتاب الصلاة 29

الدرس في كتاب الصلاة 29، ألقاها

من لا تجب عليهم صلاة الجمعة وأحكامهم

لا تجب صلاة الجمعة على فئات معينة مثل المرأة والعبد والمسافر، ويصح أداؤها لهم إذا حضروها. ألحق العلماء بهذه الفئات أصحاب الوظائف الضرورية.

شروط صحة صلاة الجمعة ووقتها وعدد الحضور

صلاة الجمعة تصح بشرط فعلها في وقت صلاة الظهر وفي قرية وبوجود أربعين من أهل وجوبها. اختلف العلماء في العدد المطلوب لانعقادها.

تتمة الكلام عن شروط صحة الجمعة والخطبة

اختلف العلماء في أقل عدد تنعقد به الجمعة، وفي وصف الخطبتين هل هما واجبتان أم مستحبتان. ناقش المقطع أيضًا أقل ما تصح به الخطبة.

ختام بالتقرب إلى الله بالذكر والاستغفار

المقطع الأخير يشير إلى ختام الحديث بالتقرب إلى الله بالذكر والاستغفار والتوبة، مع تسبيح الله وتنزيهه وطلب العفو والمغفرة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موافق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الصلاة، في باب صلاة الجمعة. وقد ذكر رحمه الله تعالى من تجب عليه الجمعة، ومن لا تجب عليه الجمعة. فمن لا تجب عليه الجمعة: المرأة، وهذا كما سمعتم باتفاق. والعبد، على الصحيح الذي عليه جماهير العلماء. وكذلك المسافر، والمعذور بمرض أو مطر أو خوف. وإن حضروها أجزأتهم، ولم تنعقد بهم، إلا المعذور إذا حضرها، وجبت عليه وانعقدت به. طيب قوله رحمه الله تعالى أولًا: إلا المرأة والعبد والمسافر والمعذور. والمعذور بمرض أو مطر أو خوف أو خوف. طيب، تقدم معنا أن المعذور بمرض، هو المرض الذي يُعذر به صاحبه، وكذلك المطر الذي يُعذر به صاحبه، والخوف كذلك. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى إلحاقًا بهؤلاء، أصحاب الوظائف التي لا بد منها، بحيث أنهم لو تركوها لحصل خلل. قال: مثل الأطباء في المستشفيات، فإذا كان الطبيب عليه نوبة كما يقال في المستشفى، فمثل هذا لا تجب عليه الجمعة؛ لأنه إذا خرج للجمعة وجاء مريض يحتاج إلى إسعافات إلى علاجات أولية، وذلك الطبيب غير موجود، ربما أدى إلى هلاك ذلك المريض. فمثل هؤلاء يكونون من أهل الأعذار في صلاة الجمعة. كذلك الحراس على الأموال، سواء كانت الأموال العامة أو أموالًا خاصة. يعني، كان يكون إنسان حارسًا على مصنع، على متجر، على مصرف، إلى غير ذلك من الحراسات التي لا بد منها. ومن باب أولى الحراسات الأمنية، أي إذا كان الإنسان يحرس في مكان أمني يخاف من أعداء، من ضغاة، من أشرار أن يضر بالمسلمين، فمثل هؤلاء كذلك يكونون معذورين من حضور الجمعة؛ لأجل هذا العذر، وهو حماية الأنفس وحماية الأموال، وكذلك حماية الأعراض. وتعلمون أن الشريعة الإسلامية، بل جميع الشرائع كما ذكر ذلك الشاطبي رحمه الله تعالى في كتاب "الموافقة"، ونقل عليه اتفاق الأمة: أن الشرائع كلها جاءت لحفظ الضروريات الخمس: لحفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. فكل من كان يخشى على شيء من هذه الأمور، وتلك الخشية خشية حقيقية، فإنه يكون معذورًا، ويشرع له التخلف عن الجمعة. ومن هؤلاء من تقدم ذكرهم، ممن يقومون بالأمور العامة على المسلمين، أو حفظ كذلك الأمور العامة على المسلمين، من أطباء، من جنود، من عمال في أعمالهم لا بد منها، أن يكونوا في أعمال لا بد منها. يعني، كان يكون في مصنع، وهذا المصنع يعمل متواصلًا، فإذا خرج جميع عماله ربما حصل خلل وإضرار بالمال. فمثل هؤلاء يقوم من يقوم بتلك الأعمال بقدر الحاجة، ومن عداهم فإنهم ينصرفون لصلاة الجمعة. وهذا من باب حفظ المال. قال رحمه الله تعالى: وَإِنْ حَضَرُوهَا، أي وَإِنْ حَضَرَهَا أَهْلُ الْأَعْذَارِ ممن تقدم ذكرهم، أجزأتهم، أي صحت منهم صلاة الجمعة. فلو أن امرأة، أو مسافرًا، أو مريضًا، إلى غير ذلك من أهل أعذار حضر الجمعة، من حيث الوجوب لا تجب عليه. لكن لو أنه دخل المسجد وحضر الجمعة، وصل مع الناس، فإن صلاته تلك صحيحة وتجزئه. إلا أن الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى ينبه على أمر، وهو أن الجمعة لا تنعقد بهم، أي لا تنعقد بأهل الأعذار. لماذا؟ لأنهم ليسوا من أهل الوجوب، أي لا تجب عليهم الجمعة أصالة. وإنما يحضرون تبعًا لغيرهم. وتجزئهم صلاة الجمعة تبعًا لغيرهم. فلو أن إنسانًا كان مقيمًا وحضر معهم، مثلًا مسافرون، فهل تصح الجمعة؟ يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا تصح منهم الجمعة للمعنى المذكور، وهو: هل من شرط الجمعة العدد بشروطه أم لا؟ الذي عليه أكثر العلماء هو هذا، أي ذكرهم الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: من أن الجمعة لا تنعقد إلا بمن وجبت عليه الجمعة. أما من لم تجب عليه الجمعة بأصالة الشرع إذا حضرها، المعذور بمرض أو مطر أو خوف، هذا مستثنى من جملة من تسقط عنهم الجمعة. لماذا؟ يقول: وجبت عليه وانعقدت به، أي انعقدت به الجمعة. لماذا؟ قالوا: لأن مثل هذا الجمعة بأصالة الشرع واجبة عليه، ولكن له أن يتخلف عنها لذلك العذر. فلو أنه تجشم الصعاب، رجل به مرض، لكنه قال: لن أترك الجمعة، فخرج من بيته، وربما عاونه من أهله حتى حضر الجمعة، هذا من أهل الوجوب. فإذا حضرها تمت به الجمعة، وصحت منهم الجمعة، وانعقدت به كذلك الجمعة، خلافًا للمرأة، خلافًا للمسافر، خلافًا للمملوك. لماذا؟ لأن مثل هؤلاء بأصالة الشرع لا تجب عليهم الجمعة. قال رحمه الله تعالى: ومن شرط صحتها، أي من شرط صحة صلاة الجمعة، فعلها في وقتها، في قرية، وأن يحضرها من المستوطنين بها أربعون من أهل وجوبها، وأن تتقدمها خطبتان. قوله رحمه الله تعالى: ومن شرط صحتها، أي من شرط صحة صلاة الجمعة، فعلها في وقتها. والصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة الظهر. لا يجوز أن تقدم على هذا الوقت. لماذا؟ لأدلة كثيرة على هذا المعنى. جاء في صحيح مسلم من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأرضاه: أنه قال: كنا نصلي الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس. وجاء كذلك في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: فإذا زالت الشمس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصعد على المنبر. وثبت كذلك في "موطأ مالك" بإسناد صحيح: أن الناس كانوا في زمن عمر رضي الله عنه وأرضاه كانوا ينظرون إلى طنفسة عقيل، يقال: طنفسة وطنفسة. قالوا: فإذا عاد الفيء عليها فقد زالت الشمس، وإذا رآها عمر خرج فصعد على المنبر. وكذلك ثبت كما في "مسند ابن منيع" رحمه الله تعالى، كما في "المطالب العالية" للحافظ ابن حجر: أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الناس في زمن عمر في الجمعة ينتظرون حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس خرج عمر رضي الله عنه وأرضاه فصعد على المنبر، فصعد على المنبر وخطب الناس. فهذه الأدلة تدل على أن هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة: أنها تصلى في نفس وقت صلاة الظهر، أي بعد الزوال. وكذلك فعل عمر في زمن عمر يدل على هذا المعنى، وهو إجماع من الصحابة. فإذا وقت صلاة الجمعة هو وقت صلاة الظهر، أي بعد زوال الشمس. وإذا كان كذلك، فلا تصح الجمعة قبل ذلك الوقت. فمن شرط صحة الجمعة فعلها في وقتها. قال رحمه الله تعالى: في قرية. كذلك أن تكون صلاة الجمعة في قرية. وقد تقدم هذا الشرط والكلام عليه في الدرس السابق. أي أن تكون في قرية، والقرية لها بنيان، ولها عرف معروف في العادة. وسواء كان ذلك البنيان من أحجار أو من لبن أو من خشب، إلى غير ذلك مما اعتاده الناس في كل بلد وفي كل زمان بحسبه. قال رحمه الله تعالى: وأن يحضرها من المستوطنين بها أربعون من أهل وجوبها، أي أن يحضرها من المقيمين، ممن هم من أهل تلك البلدة. قال: أربعون من أهل وجوبها. وهذا أحد الأعداد التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في وجوب انعقاد الجمعة. فالعلماء رحمهم الله تعالى، منهم من اشترط عددًا معينًا لصلاة الجمعة، لا تصح إلا به. فمنهم من ذكر الأربعين، أي قال: لا بد أن تكون صلاة الجمعة فيها أربعون رجلًا فما فوق. فلو أنها نقصت عن هذا العدد، فإن الجمعة لا تصح. ومنهم من قال: بل شرط ذلك الخمسون. ومنهم من قال: الثلاثون. ومنهم من قال: اثنا عشر. ومنهم من قال: ثلاثة. والأظهر، والله أعلم، هو ما ذكره جماعة من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أن الجمعة تصح بما تصح به الجماعة. فأقل صلاة الجماعة تكون باثنين. وبعض قال: بثلاثة. شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذهب إلى أن أقل الجمعة أن تكون بثلاثة، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وذهب الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى إلى أن أقل الجماعة أن تكون باثنين. فقال: لو أن رجلين كانا مقيمين، فلأحدهما أن يخطب الآخر، وتصح منهم الجمعة. والحاصل أن المسألة مردها إلى صحة الجمعة، أي صحة الجمعة تعود إلى صحة الجماعة. فمن عقدت به الجماعة، إن عقدت به الجمعة، هذا هو الصحيح من أقوال العلماء. إذ لا دليل على حصر وعدد معين. فإذا كان الأمر كذا، فيرجع إلى حقيقة الجماعة التي هي معنى من معاني الجمعة. بماذا تنعقد الجماعة؟ فمن عقدت به الجماعة، وصحت به الجماعة، صحت به الجمعة. والله تعالى أعلى وأعلم. قال رحمه الله تعالى: وأن تتقدمها خطبتان. وقوله رحمه الله تعالى: أن تتقدمها خطبتان، أي من شرطها، من شرط الجمعة أن تتقدمها خطبتان. وهذا هو قول أكثر أهل العلم: أن من شرط الجمعة الخطبتين قبلها. واستدل هؤلاء بأدلة، منها قول الله جل وعلا: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. قالوا: الذكر المراد به الخطبة مع الصلاة. فمن شرط الجمعة إذن الخطبة مع الصلاة. وكذلك استدلوا بأدلة أخرى، منها فعله صلى الله عليه وسلم، ومداومته على ذلك. قالوا: فهذا يدل على أن الخطبتين من شرط الجمعة. وهذا كما سمعتم قول كثيرين من العلماء رحمهم الله تعالى. وذهب آخر إلى أن خطبة الجمعة مستحبة وليست بواجبة. وهذا القول نسبه بعضهم إلى الجمهور؛ لما ذكروا: ليس هناك أدلة تدل على وجوبها، ليست هناك أدلة تدل على شرطيتها. فقول الله جل وعلا: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، ليس فيها أنها من شرط الجمعة. ومداومة النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: غايته أن يكون فعلًا، والفعل لا يستفاد منه الشرطية. قال رحمه الله تعالى: في كل خطبة حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، والموعظة. طيب، قوله رحمه الله تعالى: في كل خطبة حمد الله إلى آخره، هذه مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، وهي: بماذا تنعقد الخطبة؟ أي ما هو أقل ما تصح به الخطبة؟ أو ما هي شروط الخطبة؟ فبعض أهل العلم اشترط في الخطبة شروطًا، منها: أن تكون بحمد الله، وأن يكون فيها كذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يقرأ فيها القرآن، وأقل ما يقرأ آية واحدة، وأن تكون كذلك موعظة وتذكير. فإن اختل أمر من هذه الأمور اختلت الخطبة فلم تصح. ومنهم من ذكر شروطًا غير هذه الشروط. فمنهم من اكتفى بذكر آية، أو بذكر حديث. ومنهم من قال: بل يكفي أن يكبر، وأن يسبح، وأن يهلل، وما شابه ذلك. والصحيح من أقوال العلماء في هذه المسألة هو ما ذهب إليه جماعة، كالإمام الأوزاعي وغيره، من أن الخطبة أقل ما تصح به: ما تسمى به خطبة. لأن الخطبة لم تأت محددة بالشرع. وإذا كان الأمر كذلك، فيرجع فيها إلى عرف الناس. فأقل ما تصح به وتسمى به خطبة، فإنها تجزئ به. وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء؛ للقاعدة التي مرت معنا قريبًا، وهي: أن ما أطلقه الشرع فلم يقيده شرعًا ولا لغة، فإن تقييده يرجع في ذلك إلى العادة والعرف. والأمر ها هنا كذلك، فالخطبة ترجع إلى معتاد الناس وتعارف عليه الناس بأنها خطبة. ولا شك ولا ريب أن الخطبة لا بد أن تضمن التذكير والوعظ والتعليم والإرشاد، إلى غير ذلك مما هو من مقومات الخطبة. والله تعالى أعلى وأعلم. طيب، نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على